القائمة الرئيسية

الصفحات

تدخل النيابة العامة في قضايا التحفيظ العقاري المستمد من القانون الجنائي

        

تدخل النيابة العامة في قضايا التحفيظ العقاري المستمد من القانون الجنائي


  إبراهيم بعلي 

طالب باحث في سلك ماستر

قانون العقار و التعمير

 الرباط السويسي

 

                 

                   تدخل النيابة العامة

 في قضايا التحفيظ العقاري

 المستمد من القانون الجنائي

 

المقدمة

 

يشكل التحفيظ العقاري الوسيلة القانونية لحماية الملكية العقارية وتقوية مناعتها، وهذا القانون يهدف إلى إتباع مجموعة من الإجراءات والعمليات قصد جعل العقار خاضعا لنظام التحفيظ العقاري المعدل والمتمم بالقانون 14.07، وبالتالي يكتسب العقار المحفظ وضعية قانونية جديدة تميزه عن العقار غير المحفظ، وهذه الإجراءات ترمي في النهاية إلى إقامة الرسم العقاري باعتبار هذا الرسم نقطة الإنطلاق الوحيدة للحقوق والتحملات المرتبطة بالعقار، و بطلان ما عدا ذلك من العقود والحقوق التي لم تظهر خلال مسطرة التحفيظ، وهو ما يعني أهمية هذه المسطرة وخطورتها في نفس الوقت، نظرا لمساسها بالحقوق المالية والعقارية للأطراف[1].

   ومن المعلوم أن الأصل في مسطرة التحفيظ أنها مسطرة إدارية يباشرها المحافظ العقاري، إنما قد تتخللها مرحلة قضائية في حالة التعرض على مطلب التحفيظ، أو في حالة صدور قرار من المحافظ العقاري برفض مطلب التحفيظ.

   و إرتباطا بموضوعنا  فإن النيابة العامة لها مهام وأدوار في مسطرة التحفيظ االعقار تتأرجح بين المرحلة الإدارية والمرحلة القضائية، فيما يتعلق بدورها أثناء المسطرة الأولى فهي تلعب دور حمائي يتمثل في حماية عملية التحديد من جهة عن طريق تسخير القوة العمومية، وكذلك في حماية حقوق الأغيار من جهة ثانية بتقديم تعرضات نيابة عن بعض الأشخاص الذين لا يمكن لهم التقدم به نظرا لوضعيتهم القانونية، هذا الأخير يجعلها تلعب دور إداري لفائدتهم من خلال تدخلها في إجراءات تبليغ المفقودين ومن لم يعين موطن للمخابرة، بالإضافة إلى تسييرها لمكتب المساعدة القضائية باعتبار إجراء مهم في مسطرة التحفيظ مادام أنه المتعرض يكون ملزم بأداء الرسوم القضائية أو إثبات حصوله على المساعدة القضائية.

     و نحن بدورنا إقتصرنا على تدخلها المستمد من القانون الجنائي لما لهذا الأخير من دور هام في فرض عقوبات زجرية لمرور مسطرة التحفيظ  في أحسن الأحوال.

    من خلال هذا يبدو أن لهذا الموضوع ألا وهو تدخل النيابة العامة في مسطرة التحفيظ العقاري و المستقى من القانون الجنائي أهمية بالغة، علما أن تدخل هذا الجهاز القضائي يشكل ضمانة قوية في حماية  الملكية من جهة، ومنح الثقة للعامة ولأصحاب الحقوق على وجه الخصوص، سواء في المرحلة الإدارية للتحفيظ أو المرحلة القضائية، فكلما تدخلت النيابة العامة بصفتها كجهاز قضائي إلا وتم تجاوز وحسم النزاعات العقارية الممكن حصولها أثناء سير مسطرة التحفيظ وعرقلتها، لذلك يعد دورها مهم خصوصا إذ لم تتهاون في القيام بذلك بالنظر لكثرة المهام المنوطة بها و تم تفعيله على أرض الواقع حماية للملكية العقارية.

   يطرح هذا الموضوع اشكالية محورية نتساءل من خلالها عن مدى خصوصية دور النيابة العامة أثناء مسطرة التحفيظ و نجاعتها في حماية الملكية العقارية وفقا لمجموعة القانون الجنائي.

 

و للإحاطة بهذه الإشكالية  سنعالج هذا الموضوع بالإعتماد على التصميم التالي:

 

المطلب الأول : تدخل النيابة العامة في حالة تزوير المحررات و سندات الملكية

تمر مسطرة التحفيظ العقاري بمجموعة من المراحل، و هذه الأخيرة قد تتخللها خروقات للمقتضيات الجنائية، خصوصا في جانب المحررات والأوراق التي تعتبر دليلا كتابيا في الميدان الجنائي، لذا أحاطها المشرع الجنائي بمجموعة من الضمانات من بينها الضمان الجنائي من خلال جريمة التزوير، حيث نجده وضع عقوبات لزجر مقترفيها حماية للحقوق من جهة وحماية للثقة الموضوعة لدى الجهات القانونية المكلفة بتحرير تلك المحررات، و لاسيما في خلق الامن العقاري.

بالموازاة مع ذلك يتوجب علينا تحديد الأركان المكونة لجريمة التزوير في المحررات والعقوبة المقررة لردع مرتكبيها( الفقرة الأولى )، ثم الوقوف على صلاحية تدخل النياية عند وقوع الجريمة ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى: الأركان العامة لجريمة التزوير والعقوبة المقررة  لذلك

عالج المشرع المغربي جريمة تزوير المحررات في الفصول من 351 إلى 367 من مجموعة القانون الجنائي، حيث عرف التزوير في الفصل [2]351 بأنه كل تغيير في الحقيقة بقصد جنائي في محرر بإحدى الطرق المحددة قانونا وأن يترتب عن هذا التغيير ضررا للغير.

لذا ارتأينا لدراسة جريمة التزوير الوقوف على أركانها أولا وذلك بالتطرق للركن المادي والمعنوي، ثم نبين العقوبة المقررة لتزوير المحررات .

أولا : الأركان العامة لجريمة التزوير

·               الركن المادي: هذا الركن وارد في الفصل 351 من القانون الجنائي، و يتجلى في تغيير الحقيقة في محرر وذلك بأن يحل الكذب والزيف محل الحقيقة، والباطل محل الحق ووفقا لذلك فإنه يكفي في تغيير الحقيقة أن يكون جزئيا أو نسبيا شرط أن يمس المركز القانوني للغير دون رضائه[3] أو بمخالفة الضوابط المنصوص عليها قانونا لأنه ليس كل محرر يقع تغيير الحقيقة فيه يعتبر محلا لجريمة التزوير وطبعا وفقا شروط يتطلب توفرها في المحرر وفي تغيير الحقيقة الواقعة به. وجريمة التزوير لا تقوم فقط على تغيير الحقيقة، وإنما يجب ان يقترن هذا التغيير بالضرر كنتيجة مترتبة عليها أو المحتمل حدوته.

·               الركن المعنوي: يتحقق هذا الركن بصدور السلوك الإجرامي من علم وإرادة من الجاني هذا ما يسمى بالقصد الجنائي العام، الذي يتكون من العلم بعناصر الجريمة من جهة، وأن تتجه إرادة الجاني إلى تغيير الحقيقة في المحرر بإحدى الطرق المنصوص عليها قانونا من جهة اخرى، ولكي يكتمل القصد الجنائي لا بد من ظهور نصفه الآخر ألا وهو القصد الجنائي الخاص والمتمثل في سوء النية التي تكون لدى المزور واستعماله المحرر في الغاية التي زور من أجلها، إذ يرتبط القصد الجنائي الخاص بنية القيام بالفعل الإجرامي أي تزوير المحرر ومتى انتفت هذه النية يسقط القصد.

ثانيا : العقوبة المقررة لتزوير المحررات

فالقاعدة في القانون الجنائي ان لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فكل جريمة منصوص عليها في مجموعة القانون الجنائي يعاقب مرتكبيها بالعقوبة المقررة في نفس القانون، من بين هذه الجرائم جريمة تزوير المحررات التي تعتبر من أخطر الجراذم باعتبار أن المحرر يعد الوسيلة الفعالة لتقرير الحقيقة نظرا للدور الذي يقوم به في إضفاء الحجية على التصرفات العقارية وضمان الملك لأصحابه، لذا نجد المشرع المغربي تماشيا مع مبدأ الشرعية الجنائية خص مجموعة من العقوبات لزجر كل من تطاول في غصب ملكية الغير بتزوير المحررات، وتختلف العقوبة من حيث الأشخاص أو من حيث المحررات.

·               عقوبة تزوير المحررات الرسمية: في هذا الإطار لا بد من توضيح العقوبة التي كانت سابقا ثم العقوبة التي أصبحت وفق المستجدات، فالمشرع سابقا في الفصل 352[4]و 353[5] الذي كان معمول بهم، حيث كانت في الاصل عقوبة تزوير المحررات الرسمية هي المؤبد، لكن المشرع سلك اتجاه آخر وأصبحت عقوبة تزوير المحررات الرسمية من قبل الموظفين أو الجهات المخول لها تحرير العقود الرسمية مخففة طبقا لآخر المستجدات التي جاء بها القانون رقم 33.18[6]، حيث أصبحت تتضمن فصول هذا القانون عقوبات سجنية أقل وغرامة مالية تتراوح قدرها مابين 100.000 إلى 200.000 درهم، لكل قاضي أو موظف عمومي أو موثق أو عدل ارتكب أثناء قيامه بعمله تزويرا بإحدى الطرق المحددة قانونا في الفصلين 352 و 353، والاكثر من ذلك فالتعديل الجديد وحد حتى عقوبة تزوير المحررات الرسمية والثابتة التاريخ التي يقوم بها المحامون المقبولين للترافع أمام محكمة النقض بشان المعاملات العقارية حسب الفصل 359-1 من القانون 33.18، وعلاوة على هذا فالمشرع لم يغير الفصل 354 إذ يظهر من خلاله أن العقوبة السالبة للحرية متساوية بين من يقومون بتزوير المحررات الرسمية كأشخاص عاديين وبين الجهات التي تقوم بذلك بصفها المكلفة بالتوثيق.

·               عقوبة تزوير المحررات العرفية: قرر المشرع عقوبة من قام بتغيير الحقيقة في المحرر العرفي من خلال الفصل 358[7] من القانون الجنائي، تتراوح مابين سنة و خمس سنوات وغرامة من مائتين وخمسين إلي ألفي درهم، بالإضافة إلى إعطاء المشرع للقاضي الصلاحية في إضافة بعض العقوبات على العقوبة الأصلية، وهذه العقوبة مقررة لمن ارتكب الجريمة وكذلك لمن حاول.

يستشف من هذا بان تزوير المحررات العرفية يعد من قبيل الجنح عكس تزوير المحررات الرسمية التي تعتبر جناية[8]، وذلك من منظور الفصل 17 من القانون الجنائي الذي ينص على " العقوبات الجنحية الاصلية هي:

Ø             الحبس

Ø             الغرامة التي تتجاوز 1200  درهم

وأقل مدة الحبس شهر وأقصاها خمس سنوت، باستثناء حالات العود أو غيرها التي يحدد فيها القانون مددا أخرى.

 

ثانيا: صلاحية تدخل النيابة العامة في حالة وقوع جريمة التزوير

تتدخل النيابة العامة في مسطرة التحفيظ العقاري  في حالة تزوير إحدى الوثائق المدلى بها أثناء تقديم مطلب التحفيظ، حماية لحقوق طالب التحفيظ من جهة والمتعرضين من جهة ثانية، لذا فمتى تبين للمحافظ عند قيامه بإجراء التحقق والتأكد من الوثائق أو رسوم عدلية أو عرفية أنها مزورة، تتولي النيابة العامة تحريك الدعوى العمومية لترتيب الجزاء المقرر قانونا وفق فصول القانون الجنائي التي تجرم تزوير الاوراق الرسمية أو العرفية والذي تم التفصيل فيه أعلاه.

وللإشارة فحتى المحافظ على الأملاك العقارية باعتباره موظفا عموميا قد يتحمل مسؤولية جنائية عن كل تقصير أو إهمال صدر منه أثناء قيامه بمهامه، ويتعرض للعقوبات الجنائية المنصوص عليها في الفصلين 352 و 353 من القانون الجنائي، وذلك في حالة التلاعب أو تزوير أو تحريف رسوم الملكية العقارية أو ما يرتبط بها من شهادات و خرائط و كل الوثائق التي تسلمها مصالح المحافظة العقارية مادام أنه هو المسؤول الأول والأخير عن تحرير وتسليم هذه الوثائق[9]. وعليه يمكن القول أن هناك إختلاف في طرق التزوير تنقسم إلى طرق مادية وطرق معنوية سنبينها على الشكل التالي:

·               الطرق المادية: المراد به ترك أثرا ماديا في المحرر يدل على العبث به، وذلك بحذف البنود منه أو تعديل بعضها أو زيادة كتابة أو خلق محرر غير موجود أصلا نسبة ما جاء به إلى الغير. وهذه الطرق مبدئيا لا يرتكبها إلا الجهات المكلفة بتحرير العقود الرسمية والثابتة التاريخ شريطة أن يكون ذلك حدث أثناء قيامهم بوظائفهم[10]، وبين المشرع هذه الطرق في الفصل 352 من مجموعة القانون الجنائي كما تم تعديله وتتميمه بموجب القانون 33.18، المتمثلة في وضع توقيعات مزورة، و تغيير المحرر او الكتابة أو التوقيع ( كتغيير حرف "و"  ب "أو" ) او اضافة رقم إلى المحرر بسوء نية أو تغيير التوقيع، إضافة إلى وضع أشخاص وهميين أو استبدال أشخاص بآخرين كوضع اسم لا وجود له في الواقع، كذلك في حالة وضع كتابة إضافية ومقحمة في السجلات والمحررات العمومية بعد تمام تحريرها أو اختتامها.

·               الطرق المعنوية: يتم الحديث عنها عند وقوع تغيير في جوهر المحرر أو في ظروف تحريره، وذلك عند كتابة الموظف العمومي أو الموثق او العدول اتفاقات تخالف ما تم الاتفاق عليه بين الأطراف، أي يتم القيام بتحريف البيانات المضمنة بالمحرر والتي تعكس غاية الأطراف و تأثر على محتوي العقد سواء بالنقصان أو الزيادة بسوء نية. علاوة على حالة إثبات صحة وقائع يعلم الفاعل على أنها غير صحيحة، حيث تعد هذه الأخيرة من أخطر الطرق المعنوية وأكثرها وقوعا في الحياة العملية، وتعني إثبات واقعة على غير حقيقتها من طرف الموظفين العموميين أو العدول أو الموثقين أو القضاة، وبالتالي تصبح هذه الواقعة صحيحة بقوة القانون للإثبات على اعتبار انها صدرت من الجهات المخول لها بتوثيق التصرفات[11]، بالإضافة إلى تغيير عمدي في التصريحات.

تعمد النيابة العامة بعد علمها بهذه الافعال المخالفة للقانون، والتي ارتكبها المحافظ على الأملاك العقارية أثناء قيامه بوظيفته، عن طريق تقديم شكاية أو اشعارها من طرف الضابطة القضائية، إلى فتح بحث في الموضوع والقيام بالإجراءات الأولية للتأكد من جديتها ومن طابعها الحرمي، وفي حالة ماتطلب الأمر الإستماع إلى المحافظ فيجب أن يتم ذلك من طرف أحد قضاة النيابة العامة، وليس من قبل الظابطة القضائية، وذلك لتوفير جو من الطمأنينة يسمح للمحافظين على الأملاك العقارية بالقيام بالمهام الموكولة إليهم على أحسن َوجه.

وهنا نستحضر قضية أحد المحافظين الذي توبع مع أشخاص آخرين من أجل ارتكابهم التزوير بسوء النية أثناء تحرير ورقة رسمية متعلقة بوظيفتهم وإحداث تغيير في جوهرها بإثبات صحة الوقائع يعلمون أنها غير صحيحة والتي تسببت في ضرر، وقضت محكمة الاستئناف ببني ملال في هذه القضية ب10 سنوات سجنا نافدا في حق المحافظ المتهم مستندة إلى الفصل 353 من القانون الجنائي بعلة أنه أسس رسما عقاريا فوق رسم عقاري قديم[12].

وقد أكد أحد الممارسين[13] على أن الواقع العملي يظهر وجود شبكات متخصصة في تقديم تعرضات على مجموعة من مطالب التحفيظ بواسطة وثائق مزورة، والغرض منها هو ابتزاز طالبي التحفيظ والدخول معهم في مفاوضات للتنازل عن التعرض مقابل مبلغرمالي معين، وفي رأينا أن هذا الواقع العملي نجده في أسلوب من أساليب الإستلاء على عقارات الغير عن طريق تزوير وثائق ومستندات عرفية أو رسمية، والذي يهدد الأمنيين القانوني والعقاري معا، لذا شددت الرسالة الملكية على ضرورة الإعمال الصارم للمساطر القانونية والقضائية في حق المتورطين.

المطلب الثاني : تدخل النيابة العامة في حالة إهانة من يقوم بعملية التحديد أو في حالة تحريف أنصاب التحديد و إتلافها.

كثيرا هي الأفعال و التصرفات الممكن حدوثها أثناء عملية التحديد سواء التي تطال الموظف الذي يقوم بعملية التحديد من خلال إهانته و الإعتداء عليه ( الفقرة الأولى ) أو التي تطال العقار المزمع القيام بتحديده من خلال تحريف أو تحويل علامات الربط الجيوديزية ( الفقرة الثانية ) و في كلتا الحالتين تتدخل النيابة العامة لحفظ النظام و مرور عملية التحديد في أحسن الظروف.

الفقرة الأولى : إهانة موظف عمومي و الإعتداء عليه

   أثناء القيام بعملية التحديد سواء من قبل المحافظ على الأملاك العقارية أو من قبل المهندس المساح الطبوغرافي قد تحدث عراقيل في عملية التحديد ، خاصة إذا علمنا القيمة التي أصبح يحتلها العقار في شتى المجالات، الأمر للذي يدفع البعض إلى الإستعانة بالعديد من الوسائل التي تسبب أضرار للغير سواء المادية منها أو المعنوية أو هما معا من أجل الحفاظ على عقاره ، مالكا كان أم غاصبا سواء كان إدعائه حقيقيا أو كيديا ، حيث أصبح العديد ممن تسول لهم أنفسهم أن يصل بهم الأمر إلى إهانة المحافظ العقاري أو المهندس أثناء القيام بعمليات التحديد أو الإعتداء عليهم ، الأمر الذي إستدعى تدخل المشرع لوضع لهم الحماية لازمة ، و بالرجوع إلى ظهير التحفيظ العقاري فإنه لا ينص على جريمة إهانة موظف عمومي و الإعتداء عليه ، مما يحتم علينا الرجوع إلى القانون الجنائي [14]على إعتبار أن موظفوا مصلحة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية و المسح العقاري موظفون عموميون يخضعون للحماية المقررة لهم و المستمدة من القانون الجنائي .

و الموظف العمومي هو كل شخص يعين في وظيفة قارة و يُرَسَم في احدى رتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة[15]، و بما أنا الموظف تابع للوكالة الوطنية و المحافظة العقارية و المسح العقاري و الخرائطية، و تخضع هذه الوكالة لوصايا الدولة تتمتع بالشخصية المعنوية و الإستقلال المالي إلا أنها تعد مؤسسة عمومية[16].

 و بالرجوع إلى السند القانوني الذي هو الفقرة الأولى من الفصل 263 من مجموعة القانون الجنائي ، نجده ينص على أنه " يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة و غرامة من 250 إللى 5000 درهم من أهان أحدا من رجال القضاء أو من الموظفين العموميين أو من رؤساء أو رجال القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم، أو بسبب قيامهم بها بأقوال أو إشارات أو تهديدات أو إرسال أشياء أو وضعها أو بكتابة رسوم غير علنية و ذلك بقصد المساس بشرفهم أو بشعورهم أو الإحترام الواجب لسلطتهم ".

   من خلال هذا الفصل يتبين أن المشرع حدد الأفعال التي تكون الركن المادي من الجريمة وهي الإهانة سواء بألأقوال أو بالإشارات أو التهديدات أو إرسال أشياء أو وضعها أو بكتابة رسوم غير علنية وذلك بقصد المساس بشرفهم أو الإحترام الواجب لسلطتهم ، الأمر الذي ينطبق بلا غموض على المحافظ العقاري و المهندس المساح الطبوغرافي أثناء القيام بعملية التحديد ،وهذا النص ينطبق بجلاء على الأشخاص السالف ذكرهم نظرا للإحتكاكهم الواقعي مع طلاب التحفيظ و المتعرضين و مع كل من له مصلحة في الأرض المزمع تحديدها، و النيابة العامة بمجرد توصلها بشكاية تثبت ذلك تقوم يتحريك المتابعة في حق هؤلاء المعرقلين ،لذلك المشرع كان محتاطا و أقر الحماية الجنائية لتأدية مهامهم دون تشويش ،و تضاعف العقوبة في حالة تطور الأمر إذا تم إرتكاب عنف أو إيذاء ضد أحد الموظفين العموميين أو رؤساء أو رجال القوة العامة أثناء قيامهم بعملية التحديد لترتفع العقوبة من 3 أشهر إلى سنتين [17].

و إذا ترتب عن العنف إراقة دم أو جرح أو مرض أو إذا إرتكب مع سبق الإصرار أو الترصد فإن مصيره الحبس من سنتين إلى خمس سنوات ، و النيابة العامة هي من تتولى متابعة الجناة إستناذا للفقرة الثانية من الفصل 2 و الفصل 36 من قانون المسطرة الجنائية [18].

   و إذا ترتب عن العنف قلع أو بتر أو حرمان من إستعمال عضو أعمى أو عور أو أي عاهة مستديمة فإن العقوبة تكون السجن من 10 إلى 20 سنة أما إذا ترتب عن العنف الموت دون نية إحذاته تكون العقوبة السجن من 20 إلى 30 سنة و إذا ترتب الموت مع نية إحذاته فالعقوبة الإعدام أي القتل العمد .

الفقرة الثانية : تحريف أو تحويل علامات الربط الجيوديزية .

  منطلقنا الأساسي في هذا المحور يجد سنده في الفصل 105 من ظهير التحفيظ العقاري كما وقع تغييره و تتميمه بمقتضى القانون رقم 07.14 و الذي نص على " يتعرض الأشخاص الذين يقترفون هدم أو تحريف أو تحويل علامات الربط الجيوديزية أو أنصاب التحفيظ للعقوبات المقررة في الفصل 606 من القانون الجنائي فضلا عن أداء النفقات و المصاريف التي تتطلبها إعادة العلامات و الأنصاب المذكورة "

   لما للدور الهام لعلامات الربط الجيوديزية أو أنصاب التحفيظ من دور هام في رسم الحدود الصحيحة للبقعة الأرضية المراد تحديدها يجب ألا تتميز هذه الأنصاب بعدم الإستقرار و ذلك بتغيير مكانها أو تحريفها أو تحويلها أو هدمها بالمرة ، لأن هذه الأنصاب هي حجة قاطعة على حدود الأرض التي على الأغيار إحترام مكانها بإعتبارها النقطة الفاصلة التي تُحِد الأرض و لتفادي إختلاط الحدود مع الجيران . و هناك من قال " بما أن هذه الأنصاب يجب أن تكون موحدة حتى لا تختلط بغيرها و تضيع الفائدة المرجوة منها ، فيجب أن تكون من الحجر المنحوت و الإسمنت الجيد و أن تكون علوها خمسين سنتمترا على الأقل و يكون أساسها كبير الحجم بالنسبة لرأسها ، ذلك ليتأتى إدخالها في الأرض و تتبيتها حتى تكون راسخة لا تتزحزح ، و يجب أن يكون ضلع كل جانب من رأسها المربع 10 سنتمترات على الأقل و زيادة على ذلك ينقش الحرفان ( ت.ع ) أي التحفيظ العقاري في إحدى جهات العلامات المذكورة و تصبغ بالطلاء الأحمر "[19].

   و من خلال الفصل محور الدراسة -أي الفصل 105 من ظهير التحفيظ العقاري – يتبين أنه أحال على مقتضيات القانون الجنائي أي الفصل 606 ، و بالرجوع إلى هذا الفصل نجده ينص على " من ردم كلا أو جزءا من خندق أو أتلف كلا أو جزءا من سياج مهما المادة التي صنع منها ، أو قطع أو قلع أو حسكا أخضر أو جافا ، أو نقل أو أزال نصبا أو أي علامة أخرى مغروسة متعارفا عليها لإثبات الحدود الفاصلة بين العقارات المختلفة ، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر و غرامة من 200 إلى 500 درهم "

    كذلك الفصل 105 مكرر من ظهير التحفيظ العقاري كما وقع تغييره و تتميمه بموجب القانون 14.07 حيث نص على " دون الإخلال بتطبيق المقتضيات الجنائية الأكثر صرامة يعاقب كل من قام بعرقلة سير عملية التحديد بالحبس لمد تتراوح بين شهر واحد و ستة أشهر و بغرامة يتراوح قدرها بين 500 و 1000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين"

    من خلال ما تقدم يتضح دون غموض أن المشرع المغربي أعطى الحماية الكفيلة سواء للمحافظ على الأملاك العقارية أو المهندس المساح الطبوغرافي أثناء القيام بعملية التحديد ، و هذه الحماية تسهر على تفعيلها النيابة العامة بما لها من سلطة من خلال الحفاظ على النظام العام و الحيلولة دون عرقلة لتمر عملية التحديد خاصة و مسطرة التحفيظ ككل  بسلم و أمان .

 

 

خاتمة.

من خلال ماسبق و أن تطرقنا له و ذلك لبسط بعض أوجه تدخل النيابة العامة المستمد و المستقى من القانون الجنائي لضرب على أيدي من يحاولون عرقلة مسطرة التحفيظ العقاري سواء قبل تأسيس الرسم العقاري أو بعد تأسيسه و ذلك لتدخلها لتوفير الحماية لازمة و توفير الحماية الكافية للملكية العقارية و نظرا للإختصاص الأصلي للنيابة العامة في الميدان الجنائي من خلال تحريك الدعوى العمومية لكل من تسول لهم أنفسهم عرقلة مسطر ة التحفيظ ، و في ذلك حماية جنائية كافية تحمل في طياتها تحقيق المبتغى الأساسي الذي يطمح له المشرع و هو هدم الإزدواجية بين عقارات محفظة وأخرى غير محفظة التي تمخضت عن الحماية الفرنسية و ذلك من خلال التشجيع على إدخال العقارات في نظام التحفيظ العقاري .

 

 

 



[1] امين برفود:" دور النيابة العامة في مسطرة التحفيظ العقاري بين النص التشريعي والواقع العملي" رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص تخصص المهن القانونية والقضائية، جامعة عبد المالك السعيدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان، السنة الجامعية 2017-2018 ، الصفحة 6.

[2]  الفصل 351 من القانون الجنائي ينص على " تزوير الاوراق هو تغيير الحقيقة فيها بسوء نية، تغييرا من شأنه أن يسبب ضررا متى وقع في محرر بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون".

[3]  محمد عبد الحميد الألفي: " جرائم التزييف والتقليد والتزوير" ، دار الطبوعات الجامعية الإسكندرية، الطبعة الثالثة، السنة 2013، الصفحة 146.

[4]  الفصل 352 من القانون الجنائي ينص على أنه:"  يعاقب بالسجن المؤبد كل قاض أو موظف عمومي و كل موثق أو عدل ارتكب أثناء قيامه بوظيفته. تزويرا بإحدى الوسائل التالية:

-        وضع توقيعات مزورة.

-        تغيير المحرر او الكتابة أو التوقيع.

-        وضع أشخاص موهومين و استبدال أشخاص بآخرين.

-        كتابة إظافية أو مقحمة في السجلات أو المحررات العمومية بعد تمام تحريرها أو اختتامها. "

[5]  الفصل 353 من القانون الجنائي ينص على انه:" يعاقب بالسجن المؤبد على كل واحد من رجال القضاء والموظفين العموميين أو الموثقين أو العدول ارتكب بسوء نية أثناء تحريره ورقة متعلقة بوظيفته تغييرا في جوهرها أو في ظروف تحريرها وذلك إما بكتابة اتفاقات تخالف ما رسمه أو أملاه الأطراف المعنيين و إما بإثبات صحة الوقائع بعلم أنه غير صحيحة وإما بإثبات وقاءع على أنها اعترف بها لديه أو حدثت أمامه برغم من عدم حصول ذلك وإما بحذف أو تغيير عمدي في التصريحات الني يتلقاها. "

[6]  القانون رقم 33.18 المعدل والمتتم للقانون الجنائي المغربي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.19.44 بتاريخ 4 رجب 1440 الموافق ل 11 مارس 2019، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6763، بتاريخ 25 مارس 2019، الصفحة 1612.

[7]  الفصل 358 من القانون الجنائي ينص على انه:" من ارتكب بإحدى الوسائل المشار إليها في الفصل 354 تزويرا في محرر عرفي، أو حاول ذلك، يعاقب بالحبس من مائتين وخمسين إلى ألفي درهم.

ويجوز علاوة على ذلك، أن يحكم عليه بالحرمان من واحد أو أكثر من الحقوق المشار إليها في الفصل 40 وبالمنع من الإقامة مدة لا تزيد على خمس سنوات".

[8]  محمد دياب، نهيلة الشرامطي: " الحماية الجنائية للملكية العقارية" ، بحث لنيل شهادة الإجازة في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- مراكش، السنة الجامعية 2019-2020، الصفحة 24.

[9]     أمين برفود: دور النيابة العامة في مسطرة التحفيظ العقاري بين النص التشريعي والواقع العملي"، المرجع السابق، الصفحة 18. 

 

[11] محمد دياب، نهيلة الشرامطي: " الحماية الجنائية للملكية العقارية" المرجع السابق، الصفحة 20.

[12]    أمين برفود: دور النيابة العامة في مسطرة التحفيظ العقاري بين النص التشريعي والواقع العملي"، المرجع السابق، الصفحة 19.

[13]  خالد ركيك:" دور النيابة العامة خلال المرحلة الإدارية للتحفيظ العقاري"، مقال منشور في موقع المكتبة القانونية العربية www.bibliotdroit.com.  ، تم الإطلاع والتحميل بتاريخ 2 فبراير 2021 على الساعة 16.30 عبر الرابط التالي:  https://www.bibliotdroit.com/2017/11/blog-post_2.html?m=1. 

[14]   ظهير رقم 1.59.413 صادر في 28 جمادى الثانية 1382 ( 26 نونبر 1962 ) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي ، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر بتاريخ 12 محرم 1383 ( 5 يونيو 1963 ) الصفحة 1253.

[15]   الفصل الثاني من ظهير رقم 1.58.008 الصادر بتاريخ 4 شعبان 1377 ( 24 فبراير 1958 ) بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية الجريدة الرسمية عدد 2372 بتاريخ 11/04/1958.

[16]  الفقرة الأولة من الفصل الأول من ظهير رقم 1.02.125 صادر في فاتح ربيع الآخر 1423 ( 13 يونيو 2002 )بتنفيذ القانون رقم 58.00 القاضي بإحداث الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية و المسح العقاري و الخرائطية المنشور يالجريدة ارسمية عدد 5032 بتاريخ 13 جمادى الآخرة 1432 ( 22 غشت 2002 ) الصفحة 2405.

[17]  الفصل 267 من القانون الجنائي .

[18]  جاء في الفقرة الثانية من الفصل 3 من قانون المسطرة الجنائية " يقيم الدعوى العمومية و يمارسها قضاة النيابة العامة كما يمكن أن يقيمها الموظفون المكلفون بذلك قانونيا " و كذلك الفصل 36 الذي نص على " تتولى النيابة العامة إقامة و ممارسة الدعوى العمومية و مراقبتها و تطالب بتطبيق القانون ، و لها أثناء ممارسة مهامها الحق في تسخير القوة العمومية مباشرة "

[19]  محمد خيري " العقار و قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي " دار النشر المعرفة ، مطبعة المعارف الجديدة الرباط ، السنة 2018 ،الصفحة 208 .

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات