القائمة الرئيسية

الصفحات

الخروقات التي يعرفها تدبير الجماعات الترابية بعيون مؤسسة وسيط المملكة

 مظاهر الخروقات التي يعرفها تدبير الجماعات الترابية 
بعيون مؤسسة وسيط المملكة
                                                   د / العربي محمد مياد 

الخروقات التي يعرفها تدبير الجماعات الترابية   بعيون مؤسسة وسيط المملكة


   أبت مؤسسة وسيط  المملكة إلا أن تخصص الجزء التاسع  من تقريرها لسنة 2019  لمنظومة التظلمات والتشكيات بالجماعات كوحدات ترابية ، في سابقة من نوعها بعد أن كان الموضوع  حكرا على مصالح المديرية العامة للجماعات الترابية والمفتشية العامة لوزارة الداخلية، فضلا عن المجالس الجهوية للحسابات، وهذا لعمري سنة حميدة سيجزى من سنها ومن سيعمل بها مستقبلا أحسن الجزاء .

  ومن خلال تتبع خطوات التقرير، سيجد القارئ العادي والمهتم والمتخصص وثيقة قانونية واقتصادية واجتماعية بين يديه تكفيه عناء البحث  عن التقييم السياسي  لتصرفات القائمين عن الجماعات الترابية  في علاقتها بالمرتفقين ، وقد تفيد المدققين في رصد الخروقات التي تلامس تصرفات رؤساء المجلس الجماعية طبقا للقانون التنظيمي للجماعات رقم 113.14 ،  وموقف  المراقبين والمدققين منها .

  ويستخلص من التقرير المذكور أن مؤسسة وسيط المملكة توصلت ب 442 تظلما خلال سنة 2019 تهم الجماعات أي بنسبة 14% تقريبا من مجموع ملفات التظلم المفتوحة بالمؤسسة ، ويأتي على رأسها   224 تظلمات ذات طبيعة إدارية و 230  ذات طبيعة عقارية موزعة بين ما هو ما يدخل في اطار نزع الملكية والاعتداء المادي والاستفادة من البرامج الاجتماعية المتعلقة بالموضوع فضلا عن التجاوزات الناجمة عن وثائق التعمير والتحفيظ العقاري وأملاك الجماعات السلالية والملك الخاص للدولة .

 وسيرا على النهج الذي عملنا به في المقال السابق الذي خصصنا للتقرير المذكور، سنركز على الشق العقاري ، وهكذا يلاحظ بأنه من أصل 230 تظلما في هذا المجال تمت معالجة 208 شكاية بمقتضى قرارات  سواء عن طريق الحفظ أو عدم القبول أو عدم الاختصاص أو التسوية .

  وهكذا تم تسوية 14 ملفا ، بينما تم حفظ 122 شكاية  ، بينما كان مصير 70 ملفا عدم القبول أو عدم الاختصاص .  وقد جاءت القضايا التي تهم التعويض عن نزع الملكية، والاعتداء المادي على رأس قائمة القرارات التي تم إصدارها في المجال العقاري ، ونعلم أن مؤسسة وسيط المملكة تكون غير مختصة في بعض القضايا بقوة القانون ، ذلك أنه طبقا للمادة 12 من القانون رقم 14.16 المتعلق بمؤسسة الوسيط  الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.19.43 بتاريخ 11مارس 2019 لا  يجوز للمؤسسة النظر في القضايا الآتية :

  1. - التظلمات المتعلقة بالقضايا المعروضة على القضاء ؛
  2. - التظلمات الرامية إلى مراجعة الأحكام القضائية ؛
  3. - القضايا التي يوجب فيها القانون اللجوء إلى لجن مختصة قبل اللجوء إلى القضاء ؛
  4. - القضايا التي تدخل في اختصاص إحدى مؤسسات وهيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها ، أو هيئات الحكامة الجيدة والتقنين المنصوص عليها في الفصول 161 ومن 163 إلى 167 من الدستور.

   لكن ما يثير الانتباه بل والامتعاض عدد التوصيات غير المنفذة من طرف الجماعات، وعددها  176 توصية تهم فقط المجال العقاري بما فيها التعويضات عن نزع الملكية والتعمير والارتفاقات  العمومية وأراضي الجماعات السلالية والتحفيظ وهو ما يشكل صدارة الترتيب،  وتأتي جهة الدار البيضاء _ سطات على رأس الجهات التي تتبوأ السبق في هذا المجال ب 57 توصية غير منفذة متبوعة بجهة الرباط _ سلا _ القنيطرة  ب 39 توصية غير منفذة ، بينما   لا تتعدى توصية واحدة غير منفذة بجهة العيون _ الساقية. 

  وحتى تكون مؤسسة الوسيط إيجابية خصصت المحور الثالث من الجزء التاسع من التقرير السنوي للاختلالات والاقتراحات .

 وهكذا فإنه في مجال الاختلالات والاقتراحات المتعلقة بتدبير قطاع التعمير والمجال الترابي الجماعي نقف عند  ما يلي :

أولا :  اختلالات تتعلق بتخصيص عقارات في اطار المنفعة العامة 

وتتلخص فيما يلي :

  1. _ عدم تنفيذ مضامين وثائق التعمير بخصوص احداث التجهيزات الجماعية؛
  2. _ عدم رفع اليد عن العقارات المخصصة للتجهيزات الجماعية رغم انتهاء صلاحية وثائق التعمير السارية، أو انتهاء المدة القانونية لتنفيذها في خرق جلي للمادة 28 من قانون التعمير؛
  3.  _ المبالغة في تقدير الحاجيات من العقارات لإنجاز التجهيزات الجماعية والمساحات الخضراء ؛
  4.  _ عدم القيام بدراسة الجدوى للمشاريع المسطرة في وثائق التعمير ؛
  5. _  الافراط في اللجوء إلى اعتداء المادي بمجرد نشر المرسوم بالمصادقة على وثائق التعمير، دون سلوك مسطرة نزع الملكية .

 ثانيا : اختلالات متعلقة بتدبير الرخص والشهادات ذات الصلة بقطاع التعمير 

  غالبا ما تعمد مصالح الجماعات الترابية إلى تجاهل الاختصاصات القانونية للوكالات الحضرية ، عن طريق سواء منح الرخص الإدارية المتعلقة بالبناء أو السكن أو التجزيء واحداث المجموعات السكنية وتقسيم العقارات أو شهادات المطابقة ، رغم أن من أهم الاختصاصات المنوطة بهذه الوكالات،  مراقبة أعمال تقسيم وتجزيء الأراضي وإقامة المجموعات السكنية والمباني ولرخص التجزيء وغيرها .كما وقفت مؤسسة الوسيط على خروقات خطيرة في مجال التعمير من قبيل تسليم بعض رؤساء الجماعات لشهادة التسليم المؤقت بخصوص بعض التجزئات قبل حتى اكتمال الأشغال بها،  مما يساعد على ظاهرة البناء العشوائي ، كما تقوم بعض الجماعات بإعطاء إذن بإحداث بعض التجزئات وترخص بتغيير التصاميم الأصلية للتجزئات في غياب شامل لرأي اللجنة المختصة .

 وبناء على ماسبق تقترح مؤسسة وسيط المملكة ضمانا للجودة والشفافية في مجال تدبير قطاع التعمير والبناء ما يأتي : 

أ _ في مجال تخصيص أملاك الخواص العقارية:

_ التقيد بالمساطر القانونية المعمول بها والامتناع عن ممارسة الاعتداء المادي وتجاوز مقتضيات القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت ؛

 _ ضرورة رفع اليد عن العقارات التي كانت مقيدة بالمنفعة العامة طبقا للمادة 28 من القانون رقم 12.90 يتعلق بالتعمير والمرسوم التطبيقي بتاريخ 14 أكتوبر 1993، وذلك بعد انقضاء 10 سنوات من تاريخ نشر المرسوم القاضي بالموافقة على تصميم التهيئة بالجريدة لرسمية .

ب _ في مجال التعمير

 _ ضرورة احترام رؤساء الجماعات للاختصاصات القانونية الموكولة للوكالات الحضرية وعدم التطاول عليها ؛

 _ العمل على تتبع أشغال التجهيز ابان إنجازها والوقوف بعين المكان بعد تصريح أصحاب مشاريع التجزئة بإتمامها، للتأكد من مطابقتها للتصاميم المرخصة ومدى احترام دفاتر التحملات قبل تسليم شهادة التسليم المؤقت؛

 _ العمل على احترام تصاميم التنطيق وتفادي تسليم رخص الاستغلال المنافية لها ، والكف عن منح رخص تجارية أو حرفية أو صناعية في مناطق غير مرخصة لها بمقتضى وثائق التعمير في خرق جلي للبيئة وحقوق الساكنة .

  وكخلاصة عامة ، فإن تقرير مؤسسة وسيط المملكة وقف على خروقات جمة ، تمارس من طرف رؤساء المجالس المنتخبة ، منها ما يرقى إلى اختلالات قانونية وبعضها لا يمكن أن يكيف إلا بأفعال تقع تحت طائلة القانون والمساءلة ،  وفي هذا المجال يتقاطع مع ما وقف عليه المجلس الأعلى للحسابات  من خلال تقريره  لسنتي 2016 و 2017 ، ذلك أن هذا المجلس أنجز" اثنتي  وثلاثين (32)  مهمة رقابية في ميادين مراقبة تسيير الأجهزة العمومية وتقييم البرامج العمومية ومراقبة استخدام الأموال العمومية، كما أصدرت غرف المجلس 588 قرارا قضائيا فيما يخص مادة التدقيق والبت في الحسابات و 60 قرارا في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية. هذا في الوقت الذي أحال الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات أربعة (4) قضايا تتعلق بأفعال قد تستوجب عقوبة جنائية على وزير العدل.أما أهم إنجازات المجالس الجهوية للحسابات، فيمكن تلخيصها في تنفيذ 128 مهمة رقابية تندرج في إطار مراقبة التسيير على مستوى بعض الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية المحلية، وكذا بعض شركات التدبير المفوض. هذا بالإضافة إلى إصدار 2089 حكما نهائيا في مادة التدقيق والبت في الحسابات و 155 حكما في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية." (المصدر :  موقع المجلس الأعلى للحسابات) .

    لذا المطلوب وقد تم نشر التقرير السنوي 2019 لمؤسسة الوسيط وتخصيص جزء مهم منه للجماعات الترابية ، من حقنا أن تساءل عن الإجراءات التي ستتخذها المفتشية العامة للإدارة الترابية تجاه الأفعال التي وقف عليها التقرير المذكور وخاصة في مجال التعمير والبناء ، علما أن هذا التقرير نابع من مؤسسة دستورية مهمتها الدفاع عن الحقوق وإشاعة مبادئ العدل والانصاف وقيم التخليق في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية . كما أن قانونها  المذكور ولا سيما المادة 20 منه  تنص على أنه " إذا تبين من خلال البحث والتحري أن مصدر التظلم ناتج عن خطإ أو سلوك شخصي لأحد الموظفين أو الأعوان، رفع الوسيط ملاحظاته واستنتاجاته في الموضوع إلى رئيس الإدارة المعنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وإخباره بما اتخذه من قرارات في الموضوع داخل أجل 30 يوما. كما يمكنه أن يوجه إلى الإدارة المعنية توصية بالمتابعة التأديبية، وإن اقتضى الحال، توصية بإحالة الملف إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في القانون."

  ونحن نعتقد بأنه مادام رفع وسيط المملكة التقرير السنوي المذكور إلى أنظار جلالة الملك طبقا للمادة 47 من القانون رقم 14.16 المتعلق بمؤسسة الوسيط ، وأذن جلالته بنشره بالجريدة الرسمية ، تكون هذه المؤسسة الدستورية قد قامت بواجبها ووفت ، وما على السلطات العمومية وعلى رأسها رئاسة النيابة العامة والمفتشية العامة للإدارة الترابية إلا  حصر الأفعال المنافية للقانون  وإحالتها إلى الجهة المختصة لتكييفها طبقا للقانون ،  في أفق ربط المسؤولية بالمحاسبة والمعاقبة إن اقتضى الحال .

منقول عن صفحة استاذنا الفاضل محمد العربي مياد

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات