المسطرة الإدارية والقضائية للتحفيظ العقاري

محتويات المقال

 

المسطرة الإدارية والقضائية للتحفيظ العقاري

المسطرة الإدارية والقضائية للتحفيظ العقاري.

المرحلة الإدارية لمسطرة التحفيظ العقاري.

المرحلة القضائية لمسطرة التحفيظ العقاري.

من إعداد الطلبـة : مجيد أزرقان، الهبزي محمد، وليد الداودي ،جواد القرشي

مقدمة

يعتبر حق الملكية وخاصة الملكية العقارية من أهم الحقوق التي يسعى الإنسان لحمايته والدفاع عنه، والمشرع عمل على تأمين الملكية العقارية وتعبئتها بهدف اتخاذ الوعاء العقاري الضروري لإنجاز الاستثمارات، لأن العقار محور أي مشروع تنموي ولن يؤدي هذه الوظيفة إلا إذا كان خاليا من النزاعات. 

ويشكل نظام التحفيظ العقاري إحدى الوسائل المبتكرة لحفظ وتأمين هذا الحق. وهذا النظام نظمه المشرع المغربي بمقتضى ظهير 12 غشت 1913 المعدل بالقانون رقم 07_14 .

وقد أوضح الفصل الأول من القانون 07_14 المقصود بالتحفيظ العقاري حيث نص أنه “يرمى التحفيظ إلى جعل العقار المحفظ خاضعا للنظام المقرر في هذا القانون من غير أن يكون في الإمكان إخراجه منه فيما بعد ويقصد منه:

– تحفيظ العقار بعد إجراء مسطرة للتطهير يترتب عنها تأسس رسم عقاري وبطلان ما عداه من الرسوم ، وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة فيه.

– تقييد كل التصرفات و الوقائع الرامية إلى تأسيس أو نقل أو تغيير أو إقرار أو إسقاط الحقوق العينية أو التحملات المتعلقة بالملك في الرسم العقاري المؤسس له.

وإذا كان الدخول في هذا النظام مبدئيا هو عمل اختياري إلا في بعض الحالات الاستثنائية فإن هذا الدخول يتطلب مجموعة من الإجراءات الشكلية ، وهذه الإجراءات هي التي تشكل الجانب المسطري المتعلق بمسطرة التحفيظ، وهي التي ستكون موضوع دراستنا.

 وتبتدئ هذه الإجراءات بتقديم مطلب للتحفيظ يكون مدعوما بالوثائق والحجج المثبتة لأصل الملكية، والتي يتولى المحافظ فحصها، ولإعلام الغير بعملية التحفيظ يتم القيام بعملية الإشهار ثم بعد ذلك تتم عملية إجراء تحديد العقار لضبط حيزه المادي ومشتملاته وحدوده ثم يتم فتح المجال لكل من ينازع في أحقية هذا العقار.

وبعد هذه الإجراءات وعند عدم وجود تعرضات أو عند تصفيتها يتم اتخاذ قرار من طرف المحافظ على الأملاك العقارية بتحفيظ العقار موضوع مطلب التحفيظ.

ويكون الهدف من هذه الإجراءات هو تطهير العقار  مسبقا من كل ما يمكن أن يشوبه من نزاع قبل الإقدام على تحفيظه ،إذ حينئذ يتخذ وضعية جديدة، و يكون له رسماعقاريا خاصا به، يعتبر نقطة الإنطلاق الوحيدة للحقوق العينية و التحملات العقارية المترتبة على العقار وقت تحفيظه دون ما عداه من الحقوق غير المقيدة .

ونظرا لأهمية هذه الإجراءات المسطرية والآثار التي تترتب عنها تبرز الإشكالية المتمثلة في مدى نجاعة الإطار القانوني الذي وضعه المشرع وقدرته على تسريع وتبسيط هذه الإجراءات، مع توفير حماية أقوى لحق الملكية ، وكذا مدى استطاعة هذا الإطار القانوني التصدي لمطالب التحفيظ و التعرضات الصادرة عن كيد أو تعسف أو سوء نية، والتضييق من كل محاولة تهدف بدون وجه حق عرقلة جريان مسطرة التحفيظ.

و للإحاطة بهذا الموضوع سنبحث مطلب التحفيظ العقاري في مبحث أول ثم نتطرق إلى التعرضات على مطلب التحفيظ في المبحث الثاني ،على أن نترك الجانب المتعلق بالمسطرة القضائية على اعتبار أنه يشكل موضوع العرض الثاني.

وعليه نقسم هذا الموضوع إلى مبحثين على الشكل التالي:

المبحث الأول: مطلب التحفيظ

المبحث الثاني: التعرضات خلال المرحلة الإدارية و قرارات المحافظ بشأنها.

المبحث الأول: مطلب التحفيظ

مطلب التحفيظ هو الطلب الذي يتقدم به أحد الأشخاص الذين حددهم المشرع حصرا في القانون 14.07 ، وذلك بغية جعل العقار موضوع مطلب التحفيظ خاضعا للنظام المقرر بهذا القانون الأخير، ويقدم هذا المطلب للمحافظ على الأملاك العقارية الذي يباشر عدة إجراءات تنتهي إذا مرت المسطرة وفق الشكل المطلوب قانونا بتحفيظ العقار.

وقد أوجب الفصل 17 من القانون المذكور على المحافظ داخل أجل 10 أيام من إيداع مطلب التحفيظ تحرير ملخص له، يعمل على نشره في الجريدة الرسمية، ويبلغ مضمونه إلى علم العموم بالوسائل المتاحة، وبعد هذا النشر داخل أجل شهرين يحرر إعلانا يضمنه تاريخ ووقت إجراء التحديد، وهي عملية هامة تؤدي إلى تثبيت الوضع المادي والقانوني للعقار المطلوب تحفيظه. 

وفي ضوء ما سبق نقسم هذا المبحث إلى مطلبين وذلك على الشكل التالي: 

المطلب الأول: تقديم مطلب التحفيظ.

المطلب الثاني: الإشهار والتحديد.

   المطلب الأول: تقديم مطلب التحفيظ 

إن تقديم مطلب التحفيظ يعتبر نقطة انطلاق مسطرة التحفيظ لذلك لابد من تحديد الأشخاص الذين لهم الصفة في تقديمه ، ثم الكيفية التي يتم بها تقديم هذا المطلب. 

الفقرة الأولى : الأشخاص الذين يحق لهم تقديم مطلب التحفيظ 

حدد المشرع الأشخاص المخول لهم حق تقديم مطلب التحفيظ على سبيل الحصر.و ذلك بناء على الفصول 10و11و12 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تعديله و تتميمه بالقانون رقم07-14 ، وهؤلاء الأشخاص هم:

1_ مالك العقار المراد تحفيظه وهذا المالك قد يكون شخصا طبيعيا أو معنويا، وكذلك نائب عنه بصفة قانونية كالوكالة مثلا.وتجدر الإشارة أن المشرع أتى بعبارة “وكالة صحيحة”(الفقرة 1 من الفصل 13 ) بدل الوكالة الخاصة في النص القديم ، ولم يحدد ما المقصود بالوكالة الصحيحة ولربما المقصود بها أن تكون صحيحة من الناحية الشكلية أي تتضمن البيانات اللازمة كأسماء الأطراف ومحرر الوثيقة ….

كما يمكن القول أن حذف عبارة “الخاصة” تفيد معها أن الوكيل الذي يتوفر على وكالة عامة يمكنه تقديم مطلب للتحفيظ باسم موكله.

1_ الشريك في الملك مع الاحتفاظ بحق الشفعة لشركائه وذلك عندما تتوفر فيهم الشروط اللازمة للأخذ بها . مع العلم أن إعطاء حق طلب التحفيظ لأحد المالكين على الشياع يتطلب وجوبا موافقة باقي شركائه حتى يمارسوا بدورهم مبدأ الاختيار في التحفيظ ، فلا يمكن لشريك واحد إجبار باقي الشركاء على التحفيظ وإلا اعتبر ذلك تعسفا، كما أن حق الشفعة المخول لباقي الشركاء ليس له أي أثر قانوني على عملية التحفيظ ،كل ما في الأمر، أنه ينبغي ممارستها عن طريق التعرض (المادة 305 من م ح ع) وإذا كانت دعوى الشفعة قائمة فينبغي تنبيه المحافظ إلى وجود هذه الدعوى وفقا لمقتضيات الفصل 84   .

2 _  المتمتع بأحد الحقوق العينية التالية: حق الانتفاع ، حق السطحية ، الكراء الطويل الأمد، الزينة، الهواء والتعلية والحبس،  والملاحظ أن المشرع في التعديلات الجديدة أضاف صاحب حق السطحية ضمن الأشخاص الذين لهم حق تقديم مطلب التحفيظ مع إزالة حق الاستعمال والسكنى، كما أن المشرع حدد الحقوق العينية التي تخول صاحبها الحق في تقديم مطلب التحفيظ على سبيل الحصر.

3_ المتمتع بارتفاقات عقارية وذلك بموافقة صاحب الملك

4_ الدائن الذي يتوفر على قرار قضائي صادر لفائدته بالحجز العقاري ضد مدينه، والمشرع لم يحدد أي حجز يقصده، هل الحجز التحفظي أم الحجز التنفيذي،ويمكن القول أن المقصود به هو الحجز التنفيذي ما دام أن الحجز التحفظي غايته هو وضع يد القضاء على العقارات المحجوزة و منع المحجوزعليه من التصرف فيها تصرفا يضر بالدائن الحاجز فيكون كل تفويت تبرعا أو بعوض مع وجود الحجز باطلا وعديم الأثر ، كما أن الحجز التحفظي يمكن أن يؤمر به استنادا إلى وجود شبهة المديونية بخلاف الحال في الحجز التنفيذي الذي لا يلجأ إليه إلا بعد الحصول على حكم قابل للتنفيذ .

5_ الولي أو الوصي أو المقدم نيابة عن ناقص الأهلية أو فاقدها الذي يتمتع بحق من الحقوق العينية التي تجيز له طلب التحفيظ .

وإذا كان هؤلاء هم الأشخاص الذين يحق لهم حصرا تقديم مطلب التحفيظ فما هي الكيفية التي يتم بها تقديم هذا المطلب.

الفقرة الثانية: شكليات مطلب التحفيظ

نظم الفصل 13 من ظهير التحفيظ العقاري المعدل والمتمم  بالقانون 07_14 شكل مطلب التحفيظ وحدد البيانات التي يجب أن يتضمنها، كما تعرض الفصل 14 من نفس الظهير للوثائق التي يتعين الإدلاء بها.

 أولا: شكل مطلب التحفيظ

إن المشرع في الفقرة الأولى في الفصل 13 لم يحدد شكلا معينا لتقديم مطلب التحفيظ، حيث اكتفى بالقول: “يقدم طالب التحفيظ للمحافظ على الأملاك العقارية مقابل وصل يسلم له فورا، مطلبا موقعا م طرفه أو ممن ينوب عنه بوكالة صحيحة”.

وهكذا فهذا المطلب قد يكون كتابيا أو شفهيا ،كما أن المشرع وحسب نفس الفقرة ألزم المحافظ بأن يسلم لطالب التحفيظ وصلا على الفور.

ونظرا للصيغة التي جاءت بها هذه الفقرة ، يمكن أن نتساءل هل المحافظ على الأملاك العقارية هو الجهة الوحيدة المؤهلة لتلقي مطلب التحفيظ أم يمكن لأحد الموظفين التابعين له إن يقوموا بذلك بتفويض منه ، إن الفقرتين الأولى و الأخيرة من هذا الفصل تعطيان هذا الاختصاص للمحافظ وحده ، وهذا التفسير قد يخلق إشكالات لذلك كان على المشرع أن يمنح للمحافظين العقاريين الحق في تفويض هذه المهمة لأي موظف ينتدب لهذه الغاية

ثانيا: ا لبيانات التي يجب أن يتضمنها مطلب التحفيظ

بالرجوع إلى الفصل 13 من القانون 07_14 يمكن تقسيم هذه البيانات إلى بيانات تتعلق بطالب التحفيظ و أخرى تتعلق بالعقار موضوع التحفيظ

أ)البيانات المتعلقة بطالب التحفيظ

يجب أن يتضمن مطلب التحفيظ الاسم الشخصي والعائلي لطالب التحفيظ،و محل سكناه، وحالته المدنية وجنسيته وإن اقتضى الحال اسم الزوج والنظام المالي للزواج أو كل اتفاق تم طبقا لمقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة، ويتضمن في حالة الشياع نفس البيانات المذكورة بالنسبة لكل شريك مع التنصيص على نصيب كل هذه واحد منهم ، وإذا كان طالب التحفيظ شخصا اعتباريا فيجب بيان تسميته وشكله القانوني ومقره الاجتماعي واسم ممثله القانوني.

وإذا لم يكن لطالب التحفيظ محل إقامة في الدائرة الترابية التابعة لنفوذ المحافظة العقارية الموجود بها الملك ، يتعين تعيين عنوان أو موطن مختار في هذه الدائرة . كما يجب أن يتضمن عند الاقتضاء مراجع بطاقة التعريف الوطنية أو أي وثيقة أخرى تعرف بهويته.

ب) البيانات المتعلقة بالعقار

فضلا عن البيانات المتعلقة بطالب التحفيظ يجب أن يتضمن الطلب وصفا للعقار المطلوب تحفيظه ببيان البناءات و الأغراس الموجودة به ومشتملاته و نوعه وموقعة ومساحته وحدوده و الأملاك المتصلة و المجاورة له وأسماء وعناوين أصحابه وإن اقتضى الحال الاسم الذي يعرف في العقار .

هذا ويتعين الإشارة إلى واقعة الحيازة ، هل طالب التحفيظ يحوز كل العقار أو جزء منه مباشرة أو عن طريق الغير ، وفيما إذا انتزعت منه الحيازة، يتعين بيان الظروف التي تم فيها ذلك ، كما يتعين تقدير القيمة التجارية للعقار وقت تقديم الطلب.

بالإضافة إلى ذلك يجب بيان الحقوق العينية العقارية المترتبة على الملك مع التنصيص على أصحاب هذه الحقوق بذكر أسمائهم الشخصية و العائلية وصفاتهم وعناوينهم وحالتهم المدنية وجنسيتهم و إن اقتضى الحال اسم الزوج و النظام المالي للزواج ، أو كل اتفاق تم طبقا لمقتضيات المادة 94 من مدونة الأسرة. كما يتعين على طالب التحفيظ أن يضمن مطلب التحفيظ ببيان أصل الملك.

و إذا كان طالب التحفيظ لا يستطيع التوقيع  أو يجهله ، فإن المحافظ على الأملاك العقارية يشير إلى ذلك ويشهد أن مطلب التحفيظ قد قدم إليه من طرف المعني بالأمر بعد أن يتحقق من هويته.

ثالثا:مؤيدات مطلب التحفيظ

نصت الفقرة 8 من الفصل 13 أنه يجب على طالب التحفيظ تضمين المطلب بيان أصل الملك، وكما أن المادة 14 نصت على أنه “يقدم طالب التحفيظ مع مطلبه صورا أونسخا رسمية للرسوم والعقود والوثائق التي من شأنها أن تعرف بحق الملكية و بالحقوق العينية المترتبة على الملك.

و هذه المستندات ضرورية لأنه لا يتصور فتح مطلب للتحفيظ دون وثائق أو حجج تؤيد هذا المطلب. 

المطلب الثاني: إشهار عملية التحفيظ وإجراءات التحديد

تعتبر عملية التحديد إجراء أساسي ومرحلة هامة ومفصلية من مراحل مسطرة التحفيظ، فهي عملية طبوغرافية وتقنية تسهم في رسم معالم العقار بشكل دقيق سواء من حيث الموقع أو المساحة أو الحدود أو المشتملات، غير أنه قبل أن يتم إجراء تحديد العقار المراد تحفيظه فإن المشرع ألزم المحافظ على الأملاك العقارية بضرورة القيام بعملية الإشهار بمطلب التحفيظ، لذلك سنتطرق في هذا المطلب لتبيان عملية الإشهار الواسعة التي خصها المشرع بعملية التحفيظ ( الفقرة الأولى) تم نتطرق بعد ذلك إلى لعملية التحديد ولإجراءات المصاحبة لها (الفقرة الثانية)

إقرأ أيضا :  إصلاح خطأ مادي بالسجل العقاري بين المفهوم والتطبيق

الفقرة الأولى: إشهار عملية التحفيظ

أخضع المشرع التحفيظ لعمليةإشهار واسعة، وذلك حتى يحيط بها الجمهور ويتهيأ من يعنيه أمر التحفيظ للدفاع عن حقوقه، لذلك فقد نص المشرع على مجموعة من وسائل الإشهار في ظهير التحفيظ العقاري سواء ما يتعلق بالنشر في الجريدة الرسمية (أولا) أو التعليق لدى المحكمة و السلطات المحلية (ثانيا)

      أولا: النشر في الجريدة الرسمية 

بمجرد ما يتوصل المحافظ على الأملاك العقارية بمطلب التحفيظ أوجب الفصل 17 من ظهير التحفيظ العقاري المعدل بقانون 14.07 أن يقوم داخل أجل 10 أيام من تاريخ إيداع المطلب بتحرير ملخص بتحرير ملخص له يعمل على نشره بالجريدة الرسمية، ويبلغ مضمونه إلى العموم بالوسائل المتاحة، وبعد القيام بهذا النشر يعمد داخل أجل  شهرين من تاريخ هذا النشر إلى تحرير إعلان يتضمن تاريخ ووقت إجراء التحديد.

ولعل الهدف من نشر ملخص مطلب التحفيظ بالجريدة الرسمية هو إخبار الجمهور وكل من له مصلحة لإبداء الرأي والملاحظات، غير أن تقنية النشر بالجريدة الرسمية لا تقوم بوظيفة الإشهار بالشكل المطلوب نظرا للصعوبات المترتبة على أن مدى الجريدة الرسمية لا يبلغ إلى العموم  خصوصا في المناطق النائية وكثير منهم يجهل القصد من النشر في الجريدة الرسمية، وحتى إذا علموا بها فإنهم لا يتتبعون نشراتها إما لجهل القراءة أو لعدم الوعي، وهذا الأمر يذل على أن النشر في الجريدة الرسمية وسيلة غير ناجعة لإشهار ملخص مطلب التحفيظ

وبالتالي كان على المشرع المغربي إلغاء هذه العملية و الاقتصار على مراحل لإشهار لأخرى، ومن تم فإن النشر في الجريدة الرسمية يبقى قاصرا على تحقيق الأهداف المتوخاة منه باعتبارها وسيلة شكلية قانونية أكتر منها إعلامية.

ثانيا: التعليق لدى المحاكم الابتدائية والسلطة المحلية 

بالإضافة إلى النشر بالجريدة الرسمية، فقد نص المشرع في ظهير التحفيظ العقاري في الفصل 18 منه  على وسائل أخرى للإشهار وهي التعليق بالمحكمة الابتدائية وكدا لدى السلطات المحلية حي يوجه المحافظ على الأملاك العقارية نسخا من الوثائق المشار إليها في الفصل 17 من نفس القانون مقابل إشعار بالتوصل إلى رئيس المحكمة لابتدائية وممثل السلطة المحلية ورئيس المجلس الجماعي الذي يقع العقار المعني في دائرة نفوذهم، وذلك قبل التاريخ المعين للتحديد بعشرين يوما، حيث ألزم المشرع كل واحد ممن ذكر بتعليق الوثائق التي توصل بها من المحافظ العقاري في مقر إدارته ويعمل على إبقائها معروضة على أنظار العموم إلى اليوم المعين للتحديد.

وبالإضافة إلى هذا الإجراء يقوم ممثل السلطة المحلية بإشهار ملخص المطلب ولإعلان عن تاريخ ووقت التحديد في الأسواق الواقعة في دائرة نفوذه إلى يوم التحديد، غير أن المشرع عندما تحدث عن وقت التحديد في الاسواق في الفقرة الأخيرة من  الفصل 18 من قانون 14.07 لم يحصر هذا لإشهار في وسيلة معينة ومن تم فإن ممثل السلطة (القائد) يمكنه ان بدور فعال عن طريق تكليف أحد أعوان السلطة “الشيخ” و “المقدم” للقيام بهذه المهمة لما له من سلطة رئاسية على رجال وأعوان السلطة العاملين بدائرته.

والملاحظ ان قانون 14.07 جاء بمقتضيات جديدة حيث ألغى إمكانية توجيه ملخص مطلب التحفيظ إلى القاضي المقيم القريب من العقار المراد تحفيظه، بالمقابل أضاف رئيس المجلس الجماعي  إلى الجهات التي يتعين على المحافظ أن يوجه ملخص المطلب و لإعلان عن التحديد إليها، ناهيك عن استغنائه على شهادة التعليق الجاري بها العمل سابقا واكتفى بالإشعار بالتوصل.

 غير أن مسطرة التعليق لدى الجهات المخول لها ذلك تصطدم بالعديد من لإكراهات خصوصا المتعلقة بالتعليق لدى المحكمة الابتدائية التي قد تبعد عن العقار المراد تحفظه بمئات الكيلومترات بحكم اتساع دائرة اختصاص المحكمة الابتدائية، في حين كان من لأجدر لو أضاف المشرع التعليق لدى مركز القاضي المقيم القريب من العقار المزمع تحديده، هذا بالإضافة إلى عدم التنظيم الذي تعرفة التعليقات لأن العديد من اللوحات النشر بالمحاكم غابا ما تكون متراكمة ومختلطة بعضها يتعلق بالبيوعات القضائية و الحجوزات..وغيرها.

والواقع يؤكد فشل بعض لأجهزة في تحقيق الغاية التي كان يهدف إليها المشرع وهي توسيع دائرة الإشهار لحماية الملكية، إذ غالبا ما ترى أن ممثلي السلطة المحلية لا يولون هذه المهمة العناية اللازمة فحينما يوجه المحافظ ملخصا مطلب التحفيظ و إعلان تاريخ ووقت التحديد لا يتم التعليق، وحتى لو حصل ذلك  فإنه يكون في مكان يصعب الاطلاع عليه من قبل الجمهور، كما أنه كان يلاحظ قبل دخول قانون 14.07 حيز التنفيذ عدم إرجاع ما يفيد تعليق الملخص في الإدارة، مما كان يساهم في عرقلة مسطرة التحفيظ مادام أن المحافظ لا يتخذ قرار التحفيظ إلا بعد وصول ما يفيد التعليق لأمر الذي جعل المشرع في قانون 14.07 يستغني عن الشهادة المثبتة للتعليق واستبدالها بإشعار بالتوصل.

غير أنه في اعتقادنا الشخصي أن جل هذه الوسائل التي اعتمد عليها المشرع في عملية الإشهار هي وسائل محدودة ولا تؤدي وظيفتها بالشكل المطلوب، وعلى المشرع إيجاد وسائل أخرى فعالة وتساير التطور والتحولات الذي يعرفه المجتمع.

الفقرة الثانية: إجراءات تحديد العقار المراد تحفيظه 

إن عملية التحديد لها دور أساسي في مسطرة التحفيظ، وذلك بعلانيتها والبحث القانوني الذي تسمح به في عين المكان من خلال استفسار الأطراف والمتدخلين والحاضرين والكل من أجل فتح مجال أكبر لضبط الجانب القانوني والهندسي للعقار لإخضاعه لنظام التحفيظ، وهذه العملية تمر من عدة مراحل وترتيبات محددة ومرتبطة، لذلك سنتطرق في البداية لتحديد الجهة المكلفة بعملية التحديد ( أولا) ثم نمر لإجراءات إنجاز عملية التحديد وانتهاء بشهرها (تانيا).

أولا: الجهة المكلفة بعملية التحديد وترتيباتها 

في البداية سنحاول تبيان الجهة التي خول لها القانون عملية التحديد(أ) على أن نمر لدراسة ترتيبات عملية التحديد سواء التي تقع على عاتق المحافظ أو طالب التحفيظ (ب)

  1. الجهة المكلفة بعملية التحديد 

إذا كان ظهير 12 غشت 1913 الملغىفي فصله 19 قد حدد الجهة التي تقوم بعملية التحديد في شخص المحافظ أو نائبه وبمساعدة المهندس تابع لمصلحة المسح العقاري والخرائطي، فإن قانون التحفيظ الجديد خول للمحافظ القيام بتسيير عملية التحديد وينتدب لهذه الغاية مهندس طبوغرافي، وهو ما جاء في الفصل 19 من قانون14.07 حيث خول بصفة دائمة للمهندس المساح الطبوغرافي  جزءا من اختصاصات المحافظ العقاري المتعلقة بعملية التحديد، والتي كان يعهد بها في السابق إلى المحافظ تحت كامل مسؤوليته.

ويشترط في المهندس الطبوغرافي المنتدب من طرف المحافظ أن يكون محلفا عن جهاز المسح العقاري ومقيد بجدول الهيئة الوطنية للمهندسين المساحين الطبوغرافيين، هذا الأمر الذي أثار نقاش خصوصا ما رافق تطبيقه من إقصاء لفئة التقنيين الطبوغرافيين الذين كانوا يزاولون مهمة المساح المنتدب لعملية التحديد في ظل مقتضيات القانون القديم، ومما اذكى النقاش هو عدم توفر مصالح المسح العقاري على عدد كاف من المهندسين الشيء الذي طرح بشدة إشكال عدم ملائمة النص التشريعي الجديد مع الواقع العملي.

كما يرى بعض الباحثين على أن قانون التحفيظ الجديد لم يكن موفقا في تحديد الجهة المكلفة بإنجاز عملية التحديد، فتكليف المهندس بالقيام بأعمال القانون خاصة بالتحديد لا يتفق مع مقتضيات العدالة وحماية حقوق الغير، كما أن مقتضيات التحفيظ الجديدة جعلت من المهندس هو الجهة الوحيدة المكلفة بتسيير عملية التحديد وكأن هذه العملية ذات طابع فني تقني تفتقد للجانب القانوني، خلافا للمقتضيات السابقة  التي كانت تجعل من المحافظ أو نائبه القانوني هي الجهة التي تفتح عملية التحديد واستفسار طالب التحفيظ والمجاورين والمتعرضين والمتدخلين وأن وهو المكلف بالتحقيق في واقعة الحيازة ومدتها وأن المحافظ هو من يقوم بتحرير محضر التحديد والتوقيع عليه، غير أن قانون التحفيظ الجديد أسند جل هذه المهام إلى المهندس الطبوغرافي من خلال الفصلي ( 20 و 21 ) من قانون 14.07.

وفي اعتقادنا أنه مادام ان عملية التحديد تضم شقين، شق قانوني يتجلى في معاينة واقعة الحيازة واستفسار جل الأطراف المتدخلة، وشق تقني يتجلى في ضبط  القطع المشمولة ووضع لأنصاب و انتهاء بوضع تصميم هندسي، وبالتالي وجب إخضاع عملية التحديد إلى طبوغرافي وقانوني في أن واحد.

  1.  ترتيبات عمليات التحديد

قبل الشروع في إنجاز عملية التحديد فإن هناك إجراءات أولية يتعين القيام بها سواء من قبل المحافظ على الأملاك العقارية أو من قبل طالب التحفيظ.

فيما يخص ترتيبات المحافظ، فإنه بمجرد ما يتم تعين تاريخ تحديد العقار المراد تحفيظه، أوجب المشرع في إطار الفصل 19 من قانون 14.07 على المحافظ العقاري أن يوجه الاستدعاءات بصفة شخصية وذلك بواسطة عون من المحافظة العقارية  أو بالبريد المضمون أو عن طريق السلطة المحلية أو بأي وسيلة أخرى للتبليغ، وتتضمن هذه الاستدعاء الدعوة إلى حضور عمليات التحديد شخصيا أو بواسطة نائب بوكالة صحيحة، وقد حدد المشرع هؤلاء في :

  • طالب التحفيظ؛

  • المجاورين المبينين في مطلب التحفيظ؛ 

  • المتدخلين وأصحاب الحقوق العينية والتحملات العقارية المسرح بهم بصفة قانونية.

أما فيما يتعلق بأجل توجيه هذه الاستدعاءات فإن قانون 14.07 لم يلزم المحافظ بأي أجل شأنه في ذلك شأن ظهير التحفيظ الملغى، وهذا يعني أن قانون التحفيظ الجديد أبقى على الأجل المنصوص عليه في الفصل 2 من القرار الوزيري رقم 3 يونيو 1915 وهو 10 أيام قبل موعد التحديد، و هذا الأجل غير كافي خاصة لما له من دور مهم في تمكين المدعويين من إعداد ترتيبات اللازمة  قبل تاريخ إجراء التحديد.

ومن المستجدات التي جاء بها قانون التحفيظ الجديد 14.07 المغير للظهير الاساسي للتحفيظ، في مجال ترتيبات عملية التحديد هو إمكانية أن يتقدم المحافظ على الأملاك العقارية أو كل من له مصلحة بطلب إلى وكيل الملك من أجل تسخير القوة العمومية لتوفير الظروف الملائمة لإجراء عملية التحديد عند الضرورة وهو ما نص عليه الفصل 20 من قانون 14.07.

أما فيما يخص ترتيبات التي يتعين على طالب التحفيظ القيام بها فإن الاستدعاء التي يتسلمها هذا الأخير تتضمن تنبيهات حول مجموعة من النقاط، تتمثل في إعداد لوازم التحديد من علامات و طلاء مع التنصيص على المواصفات الخاصة المطلوب توفرها في هذه لوازم مثل الأحجار التي تحمل علامات خاصة لتحديد ملكه عن باقي الأراضي المجاورة، ناهيك عن التنبيه بضرورة التواصل مع المهندس المنتدب عند اقتراب موعد التحديد للضبط النهائي لعملية التنقل إلى عين المكان.

الفقرة الثانية: إنجازعملية التحديد وشهرها

بداية سنتطرق لدراسة مرحلة إنجاز عملية تحديد (أولا) ثم الى مرحلة نشر انتهاء عملية التحديد (تانيا) 

أولا: إنجاز عملية التحديد 

تستهل عملية التحديد بالتحقق من هوية الأشخاص المعينين بهذه العملية، ثم نمر عبر ضبط حدود العقار وإجراء البحث من خلال استفسار الحاضرين وتختتم بإنجاز تصميم هندسي للعقار .

في هذا الإطار وفي الوقت المحدد لعملية التحديد يتحقق المهندس الطبوغرافي في بداية الأمر من الحضور الشخصي لطالب التحفيظ أو من ينوب عنه بوكالة صحيحة، وفي حالة تخلفه عن الحضور يكتفي المهندس الطبوغرافي بإثبات هذا التغيب في محضر يوقعه دون إنجاز عملية التحديد أو تلقي تصريحات أو تعرضات باقي الحضور ويعتبر  هذا التحديد سلبيا.

أما إذا حضر طالب التحفيظ أو من ينوب عنه بوكالة صحيحة تنطلق أشغال التحديد من خلال تحقق المهندس من صفات الحاضرين وهويتهم وسند الوكالة عند الاقتضاء، كما يتحقق من واقعة الحيازة ومن شروطها ونوعها والتأكد من الحقوق العينية العقارية المحملة على العقار. كما يقوم المهندس الطبوغرافي  المنتدب باستفسار طالب التحفيظ والملاك المجاورين والمعارضين والمتدخلين وأصحاب الحقوق العينية المصرح بهم بصفة قانونية عن كل ما يتعلق بالملك موضوع التحفيظ. 

فكما نصت المادة 20 من مرسومالمتعلق بإجراءات التحفيظ وذلك في القسم الخاص بمقتضيات التحديد والتصميم العقاري يشرع طالب التحفيظ بتعيين حدود العقار المراد تحفيظه ويقوم المهندس المنتدب بغرس الأنصاب بالنسبة للأراضي البيضاء، ووضع الطلاء الأحمر بالنسبة للعقارات المبنية أو تثبيت الأوتاد الحديدية في الأماكن المرصوصة بالإسمنت، وقد يتم الاكتفاء أحيانا بالحدود الطبيعية متى تيسر ذلك بشرط أن تتوفر فيها الضمانات المطلوبة. 

وخلال توالي أشغال عملية التحديد يمكن لكل من يهمه الأمر التدخل للمنازعة في الحق المراد تحفيظه  أو في حدود العقار أو استحقاق لحق عيني، وإذا وقع شيء من ذلك يتعين على المهندس الإشارة في حينها بمحضر التحديد وذلك تبعا لتصريحات المتعرض

فبعد إنجاز عملية التحديد يحرر المهندس التقني محضرا لعملية التحديد، حيث جاء قانون التحفيظ الجديد بمجموعة من المقتضيات سواء على مستوى البيانات التي يجب أن يتضمنها المحضر أو على مستوى التوقيع عليه، فيما يخص البيانات المتعلقة بالمحضر فقد حددتها الفصل 21 من قانون 14.07 فقرتها الأولى بشكل دقيق.ويوقع محضر التحديد من طرف المهندس وكل الأطراف الحاضرين بناء على استدعاء أو المتدخلين، إن كانوا هؤلاء يعرفون التوقيع او امتنعوا فيتم التنصيص على ذلك في المحضر، كما أن التوقيع على المحضر هو محضر التحديد هو اعتراف على صحة ما يتضمنه ولهذا ينبغي  إعطاء ذوي الشأن ملخصا ما جاء في هذا المحضر قبل التوقيع حتى يطمئن كل واحد على صحة ما جاء فيه ويرفق بالتصميم الإعدادي للتحديد

تانيا: نشر إعلان عن انتهاء عملية التحديد 

إذا تم إنجاز عملية التحديد وفق الإجراءات القانونية المنصوص عليها، فإن المحافظ يقوم طبقا للفصل 23 من قانون 14.07 بنشر إعلان بتقديم التعرضات لدى المحافظة العقارية خلال أجل شهرين ابتداء من يوم نشره بالجريدة الرسمية، كما يعمل إلى توجيه هذا الإعلان إلى كل من كل من رئيس المحكمة الابتدائية و السلطة المحلية و كذا رئيس المجلس الجماعي للعمل على تعليقه وفق للفصل 18 من نفس القانون غير أن المشرع في هذه الحالة الأخيرة لم يحدد مدة التعليق خلافا لملخص التحفيظ و إعلان عن تاريخ ووقت التحديد.

إقرأ أيضا :  تفويت الملك الخاص للدولة

 عموما فنشر إعلان بتلقي التعرضات في الجريدة الرسمية يجب أن يتم دخل أجل أقصاه أربعة أشهر الموالية للتحديد النهائي للعقار، وينشر من جديد في حالة تحديد تكميلي لاحق ينتج عنه تمديد حدود العقار.

المبحث الثاني: التعرضات خلال المرحلة الإدارية و قرارات المحافظ بشأنها.

           منح المشرع المغربي لكل شخص تمس مسطرة التحفيظ العقاري بحقوقه، أن يتدخل عن طريق التعرض خلال الأجل المحدد لذلك، إذا ظن أن إجراء المسطرة المذكورة يضر بحقوقه، و ذلك تفنيدا لقرينة ملكية طالب التحفيظ (الفصل 24).

          و سواء كان المتعرضون يعتمدون في تعرضهم على حجج و مستندات قوية أو ضعيفة، فإنهم على كل حال يستفيدون من هذه الإمكانية التي منحها لهم المشرع، و لا يتركون الفرصة تمر دون أن يسجلوا تعرضهم تعبيرا منهم على جدية مزاعمهم.

         و إذا كان التعرض ميزة من مميزات نظام التحفيظ العقاري، و وسيلة من وسائل تطبيق مبدأ التطهير للحقوق المزمع تحفيظها، فانه سيف يشهره المتعرض في وجه طالب التحفيظ خلال مرحلة التحفيظ.

         لذلك فقد نظمه المشرع في الفرع الرابع من الباب الثاني للقسم الأول، من خلال الفصول 24 إلى 51، و من خلال هذه الفصول تتبين مسطرة تقديم التعرضات (المطلب الأول) و الدور الذي يمكن أن يلعبه المحافظ للبث فيها، قبل عرضها على المحاكم (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مسطرة التعرض

        يعتبر التعرض وسيلة قانونية يمارسها الغير للحيلولة دون إتمام إجراءات التحفيظ و ذلك خلال الآجال القانونية المقررة، لذلك فهو يهدف إلى توقيف إجراءات التحفيظ من طرف المحافظ و عدم الاستمرار فيها إلى أن يرفع و يوضع حدا للنزاع عن طريق المحكمة أو إبرام صلح بين الأطراف.

        فالتعرض لا يمكن أن يقدم إلا من طرف من له الحق فيه في مواجهة طال التحفيظ دون غيره(الفقرة الأولى) كما يجب أن تراعى في تقديمه الشكليات المنصوص عليها في هذا الإطار(الفقرة الثانية) و ضمن آجال محددة (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: لمن يحق التعرض و في مواجهة من؟

        يعتبر التعرض آلية قانونية خولها المشرع لكل من يدعي حقا على العقار المراد تحفيظه و ذلك قصد صيانته و الاعتراف به، فلمن يثبت هذا الحق؟(أولا)، و في مواجهة من؟ (ثانيا)

أولا : لمن يثبت حق التعرض؟

        نص المشرع المغربي في الفصل 24 من القانون 07/14 المعدل و المتمم لظهير التحفيظ العقاري على : ” يمكن لكل شخص يدعي حقا على عقر تم تحفيظه أن يتدخل عن طريق التعرض في مسطرة التحفيظ …”، فمن خلال هذا النص يتضح أن لكل من ينازع في مسطرة تحفيظ عقار المطالبة بحق متعلق بهذا العقار أو  الادعاء باستحقاق حق عيني قابل للتقييد بالرسم العقاري الذي سيقع تأسيسه،الحق في تقديم التعرض.

        و مادام التعرض يعتبر بمثابة دعوى يتلقاها المحافظ على الأملاك العقارية في انتظار استكمال الإجراءات المسطرية لإحالة الملف على القضاء للبث فيه، حيث تستخلص عنه الرسوم القضائية و حقوق المرافعة، و يجب ان تتوفر في المتعرض شروط التقاضي المنصوص عليها في الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية من صفة و أهلية و مصلحة، لذلك لا يمكن قبول التعرض إلا ممن حددهم الفصل 24 من القانون 07/14 بشكل حصري و هم: 

  • كل من ينازع في وجود حق ملكية طالب التحفيظ أو في مدى هذا الحق أو بشأن حدود العقار.

  • كل من يدعي استحقاق حق عيني قابل للتقييد في الرسم العقاري الذي سيقع تأسيسه.

  • كل من ينازع في حق وقع الإعلان عنه طبقا للفصل 84 من القانون 07/14.

       أما إذا مورس التعرض من طرف أشخاص ليست لهم مصلحة فيه، فإن هذا التعرض يسمى بالتعرض الكيدي آو التعسفي، لذلك فان المشرع فرض غرامات مالية على هؤلاء لفائدة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية و المسح العقاري و الخرائطية، لا يقل مبلغها عن 10% من قيمة العقار و الحق العيني المدعى به، دون المساس بحق الأطراف المتضررة في التعويض (طبقا للفصل 48 من القانون ٍ0714).

       و التعرض قد يقدم  من طرف المتعرض أصالة عن نفسه أو أن ينوب عنه شخص آخر للقيام به شريطة الإدلاء بوكالة صحيحة تثبت هذه الإنابة، أما فيما يتعلق بالمحجورين و القاصرين و الغائبين و المفقودين و غير الحاضرين فان التعرض يقوم به الأوصياء و الممثلين الشرعيين و وكيل الملك المكلف بشؤون القاصرين و القيم على أموال الغائبين و المفقودين، طبقا لما نص عليه الفصل 26 من القانون 0714.

ثـانيا: في مواجهة من يمارس التعرض؟ 

       إن التعرض لا يمارس مبدئيا إلا في مواجهة طالب التحفيظ و في حدود نطاق العقار المزمع تحفيظه، و عليه فلا يمكن للمتعرض المطالبة بحقوق ليست موضوع مطلب التحفيظ، علاوة على ذلك لا يمكن ممارسة التعرض في مواجهة متعرض آخر، و ذلك إذا انقسمت مجموعة من المتعرضين إلى قسمين، كأن تقوم مثلا مجموعة من الورثة بتعرض على مطلب تحفيظ خلفه مورثهم ثم يقوم احد الورثة بمنازعة حق وارث آخر معه.

        فإذا كان التعرض يمارس دوما في مواجهة طالب التحفيظ فهل يمكن لهذا الأخير أن يتحول إلى متعرض بعد أن تنتهي صفته كطالب تحفيظ و ذلك في حالة صدور حكم نهائي لصالح المتعرض الذي يتحول إلى طالب تحفيظ استنادا إلى الحكم الصادر لصالحه؟

         عن هذا التساؤل يجيب الأستاذ محمد خيري قائلا: إن قوة القضية المبرمة و حجية الأحكام تمنع على طالب التحفيظ (سابقا) أن يتقدم كمتعرض جديد و يثير النزاع الذي كان طرفا فيه و إلا أدى هذا الأمر إلى استمرار النزاع إلى ما لا نهاية.

         و تجدر الإشارة إلى أن بعض الأشخاص يهمهم النزاع رغم أنهم غير طالبين و غير متعرضين و هم الأشخاص الذين يضعون تعرضهم طبقا لمقتضيات الفصل 84 من القانون 0714 لضمان حقوق اكتسبوها على العقار خلال مرحلة التحفيظ و ذلك عن طريق إيداع سنداتهم طبقا للفصل المشار إليه أعلاه و ليس عن طريق التحفيظ.

الفقرة الثـــــــانية: شكليـــــــــات التعرض.

         يمارس التعرض من طرف من له مصلحة فيه ضد طالب التحفيظ دون غيره، على أن تراعى في تقديمه شكليات نص عليها الفصل 25 من القانون 0714 المتعلق بالتحفيظ العقاري، فما هو إذن شكل التعرض و البيانات التي ينبغي أن يتوفر عليها العرض؟ و ماهي مؤيداته و صوره؟

أولا: شكـــــــــل التعـــــرض

         من خلال الفصل 25 من القانون 0714 المتعلق بالتحفيظ العقاري يمكن القول أن المشرع لم يجعل التعرض الكتابي شرطا ضروريا، بل يمكن تقديمه شفهيا أو كتابيا، فالمتعرض يمكنه تقديم تعرضه بشكل شفهي لدى المحافظة العقارية، حيث يدلي بتصريحات مباشرة شريطة أن يكون متوفرا على المعلومات الضرورية و الكافية لتعيين العقار موضوع التعرض، كما يمكنه الإدلاء بتصريحاته أثناء جريان التحديد الابتدائي بعين المكان أمام المهندس المساح المنتدب، و تقديمه لهذه التصريحات الشفوية للمتعرض بحضوره في محضر محرر في نسختين تسلم إليه إحداهما.

         و سواء تم التصريح بالتعرض كتابة أو مشافهة، فإنه يخضع لنفس الإجراءات و يشتمل على نفس البيانات.

ثـــــــانيا: مؤيدات التعـــــرض.

        لقد نص المشرع في الفقرة الثانية من الفصل 25 من القانون 0714 المتعلق بالتحفيظ العقاري على ” يجب على المتعرضين أن يودعوا السندات و الوثائق المثبتة لهويتهم و المدعمة لتعرضهم…”

        يستنتج من خلال هذا الفصل أن المشرع ترك المجال مفتوحا للمتعرض للإدلاء بكل الحجج رسمية كانت أو عرفية قصد تعضيد طلبه، إلا انه ميز بين نوعين من هذه المؤيدات.

  • مؤيدات تتعلق بالعقـــــــــــــار:

        هذا النوع من المؤيدات لم يرد بشأنه قيد حيث تقبل جميع السندات رسمية كانت أو عرفية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: رسوم البيانات العدلية، رسوم الشراء العرفية و المحررة بخط اليد، ملحقات الرسوم العدلية، رسم الحيازة و الاستمرار، عقود القسمة، رسوم الهبات و الوصايا …

        و تجدر الإشارة إلى أن تسلم المحافظ لهذه الوثائق ليس القصد منها بحثها و اتخاذ القرار بشأنها قصد تصفية النزاع، لأنه لا يعتبر سلطة قضائية و ليس له صلاحية القيام بذلك، بل يقتصر دوره على تسلم هذه الوثائق و بعثها مع ملف التحفيظ إلى المحكمة دون إبداء الرأي في صحتها أو عدم صحتها

  • مؤيدات تتعلق بصفة المتعــــــرض:

         نص الفصل 26 من القانون 0714 على ما يلي: ” يجب على كل شخص يقدم طلب التعرض باسم الغير:

  1.  أن يثبت هويته.

  2.  عندما يتعرض بصفته وصيا أو نائبا أو وكيلا أن يبرر ذلك بالإدلاء بوثائق صحيحة و أن يعطي البيانات المقررة في الفصل 25 من هذا القانون، و أن يدلي برسوم الإراثات عندما يتعلق الأمر بشركاء في الإرث …”

        من خلال الفصل أعلاه، يكون ملزما من يقدم التعرض باسم الغير بإرفاق تعرضه بالحجج التي تؤكد وكالته أو نيابته.

        كما يمكن في جميع الأحوال التدخل في المسطرة عن طريق التعرض باسم الأشخاص المحجورين و الغائب أن و المفقودين و غير الحاضرين و ذلك من طرف الأوصياء و الممثلين الشرعيين و وكيل الملك و القاضي و القيم على أموال الغائبين و المفقودين.

        و تجدر الإشارة بان هؤلاء الأشخاص جميعهم ملزمون، بمقتضى الفصل 26، بتقديم الإثباتات، باستثناء، وكيل الملك و القاضي نظرا للولاية العمة التي يتمتع بها كل منهما بمقتضى القانون.

        لذلك، فالتعرض الموجه من طرف هؤلاء نيابة عن القاصرين و المحجورين و الغائبين يتم عن طريق أمر قضائي، بعد التأكد من صحة التعرض و ذلك حفاظا على صحة هؤلاء.

 الفقرة الثــــــــالثة: آجــــــال التعرض:

        لقد حدد المشرع آجال عادية للتعرضات و حدد أجلا استثنائيا كذلك لهذه التعرضات و ذلك بمقتضى الفصول 24 و 27 و 29 من القانون 0714 المتعلق بالتحفيظ العقاري، لذلك يمكن القول بأن هناك نوعان من الآجال الخاصة بالتعرض: التعرض داخل الأجل (أولا) و التعرض خارج الأجل (ثانيا).

أولا: التعــــرض داخــــل الأجـــل.

        يقبل التعرض مبدئيا من تاريخ تقديم طلب التحفيظ مادام لم يتم نشر التحديد المؤقت بالجريدة الرسمية، أما إذا تم نشره، فإن المتعرض يكون مقيدا بأجل شهرين من تاريخ نشر الإعلان بانتهاء التحديد المؤقت بالجريدة الرسمية و هو ما نص عليه الفصل 24 من القانون السالف الذكر.

ثـــــــانيا: التعرض خـــــــارج الأجل.    

        فتح المشرع الباب أمام كل شخص تعذر عليه تسجيل تعرضه بسبب معقول داخل الآجال القانونية العادية المنصوص عليها في الفصل 24 السابق الذكر، ثم من خلال الفصل 29 من نفس القانون و هي حالة استثنائية حيث يجوز للمحافظ وحده دون غيره قبول التعرض خارج الأجل.

        و بخلاف ما استقر عليه العمل القضائي الذي كان يقرن قبول التعرض خارج الأجل من طرف المحافظ بكون مطلب التحفيظ مثقلا بتعرضات سابقة، فإن المقتضيات الجديدة المذكورة في الفصل 29 من القانون 0714، أجازت للمحافظ قبول التعرض خارج الأجل و لو لم يرد على مطلب التحفيظ أي تعرض سابق، شريطة ألا يكون الملف قد أحيل على المحكمة

المطلب الثاني: قرارات المحافظ بشأن التعرضات

بداية تجدر الإشارة أنه ليس كل مطلب تحفيظ قد ترد عليه تعرضات، فقد تنصرم الآجال العادية والاستثنائية دون أن يرد أي تعرض، وفي هذه الحالة يتعين على المحافظ أن يصدر قراره بتأسيس رسم عقاري خلال ثلاثة أشهر من انتهاء أجل التعرض.

أما في حالة ورود تعرضات على مطلب التحفيظ فإن قرارات المحافظ في هذا الشأن لا تخرج عن ثلاث حالات، إما بقبولها متى قامت بصفة نظامية ووفق الآجال والشروط المقررة (الفقرة الأولى) على أن عدم احترام هذه الشروط والآجال يفرض على المحافظ أن يضع حدا لها سواء كان ذلك بالإلغاء أو الرفض (الفقرة الثانية) لتبقى في الأخير إمكانية لجوء المحافظ إلى إجراء صلح ودي بين الأطراف صلاحية خولها له القانون (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: قبول المحافظ للتعرض

إن قبول التعرض من قبل المحافظ يستنتج منه توفر طلب التعرض على جميع الشروط الشكلية والجوهرية، إلا أنه في نفس الوقت لا يفيد إثبات الحقوق المدعى بها من طرف المتعرض أو نفيها على طالب التحفيظ، ولكنه يفيد وجود نزاع بشأن العقار أو الحق موضوع مطلب التحفيظ.

فبعد ما يقبل المحافظ التعرض يجب عليه أن يبلغ فورا نسخة من محتواه إلى طالب التحفيظ حتى يتمكن هذا الأخير من تحديد موقفه بشأنه وذلك قبل انصرام الشهر الموالي لانتهاء أجل التعرض حسب ما نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 31.

وموقف طالب التحفيظ لا يخرج عن ثلاث حالات إما برفع التعرض أو قبوله، أو عدم تمكنه من رده.

ففي الحالة الأولى يقصد برفع التعرض من قبل طالب التحفيظ أن يضع حدا لإنهاء النزاع الذي يدور حوله، وغالبا ما يتم ذلك بطرق ودية بين الطرفين ينتج عنها تناول المتعرض عن تعرضه والوسيلة العملية التي تجعل المحافظ يتأكد من رفع التعرض هي أن يتقدم المتعرضون أنفسهم بطلب خطي يفيد التنازل عن التعرض أو سحبه أو يصرحون شخصيا لدى المحافظ بتراجعهم عن التعرض حيث يقوم المحافظ بإثبات ذلك في محضر بعد التأكد من هويتهم

إقرأ أيضا :  تحديد شروط وكيفيات التدبير الإلكتروني لعمليات التحفيظ العقاري والخدمات المرتبطة بها

أما الحالة الثانية وتتجلى في قبول التعرض من طرف طالب التحفيظ حيث يظهر لهذا الأخير بأن المتعرض محق في تعرضه خاصة إذا اطلع على الوثائق والرسوم التي وضعها المتعرض بالمحافظة العقارية وفي هذه الحالة يكون من مصلحة طالب التحفيظ قبول التعرض مادامت الحجج تدل على صحة ادعاءات المتعرضين دون اللجوء إلى المحكمة وإطالة أمد النزاع بدون جدوى.

والتصريح بقبول التعرض لا يتم من طرف طالب التحفيظ إلا إذا كان التعرض جزئيا يشمل بعض أجزاء العقار، أما إذا كان يشمل كل العقار موضوع مطلب التحفيظ فإن طالب التحفيظ غالبا ما يعمد إلى رفض التعرض وعدم قبوله مفضلا اللجوء إلى المحكمة لأن قبول طالب التحفيظ للتعرض الكلي يعتبر تنازل عن مطلب التحفيظ لفائدة المتعرض.

وبخصوص الحالة الثالثة وتتمثل في عدم تمكن طالب التحفيظ من رفع التعرض أو القبول به، فهنا يحيل المحافظ مطلب التحفيظ والوثائق المرفقة به إلى كتابة ضبط المحكمة الابتدائية التي يوجد بدائرتها العقار أو يجزئ المطلب ليؤسس رسما خاصا بالجزء الذي لا يشمله النزاع بعد إجراء تحديد تكميلي (الفقرة الثالثة من الفصل 31 من القانون 14.07)

الفقرة الثانية: قرار المحافظ برفض أو إلغاء التعرض

لقد حدد المشرع العقاري لقبول التعرضات شروط معينة يتعين استفاؤها تحت طائلة الرفض أو الإلغاء، وبناء عليه يتجلى أن قرار المحافظ بالإلغاء أو الرفض هو موقف مؤطر بنص القانون يوجب توفر شروط لاتخاذه كعدم إدلاء المتعرض لما يثبت تعرضه أو لعدم أدائه الرسوم القضائية خلال الأجل المحدد في القانون (أولا) في المقابل يمكن أن يرفض التعرض من الوهلة الأولى من تقديمه خارج الأجل (ثانيا).

أولا: قرار المحافظ بإلغاء التعرض

لقد حدد الفصل 32 من ظهير التحفيظ العقاري حالتين يحق للمحافظ العقاري أن يتخذ بناء عليهما قرار إلغاء التعرض، فالحالة الأولى متمثلة في عدم إدلاء المتعرض بالسندات والوثائق المؤيدة للتعرض وذلك قبل انتهاء أجل الشهر الموالي لانتهاء أجل التعرض.

فبعدما كان قرار إلغاء التعرض في القانون القديم مصدره قرار السيد المحافظ على الأملاك العقارية، فإن مصدره في ظهير التحفيظ العقاري 14.07 هو القانون الذي حدد الجزاء المترتب عن عدم تعزيز التعرض بالحجج وذلك كون النص صدر بعبارة “يكون التعرض لاغيا وكأن لم يكن” وبما أن إلغاء التعرض أصبح حكما قانونيا فإن الفصل 32 لم ينص على أي طعن في حالة إلغاء التعرض للسبب المذكور.

وفي هذا السياق يمكن طرح تساؤل مفاده ما مدى سلطة المحافظ في تقدير الوثائق والحجج المدلى بها من طرف المتعرض؟

إجابة عن هذا التساؤل يدعي الأستاذ عبد القادر بوبكري إلى أن سلطة المحافظ تنحصر في بحث مدى إدلاء المتعرض بالرسوم المؤيدة لتعرضه من عدمها، دون البحث في مدى جديتها أو قوتها الثبوتية، حيث يرجع ذلك للمحكمة المختصة التي لها صلاحية تقييم حجج المتعرض باعتباره الطرف المدعي، ومدى كفايتها في إثبات استحقاقه للملك موضوع التعرض للحكم بصحة تعرضه أو عدم صحته.

أما الحالة الثانية مرتبطة بعدم أداء الرسوم القضائية للتعرض، فبعدما نصت الفقرة الثالثة من الفصل 32 على إعفاء التعرضات المتبادلة من الرسوم القضائية، فإنه تبعا لمقتضيات الفقرة الأولى من هذا الفصل والتي نصت على أن عدم أداء الرسوم القضائية قبل انصرام الشهر الموالي لانتهاء أجل التعرضات يجعل التعرض لاغيا وكان لم يكن وهو ما يجعل المحافظ على الأملاك العقارية وبمجرد انتهاء الأجل المذكور ملزم بإلغاء التعرض دون حاجة إلى إنذار المتعرض، هذا الإلغاء لم ينص المشرع على إمكانية الطعن فيه، وهو ما يعني أن هذا القرار لا يقبل الطعن أمام المحكمة الابتدائية، غير أنه يقبل الطعن أمام المحكمة الإدارية إذا كان متسما بالشطط في استعمال السلطة.

في هذا الإطار يمكن طرح تساؤل مفاده مدى إمكانية إلغاء التعرض لمجرد عدم أداء الرسوم القضائية بصرف النظر عن إدلاء المتعرض بالوثائق المؤيدة لتعرضه؟ أم لا يسوغ إلغاء التعرض إلا بتحقق الأمرين معا؟

فالصياغة التي وردت بها الفقرة الأولى من الفصل 32 نصت على أنه لا يمكن إلغاء التعرض إلا في حالة عدم الإدلاء بالوثائق وكذا عدم أداء الرسوم القضائية ذلك لكون المشرع أورد حرف “الواو” الذي يفيد العطف بين الأمرين.

وفي هذا الإطار نوافق رأي الأستاذ عبد القادر بوبكري كون المشرع قد خانه التعبير حيث لا يمكن أن يتصور تراجع المشرع كما كان عليه الأمر في التشريع السابق الذي كان يستوجب إلغاء التعرض لمجرد عدم أداء الرسوم القضائية دون إقرانها بعدم تقديم الحجج المؤيدة للتعرض الأمر الذي يدفع المشرع إلى التدخل في أقرب فرصة ممكنة لتعديل الفقرة الأولى من الفصل 32 باستبدال حرف “الواو” بحرف “أو”.

ثانيا: قرار المحافظ برفض التعرض المقدم خارج الأجل

لقد نص الفصل 29 من القانون 14.07 على أن قبول المحافظ للتعرض خارج الأجل مشروط بأن لا يكون الملف قد أحيل على المحكمة وأن يبرز المتعرض الأسباب التي حالت دون تقديمه التعرض داخل الأجل وأن يدلي بمؤيدات التعرض والرسوم القضائية.

فإذا كان قرار المحافظ برفض التعرض المقدم خارج الأجل غير قابل للطعن القضائي من طرف المتعرض، فإننا نتساءل في هذه الحالة إمكانية طالب التحفيظ الطعن في قرار المحافظ لكونه قبل تعرض خارج الأجل.

في هذا السياق يرى الأستاذ محمد خيري بأنه لا يحق لطالب التحفيظ الطعن في مثل هذا القرار لكون المشرع خول للمحافظ بصفة استثنائية قبول التعرض خارج الأجل مادام الملف لم يوجه إلى المحكمة الابتدائية في حين يرى الأستاذ عبد القادر بوبكري أن هذه النقطة تثير إشكال وهو ما قد يشكل حرجا للمحافظ خصوصا في حالة الحكم بإلغاء قرار قبول التعرض خارج الأجل لعدم مشروعيته، في الوقت الذي يكون ملف التحفيظ قد أحيل على المحكمة الابتدائية قصد البث في التعرض المقدم خارج الأجل، بل وقد تكون هذه الأخيرة قد أصدرت أحكاما بصحة التعرض المطعون في قرار قبوله خارج الأجل أمام القضاء الإداري.

بقيت الإشارة في الأخير إلى أن مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 29 كون قرار المحافظ برفض التعرض غير قابل للطعن القضائي هي محل انتقاد، كونها تتناقض مع مقتضيات الفصل 118 من الدستور الذي ينص على أن حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.

الفقرة الثالثة: قرار المحافظ بمصالحة الأطراف

خول الفصل 31 من القانون العقاري 14.07 للمحافظ خلال سير مسطرة التحفيظ صلاحية إجراء الصلح بين كل من طالب التحفيظ والمتعرض حيث نصت الفقرة الرابعة منه على ما يلي: “يمكن للمحافظ على الأملاك العقارية أثناء جريان المسطرة وقبل توجيه الملف إلى المحكمة الابتدائية، أن يعمل على تصالح الأطراف ويحرر محضر بالصلح يوقع من قبلهم، وتكون لاتفاقات الأطراف المدرجة بهذا المحضر قوة الالتزام العرفي”.

ومبادرة الصلح قد تأتي من طرف المحافظ أو طالب التحفيظ أو المتعرض، ومهما كانت الجهة التي ترغب في إتباع هذا الحل فإن المحافظ يبادر دائما إلى قبول طلب الصلح فيقوم باستدعاء من يهمهم الأمر إلى جلسة صلحية بمكتبه حيث يبدل غاية جهده للتوفيق بينهما.

وعلى المحافظ على الأملاك العقارية وقبل محاولته إجراء الصلح بين الطرفين أن يطلع على ملف المطلب ومستنداته وعلى حجج المتعرض والحق المدعى به من قبله، وذلك حتى يكون بإمكانه طرح الإطار العادل للصلح وأن يشعرهما بالمآل الذي ستتخذه المسطرة في حالة عدم الوصول إلى صلح.

فعند حصول الاتفاق بين الأطراف ينجز المحافظ تقرير حضور يبين فيه النقط التي تم التصالح بشأنها ويوقعه الأطراف، ثم يدرج في ملف التحفيظ ويكون لهذا الاتفاق قوة الالتزام العرفي استناد إلى الفقرة الأخيرة من الفصل 31، وتعتبر هذه الاتفاقات ملزمة للطرفين وتكون بمثابة قانون لهما تطبيقا لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين.

في الأخير تجدر الإشارة إلى أن إمكانية إقامة صلح بين الأطراف تبقى ممكنة حتى خلال المرحلة القضائية حسب ما نصت عليه الفقرة الرابعة من الفصل 37 حيث جاء فيها “إذا قبل التعرض أثناء جريان الدعوى من طرف طالب التحفيظ أو المستفيد من حق تم التصريح به طبقا للفصل 84، أو تنازل المتعرض عن تعرضه فإن المحكمة المعروض عليها النزاع تشهد بذلك القبول أو التنازل وتحيل الملف على المحافظ على الأملاك العقارية الذي يقوم عنه الاقتضاء بالتحفيظ مع اعتبار اتفاقات الأطراف أو تصالحهم”.



 

خاتمة:

من خلال ما تم عرضه يتضح جليا طول مسطرة التحفيظ الإدارية من حيث الحيز الزمني الذي تستغرقه، وكذا تعدد المتدخلين خلالها، فمسطرة التحفيظ العقاري تبتدئ بإيداع مطلب التحفيظ وفق شكليات محددة مرورا بإشهار ملخص المطلب في الجريدة الرسمية وتحديد العقار المراد تحفيظه، إلى أن تنتهي بتأسيس الرسم العقاري ما لم يحول ذلك بسبب جدية التعرضات، فمن خلال هذه المسطرة يتم إخراج العقار من نظام العقارات الغير المحفظة إلى نظام العقارات المحفظة، حيث تتحدد هويتهم من الناحية المادية والقانونية، وبها يكتسب العقار قيمة مضافة ويطهر من جميع الحقوق السالفة وغير المضمنة بالسجل العقاري ويصبح بالتالي له قيمة في المجال الاقتصادي، إلا أنه رغم أهمية هذه المسطرة فإنها تثير مجموعة من الملاحظات.

  • طول المدة الزمنية لمسطرة التحفيظ.

  • اتسام بعض الإجراءات بعدم الفعالية في الإشهار ( النشر في الجريدة الرسمية التي تقتصر على فئة محدودة، وبالتالي أصبحت وسيلة و شكلية قانونية أكثر منها إعلامية).

  • تحميل المهندس المساح الطوبوغرافي المنتدب من طرف المحافظ مسؤولية تحرير وصياغة محضر التحديد التي تكتسب طابعا قانونيا بعيدا كل البعد عن ميدانه الفني والتقني.

توصيات

  • جعل قرارات المحافظ قابلة للطعن أمام الجهاز القضائي تكريسا للمبدأ الدستوري المنصوص عليه في الفصل 118 منه.

  • إعادة النظر في أجل التعرض العادي وذلك من أجل تمكين الطرف المتعرض بإعداد وثائقه ومستنداته في وقت كاف.

  • إحداث محكمة مختصة في قضايا التحفيظ العقاري والنزاعات التي تنشأ عنه تفاديا لازدواجية الاختصاص في ما يتعلق بالجهات المتدخلة في مسطرة التحفيظ.

  • تدخل المشرع من أجل تعديا الفقرة الأولى من الفصل 32 حتى يتأتى للمحافظ العقاري إمكانية إلغاء التعرض لمجرد عدم تقديم الرسوم والوثائق أو عدم أداء الرسوم القضائية.

  • تدخل المشرع من أجل التنصيص على عدم قابلية قبول المحافظ للتعرض خارج الآجال للطعن القضائي شأنه في ذلك شأن قرار المحافظ برفض التعرض خارج الآجال.

لائحة المراجع

الكتب

  • محمد خيري: العقار وقضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، مطبعة المعارف الجديدة، طبعة 2014.

  • محمد بن أحمد بونبات، نظام التحفيظ العقاري في ضوء قانون رقم 14.07، الطبعة الثانية، سنة 2012.

  • هشام بصري، مسطرة التحفيظ  وإشكالاتها العملية، الطبيعة الاولى ، سنة 2013 .

  • ادريس الفاخوري، نظام التحفيظ العقاري ، مجلة الحقوق، سلسلة المعارف القانونية والقضائية ، المعارف الجديدة، الرباط، 2015.

  •  المقالات

  •  السعيد السعداوي : مسطرة التحفيظ في ظل القانون 07_14 ،مقال منشور بسلسلة دفاتر محكمة النقض عدد:21 

  • حميد ربيعي، الطابع القانوني والهندسي لعملية التحديد كإجراء جوهري في نظام التحفيظ العقاري، نظام التحفيظ كدعامة أساسية للتنمية، سلسلة دفاتر محكمة النقض عدد 21 ، الرباط .

  • آيت احمد الغازي، تعرضات في المسطرة العادية و المساطر الخاصة في التحفيظ العقاري، دفاتر محكمة النقض، عدد 26، ندوة وطنية حول الامن العقاري.

  • عبد القادر بوبكري، التعرضات على مسطرة التحفيظ العقاري في ضوء مستجدات القانون 0714 مقال منشور ………………

  • يونس بن المداني وفاطمة أجرود “إشكالية التعرض على مسطرة التحفيظ العقاري في ضوء القانون رقم 14.07، مقال منشور بقراءات في المادة العقارية .

  • أحمد دحمان: “تلقي التعرضات وشروط تقديمها وقرارات المحافظ بشأنها” مقال منشور بسلسلة دفاتر محكمة النقض العدد 21، الطبعة 2015، 

  • حنان السعيدي، قراءة في مقتضيات قانون التحفيظ الجديد المنضمة لعملية التحديد أنظرالفصل 19 و 20 و 21 من ظهير التحفيظ الملغى.

الفهرس

مقدمة    2

المطلب الأول: مطلب التحفيظ    4

المطلب الأول: تقديم مطلب التحفيظ    4

الفقرة الأولى : الأشخاص الذين يحق لهم تقديم مطلب التحفيظ    4

الفقرة الثانية: شكليات مطلب التحفيظ    6

ثالثا:مؤيدات مطلب التحفيظ    8

المطلب الثاني: إشهار عملية التحفيظ وإجراءات التحديد    8

الفقرة الأولى: إشهار عملية التحفيظ    9

أولا: النشر في الجريدة الرسمية    9

ثانيا: التعليق لدى المحاكم الابتدائية والسلطة المحلية    10

الفقرة الثانية: إجراءات تحديد العقار المراد تحفيظه    12

أولا: الجهة المكلفة بعملية التحديد وترتيباتها    12

الفقرة الثانية: إنجازعملية التحديد وشهرها    15

أولا: إنجاز عملية التحديد    15

تانيا: نشر إعلان عن انتهاء عملية التحديد    16

المبحث الثاني: التعرضات خلال المرحلة الإدارية و قرارات المحافظ بشأنها.    17

المطلب الأول: مسطرة التعرض    18

الفقرة الأولى: لمن يحق التعرض و في مواجهة من؟    18

أولا : لمن يثبت حق التعرض؟    18

ثـانيا: في مواجهة من يمارس التعرض؟    19

الفقرة الثـــــــانية: شكليـــــــــات التعرض.    20

أولا: شكـــــــــل التعـــــرض    20

ثـــــــانيا: مؤيدات التعـــــرض.    21

الفقرة الثــــــــالثة: آجــــــال التعرض:    23

أولا: التعــــرض داخــــل الأجـــل.    23

ثـــــــانيا: التعرض خـــــــارج الأجل.    23

المطلب الثاني: قرارات المحافظ بشأن التعرضات    24

الفقرة الأولى: قبول المحافظ للتعرض    24

الفقرة الثانية: قرار المحافظ برفض أو إلغاء التعرض    26

أولا: قرار المحافظ بإلغاء التعرض    26

ثانيا: قرار المحافظ برفض التعرض المقدم خارج الأجل    28

الفقرة الثالثة: قرار المحافظ بمصالحة الأطراف    29

خاتمة:    31

لائحة المراجع    33

الفهرس    35

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى