حقوق المستهلك المقترض في عقد القرض العقاري

 

حقوق المستهلك المقترض في عقد القرض العقاري


مقدمة


ينعكس التطور الاقتصادي والتحول المجتمعي حتما على نمط عيش الأفراد وتقاليد استهلاكه، فقد برزت حاجيات استهلاكية جديدة ومتعددة أصبح اللجوء إلى قروض الاستهلاك إحدى الوسائل الشائعة لتلبيتها. وذلك لمحدودية القدرة الشرائية لفئات عريضة من المجتمع ولسرعة القروض الاستهلاكية في تغطية مصاريف عاجلة لا يمكن مواجهتها عبر الادخار الشخصي ، هذا فيما يخص أهميتها الاجتماعية، أما من الناحية الاقتصادية فهي تلعب دورا مهما بالنظر إلى مساهماتها في الرفع من إنتاج وتداول السلع ومختلف الآليات والتجهيزات الممولة بهذه القروض. -

   ولا يخفى على احد مدى الأهمية التي توليها التشريعات المقارنة لقانون الاستهلاك ، حيت أصبحت غالبية الدول  تسعى إلى توفير اكبر حماية ممكنة للمستهلك ، من اجل تشجيعه  على المساهمة في التنمية الاقتصادية ، حيت يعتبر بلا شك عنصرا أساسيا في السلسلة الاستهلاكية .

    فبعدما كان المجتمع سابقا مجتمعا بسيطا في تركيبته ومتطلباته ، كانت المبادئ التي يقوم عليها العقد كحرية التعاقد والعقد شريعة المتعاقدين ، والقوة الملزمة للعقد ، كافية لتحقيق نوع من التوازن العقدي بين أطراف التعاقد بما فيهم المهني والمستهلك .

    فتقنية التعاقد التي تعتبر وسيلة أساسية لتبادل السلع والخدمات بين الأفراد ، كانت تعتمد على إشكال تقليدية ميزتها الأساسية التفاوض التعاقدي ، حيت حرية الأطراف في مناقشة شروط العقد وحريتهم في التعاقد من عدمه .

    لكن التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي زادت حدتها منذ بداية العشرينات دفعت الدول الحديثة إلى التدخل من اجل حماية المستهلك ، ولقد كان هذا التدخل تشريعيا  بالخصوص ، حيث تم سن قوانين الاستهلاك .

   والمشرع المغربي بدوره قام بمجارات هذه الدول عبر إصداره لمجموعة   قوانين متفرقة تنصب أساسا على حماية المستهلك ولو بطريقة غير مباشرة  ، تم إصداره أخيرا للقانون المتعلق بتدابير حماية المستهلك رقم  31.08

   وعلى عكس ما يعتقده البعض أن قانون حماية المستهلك هو إضافة لا فائدة منها وان القواعد العامة كافية وحدها لحماية المستهلك مادام هو في حقيقته متعاقدا ، وبالتالي لا يجب أن نخصه بأحكام خاصة لأن ذالك سيمنح امتيازات لفئة دون أخرى .

   إلا أننا نرى أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي اثبت عكس هذه الفكرة ،فالمتعاقدون ليسوا من نفس الرتبة ، بل يختلفون من حيث قوة إرادتهم في التعاقد ، وقدرتهم على التفاوض بشأن بنود العقد ، ومن هنا ظهرت عقود الإذعان   والشروط التعسفية  في العقود ، فالمستهلك إن كان في الأصل هو شخص عادي يقوم بالتعاقد أي يقوم بعمل مادي والذي غالبا ما يكون إراديا ، غير انه في بعض الحالات قد يكون قيامه بالفعل إجباريا ، وهذا الفعل المادي هو الوصف الذي  يطلق علي  عملية تلقي السلع والخدمات بنية استهلاكها أو الانتفاع بها ويمكن تكييفه من الناحية القانونية بتسميته بالعقد الاستهلاكي .

  وعلى هذا الأساس يظهر انه من الصعب تجاهل الدور الذي يقوم به قانون الاستهلاك في ضبط سلوك الأفراد وتنظيم العلاقات التعاقدية التي تربط ما بين المستهلك والمهني خصوصا إذا كانت هذه العلاقة  في اطارالقروض العقارية التي يكون فيها  البنك مؤسسة مقرضة ، والمستهلك شخصا مقترضا.

  ونظرا لأهمية القروض العقارية ، والدور الكبير الذي تلعبه على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بحيث تشكل أهم أنواع القروض التي تسخر فيها البنوك الأموال المودعة لديها في سبيل تحقيق نسبة كبيرة من الربح ، وبالتالي فهاجس الربح هذا قد يشكل خطرا على مصالح المقترض ، لأجل ذلك  فقد جاء قانون حماية المستهلك بمجموعة من الضمانات الهدف منها حماية الحقوق الأساسية للمستهلك عامة والمقترض خاصة سواء قبل مرحلة التعاقد أو أثناءها أو بعدها .

  وعلى ضوء ما سبق  نتساءل حول ما إذا كان قانون حماية المستهلك قد استطاع فعلا تكريس حقوق  المقترض باعتباره طرفا ضعيفا في عقد القرض العقاري ، وهل تمكن المشرع المغربي بمقتضى هذا القانون من إعادة التوازن العقدي لأطراف العلاقة التعاقدية .

ولمحاولة مقاربة هذه الإشكالية سنعتمد التقسيم التالي

  • المبــحث الأول:  حقوق المستهلك المقترض في عقد القرض العقاري قبل مرحلة التعـــــــاقد

  • المبحث الثاني:  حقوق المستهلك المقترض في عقد القرض العقاري أثناء وبعد مرحلة التعاقد









المبحث الأول: حقوق المستهلك المقترض في عقد القرض العقاري قبل التعاقد

إن المشرع المغربي ورغبة منه في حماية حقوق المستهلك المقترض وضع مجموعة من المقتضيات التي تعمل على حماية حقوق المقترض خلال مرحلة ما قبل التعاقد، ومن بين هذه الحقوق نجد الحق في الإعلام والحق في الحماية من الإشهار الكاذب (المطلب الأول) ثم الحق في إعطاء المقترض مهلة للتفكير والعرض المسبق (المطلب الثاني).

المطلب الأول: حق المقترض في الإعلام والحق في الحماية من الإشهار الكاذب

لقد عمل المشرع على حماية المقترض باعتباره طرفا ضعيفا في عقد القرض العقاري، من خلال تمتيعه بحقه في الإعلام (الفقرة الأولى) ثم الحق في الحماية من الإشهار الكاذب (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الحق في الإعلام

لقد تطورت العلاقة بين البنك والمستهلك ، مما أوجد نوعا من الثقة الشخصية بينهما ،فالمستهلك وقبل إبرام العقد المتعلق بالخدمة التي سيقدمها البنك يكون في حاجة إلي معلومات وإرشادات وذلك نتيجة اعتقاده في قدرة البنك وتزويده بها،لذلك يحتاج المستهلك إلى إعلام موضوعي وشامل في حدود المعقول ،من أجل أن تتضح الصورة أمامه بكل أبعادها ،حتى يتمكن من التعبير عن إرادته بوعي تام،وحتى لا يتحول الإشهار من أداة لإخبار المستهلك إلى وسيلة للتدليس عليه، عمل المشرع المغربي من خلال قانون 08_31 على توفير حماية المستهلك عن طريق تنظيم الإشهار الخاص بالقرض.

لقد ثار نقاش حاد في أوساط كل من الفقه والقضاء حول وجود أو عدم وجود التزام قانوني بإعلام الطرف الآخر قبل التعاقد، وما هو أساس هذا الالتزام؟ فذهب البعض إلى القول أنه يتعين على كل متعاقد أن يؤمن مصالحه الخاصة بوسائله الذاتية وعليه أن يتوصل إلى المعلومات الضرورية لكي يقدم أو يمتنع عن التعاقد، وبذلك لا يوجد من حيث المبدأ التزام بإعلام الطرف الآخر، وهذا الرأي يتفق بشكل واضح مع المبادئ التقليدية تحت ما يسمى بمبدأ سلطان الإرادة.

فالمتعاقد لا يلتزم تجاه المتعاقد الآخر إلا بما اتفق عليه الطرفين من التزامات ولا يجوز التوسع في تفسيرها، ومن المعلوم أن من أبرز مظاهر مبدأ سلطان الارادة في قانون الالتزامات والعقود المغربي هو الفصل 230 الذي ينص على أن الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة لمنشئيها، وهو ما يعني أن ما يتفق عليه المتعاقدان أي ما يدخل في نطاق العقد يكون ملزما لهما كما لو كان القانون قد نص عليه، وبعبارة أوضح أن الحقوق والالتزامات التي ينشئها العقد في ذمة كل من المتعاقدين تكون واجبة الاحترام والتنفيذ كما لو كان القانون هو الذي أنشأهاومن ثم لا يوجد التزام يقع على عاتق أحد الأطراف بإحاطة الطرف الآخر علما بكل ظروف العقد، ما لم ينص العقد الذي يربطهما على ذلك، لأن ذلك يعد نوعا من إلزام الشخص أن يدافع عن مصالح غيره على حساب مصالحه في الوقت الذي يجب فيه على كل شخص أن يتحرى بنفسه عن ظروف العقد والدفاع عن مصالح نفسه.

إلا أنه وانطلاقا من سنة 1945 ظهر الالتزام بالإعلام والذي يرجع فيه الفضل للفقيه الفرنسي Dejouglart الذي أبرز هذا الالتزام في العقود، بعد أن كانت القاعدة العامة هي أن لا أحد ملزم بإعلام الطرف الآخر، فعدم تعادل أطراف العقد وخاصة في العلاقات التعاقدية التي تربط المهني والمستهلكين، وأيضا في العقود بصفة عامة، أدى إلى ظهور وتطوير هذا الالتزام لخلق وسيلة فعالة لكفالة قدر من الأمانة في العملية التعاقدية.

و يقصد بالحق في الاعلام الالتزام بالإدلاء المعاصر لتكوين العقد و السابق على ابرامه بكافة المعلومات و البيانات الجوهرية التي تتعلق بالخدمات المسداة محل التعاقد البنكي و التي يجهلها المقترض ، و دلك بهدف تكوين رضا سليم لديه حال اقباله على التعاقد.

وقد اكتفى قانون الالتزامات والعقود على خلاف القانون المدني المصري بما تقضي به القواعد العامة بخصوص عقد البيع والتي تلزم البائع بضرورة إعلام المشتري، كتلك التي تتعلق بمحل البيع (الفصل 58) من ق ل ع.

إلا أن المشرع المغربي وفي ظل قصور القواعد العامة على تنظيم هذا الالتزام بشكل دقيق، عمل على تدارك الوضع، بنصه صراحة على الحق في الإعلام في الدباجة الخاصة بقانون حماية المستهلك، واعتبره من الحقوق الأساسية في مجال حماية المستهلك، حيث أفرد لهذا الالتزام الباب الأول من المادة 3 إلى المادة 14، وهذا الالتزام يسري على المقترض العقاري، إذ أن المعلومات التي يقدمها المهني إلى المقترض في القروض العقارية، تلعب دورا أساسيا في تنوير رضاه عن طريق تكوين فكرة عن مضمون العقد، وإهمال المؤسسة البنكية لهذا الالتزام ينتج عنه نوع من التعتيم، الأمر الذي يؤثر على إرادة المستهلك، مما يؤدي بالضرورة إلى اختلال التوازن العقدي.و من دلك ما نصت عليه المادة 3 من القانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك التي جاء فيها :"يجب على كل مورد ان يمكن المستهلك باي وسيلة ملائمة من معرفة المميزات الاساسية للمنتوج او السلعة و تاريخ الصلاحية ان اقتضى الحال ، و ان يقدم اليه المعلومات التي من شانها مساعدته على القيام باختيار معقول باعتبار حاجياته و امكانياته".

كما أنه يجب على المؤسسة المقترضة باعتبارها الطرف القوي في العلاقة التعاقدية أن تلتزم بمبدأ حسن النية في مرحلة ما قبل التعاقد، حتى أن البعض جعل من مبدأ حسن النية قبل التعاقد الأساس الذي يقوم عليه الالتزام بالإعلام، ذلك أن مبدأ حسن النية والالتزام بالإعلام يهدفان معا إلى حماية رضا المستهلك في عقد القرض.

وذلك ما جعل القضاء الفرنسي يمدد نطاق مبدأ حسن النية إلى المرحلة قبل التعاقدية واعتبر الإخلال بهذا الالتزام ما هو إلا إخلال بمبدأ حسن النية، وبالفعل فحسن النية تقتضي من المدين القيام بكل ما يساعد الدائن في الانتفاع التام بعمله القانوني، وهذا على خلاف القواعد العامة في القانون المغربي التي تقصر مبدأ حسن النية على مرحلة تنفيذ العقد، الشيء الذي تم تداركه بموجب القانون 31.08.

وباستقرائنا لمقتضيات هذا القانون، نستشف أن المؤسسة البنكية المانحة للقرض العقاري تكون ملزمة بالإدلاء إلى المقترض بجملة من المعلومات والبيانات التي اعتبرها المشرع إلزامية لتكوين رضا المستهلك والسماح له بالتعاقد عن إرادة حرة ومتبصرة.

ورغم أن المادة 206 من قانون 31.08 تنص على أن "كل عقد حرر بلغة أجنبية يصطحب وجوبا بترجمته إلى العربية" فإن هذا المقتضى لا يحل الإشكال لأنه يتعلق بالعقد النهائي الذي يحرر بين المهني والمستهلك بعد استنفاد المرحلة السابقة للتعاقد التي يؤطرها الالتزام بالإعلام.

إلا أن ما يلاحظ على مستوى الواقع العملي أن أغلب المؤسسات البنكية تتجاهل التزامها بإعلام المستهلك، ما يعرض مصالح هذا الأخير للضرر، وبالرغم من الإيجابيات التي جاء بها القانون 31.08 في إطار القرض العقاري إلا أنه يعاب عليه أنه لم يقرر أي جزاءات مدنية، في حالة إخلال البنك بالالتزام بالإعلام، واكتفى بالتنصيص في المادة 173 من هذا القانون على غرامة مالية من 2000 إلى 5000 درهم.

إلا أنه من الواضح أن هذه الغرامة هي ... مقارنة بحجم الضرر الذي قد يلحق المستهلك المقترض الذي قد يبرم عقدا يرتب في ذمته تكاليف مالية جسيمة.

الفقرة الثانية: الحق في الحماية من الإشهار الكاذب

الإشهار هو جزء من الإعلام، وقد عرفته الجمعية للتسويق "وسيلة غير شخصية لتقديم الأفكار أو السلع أو الخدمات بواسطة جهة فنظرا لأهمية الإشهار ، فقد خصه المشرع المغربي بمقتضيات خاصة به ،وذلك بصفة مستقلة عن باقي المواد المنظمة للإشهار ،حيث نجد المادة 115 من قانون 08_31 تستلزم أن يكون كل إشهار يتعلق بالقروض المشار إليها في المادة 113 من قانون 08_31 نزيها وإخباريا ،وحتى يؤدي هذا الإشهار وظيفته   الإخبارية أوجبت نفس المادة أن يتضمن مجموعة من البيانات والتي تتمثل

_تحديد هوية المقرض وعنوانه إذا كان شخصا طبيعيا أما إذا تعلق الأمر بشخص معنوي فيجب تحديد عنوانه ومقره الاجتماعي.

_طبيعة القرض والغرض منه، إذ يجب أن يتضمن الإشهار الغرض الذي من أجله تم منح القرض المتمثل في تمويل العقد الرئيسي.

وقد أراد المشرع محاربة نوعين من الممارسات التعسفية ، حيث تتمثل الأولى في الإعلان على سعر منخفض للفائدة بدون الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى الفائدة المعلن عنها ،فإنه يكون على المستهلك دفع مصاريف الملف وعمولات وأجور أخرى(مرتبطة بمنح القرض) ،وتتمثل الثانية في الإشارة إلى سعر يتم احتسابه انطلاقا من المبلغ المقترض بداية، مع تناسي أنه سيتم دفع القرض عبر أجزاء أو أقسام ،وبالتالي فإن المبلغ سينخفض بعد كل دفع،وحسب المادة 116 من قانون 08_31 فإنه يجب أن تشير كل وثيقة إشهارية أو وثيقة إعلام تسلم إلى المقترض ،وتتعلق بإحدى العمليات المشار إليها في المادة113 ،إلى أن المقترض يتوفر على أجل للتفكير حسب الشروط المنصوص عليها في المادة 120 من قانون 08_31، وأن البيع رهين بالحصول على القرض، وأن المورد ملزم بأن يرد له المبالغ المدفوعة ،في حالة عدم الحصول على القرض.

ولقيام جريمة الإشهار المضلل لابد أن يتوفر ركن مادي قوامه وجود إشهار واتسامه بالتضليل ،وأن يقع على أحد العناصر المحددة في الفقرة الثانية من المادة 21 من قانون 08_31 ،وركن معنوي قد يتخذ صورة القصد أو الخطأ .

أما فيما يخص الركن المادي لجريمة الإشهار المضلل يلزم أن يكون هناك إشهار مضلل ، ويقع التضليل حسب المادة 21 من قانون 08_31 إما بتضمين ادعاءات أو بيانات ،أو عروض تمت صياغتها بعبارات غامضة أو مبهمة من شأنها إثارة اللبس في التفسير ومن تم تؤدي إلى تضليل المستهلك.

أما بخصوص عناصر الإشهار المضلل، فقد حددتها الفقرة الثانية من المادة 21 من قانون 08_31 على سبيل الحصر ،حيث لا يجوز القياس عليها تطبيقا لمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ،ذلك أن جريمة الإشهار المضلل لا تقوم إلا إذا تعلق التضليل بواحد أو أكثر من العناصر المحددة قانونا ، كما يتعين على القاضي أن يحدد العنصر أو العناصر التي وقع فيها التضليل،وإذا كان المشرع المغربي لا يعاقب على الجنايات والجنح إلا إذا ارتكبت عمدا حسب الفصل133 من القانون الجنائي ،فإن الملاحظ من خلال المواد المنظمة للإشهار في قانون 08_31 أن المشرع لم يشر إلى عنصر سوء النية لقيام جنحة الإشهار المضلل، وهذا راجع إلى أن الركن المعنوي في الإشهار ينبغي النظر إليه بمفهوم اجتماعي وليس قانوني ضيق، ذلك أن الإشهار المضلل بحكم انتشاره وتأثيره ينبغي أن يكون صادقا وأن يحمي المستهلك من التضليل ،واشتراط سوء نية المعلن يعني تقييد هذه الحماية، والحد منها، بما يفتح الباب على مصراعيه للتهرب من أحكام القانون معلومة ولقاء أجر مدفوع".

فمن خلال ما تقدم يمكن استخلاص عناصر أساسية يجب توافرها في الإشهار منها:

  • استخدام وسائل متخصصة في توصيل المعلومات.

  • نقل المعلن إلى المستهلك ليتم بدون مواجهة مباشرة.

  • التأثير والإغراء.

هكذا يتبين لنا أن إشهار السلع والخدمات، له قيمة بالنسبة للمستهلك فهو يعرفه بالسلع الجديدة التي تنزل إلى الأسواق أو في طريقها إليه، كما ترشده إلى كيفية استعمال السلع وتوضح له المزايا المتوفرة في بعض السلع الأخرى، أما الكذب فهو ادعاء مخالفة للحقيقة للإيقاع عن قصد في غلط، والأصل فيه أنه عمل يهدف إلى الغش.

وبالتالي فالإشهار الكاذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه في الواقع، ويؤدي الإشهاد الكاذب إلى تضليل المستهلك وإيقاعه في غلط قد يدفع إلى التعاقد وقد يطال هذا الغلط ماهية البضاعة أو الخدمة أو نوعها أو خصائصها الجوهرية.

وبسبب الإشهار الكاذب أو المضلل أضرارا وحتمية على مستوى الحرية التعاقدية، خاصة عندما يكون هو الدفاع للتعاقد، والمؤثر الرئيسي على إرادة المستهلك، بطرق غير مشروعة ومضللة، فعلى مستوى القواعد العامة يمكن الإشهاد إلى نظرية عيوب الرضا، خاصة الفصل 52 من ق ل ع، المتعلق بعيب التدليس، لإبطال العقد الذي نشأ بالأساس أثر قيام المؤسسة المعلنة أي المقرضة بإعلان كاذب لأن المتعاقد لا يرى إلا ما أراد المتعاقد الآخر أن يطلعه عليه دون الاطلاع على الشطر الثاني المؤثر على إرادة المستهلك.

كما أنه يمكن أيضا إعمال نظرية الغلط، خاصة إذا وقع الغلط على ذاتية الشيء أو على نوعه أو صفة فيه كانت هي السبب الدافع إلى التعاقد، سواء تعلق الأمر بتدليس وقع على المستهلك وغلط وقع فيه.

وقد خصص المشرع المغربي الباب الأول من القسم الرابع للإشهار، كما أنه في إطار الباب الثاني من القسم السادس المتعلق بالقرض العقاري، أقر بحماية المقترض في مجال القروض العقارية من الإشهار الكاذب، حيث حث على ضرورة أن يكون الإشهار نزيها وإخباريا، كما منع كل إشهار ... التسديدات الشهرية للقرض ...، باستثناء عمليات الإيجار المفضي إلى البيع أو الإيجار مع خيار الشراء.

وأوجب في كل إشهار يتعلق بأحد القروض المنصوص عليها في المادة 113 أن يتضمن مجموعة من البيانات نصت عليها المادة 115 حيث جاء يها: "يجب أن يكون كل إشهار كيفما كانت الوسيلة المستعملة تتعلق بأحد القروض المشار إليها في المادة 113 نزيها وإخباريا، ويجب أن يتضمن ما يلي:

  1. تحديد هوية المقرض وعنوانه، وإذا تعلق الأمر بشخص معنوي فعنوان مقره الاجتماعي.

  2. طبيعة القرض والغرض منه.

  3. إذا كان يشتمل على عنصر أو عدة عناصر مرقمة، تحديد مدة العملية المقترضة، وكذا التكلفة الإجمالية للقرض وسعره الفعلي الإجمالي السنوي باستثناء أي سعر آخر.

يجب أن تقدم جميع البيانات الإجبارية بصورة مقروءة ومفهومة بالنسبة إلى المقترض كما نصت المادة 116 من نفس القانون على ضرورة أن نبني كل وثيقة إشهارية أن المقترض يتوفر على القرض وأن المورد ملزم في حالة عدم الحصول على القرض بأن يرد للمقترض المبالغ المدفوعة له.

ولردع أي مخالفة للمقتضيات السابقة عمل المشرع على إقران هذه المخافة بعقوبة مالية تتراوح ما بين 30,000 و 200,000 درهم.

وصفوة القول أن جميع هذه المقتضيات تسعى بالأساس إلى إعادة نوع من التوازن إلى العلاقة بين المقترض والمقرض على اعتبار أن العقود التي تبرمها المؤسسة الائتمانية في إطار القرض السكني هي عقود إذعائية تهدف إلى خدمة مصلحة هذا الأخير وتعني إرادة المستهلك، الشيء الذي يؤدي إلى تدعيمها وحمايتها من خلال هذه الوسائل، والسعي إلى تحقيق إرادة كاملة وحكيمة للمستهلك عند إقدامه على إبرام هذا النوع من القروض.

المطلب الثاني: الغرض المسبق والحق في مهلة التفكير

من الآليات القانونية التي منحها المشرع لحماية المقترض قبل إبرام العقد استخدامه للعرض المسبق (الفقرة الأولى) ومنحه مهلة للتفكير (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الحق في العرض المسبق

ألزم المشرع المغربي المؤسسات البنكية بتقديم عرض مكتوب إلى المقترض محددا مجموعة من البيانات التي يجب أن يتضمنها العرض، مما يجعل المقترض يقدر تماما طبيعة وشروط الالتزامات التي يتحملها، لكت التساؤل الذي يطرح هنا حول الطبيعة القانونية لهذا العرض المسبق؟

ذهب البعض إلى أن الأمر يتعلق بإيجاب تعاقدي يلتزم بموجبه المقترض بالشروط التي يتضمنها، بينما ذهب البعض الآخر إلى أن العرض المبدئي هو وعد أحادي بالتعاقد، ما دام أن المقرض لا يمكنه سحبه، وأن المستهلك لا يلتزم بشيء خلال هذه المرحلة فلا يدفع أي مبلغ قبل قبول العرض المقترح عليه.

وبالرجوع إلى القواعد العامة نجد أن الموجب، عندما يحدد أجلا للقبول يبقى ملتزما تجاه الطرف الآخر إلى حين انصرام هذا الأجل، ويتحلل من إيجابه إذا لم يصله رد بالقبول خلال الأجل المحدد، وباستقراء مقتضيات المادة 120 من قانون 31.08 يتبين أنها تنبني نفس هذا الاتجاه، حيث على المقرض أن يبقى على الشروط التي حددها في العرض الموجه إلى المقترض طيلة مدة لا تقل عن خمسة عشر يوما من تاريخ تسلم المستهلك المقترض للعرض، على أن الاختلاف بين الفصل 29 من ق ل ع والمادة 120 من ق 31.08 يتمثل في أن الموجب هو الذي يحدد بإرادته أجل القبول، في حين أن المشرع هو الذي يحدد للمقترض الأجل الأدنى الذي يكون خلاله ملزما بالإبقاء على عرضه طيلة المدة المحددة قانونا.

بالرجوع إلى المادة 117 من قانون 31.08 نجد المشرع ألزم المؤسسات البنكية أن تعد العرض مكتوبا حيث نص على أنه "يجب على المقرض، فيما يخص القروض المشار إليها في المادة 113، أن يعد عرضا مكتوبا يوجهه بالمجان بأية وسيلة تثبت التوصل إلى المقترض وكذا إلى الكفيل المحتمل إذا كان شخصا طبيعيا ومصرحا به من قبل المقترض".

والمشرع المغربي لم يكتفي بتنظيم العرض المسبق من ناحية الشكلية فقط بل ألزم المقرض على توفر العرض المسبق على مجموعة من البيانات الإلزامية المنصوص عليها في المادة 118 من ق 31.08.

إضافة إلى الشروط السابقة ألزم المشرع التأمين ومقرها ومراجيع التأمين، وذلك في الحالة التي يعرض أو يلزم المقرض على المقترض الانضمام إلى عقد تأمين جماعي سبق أن اكتتب فيه.

وتبقى الإشارة إلى أن العرض المسبق (عقد القرض) يفسخ في الحالة التي لا يبرم فيها العقد الأصلي، أي أن عقد القرض معلق على شرط فاسخ حتى ولو تم إبرامه، إلا أن المشرع قد قيد هذه الحماية بتحديده المدة التي يبقى فيها الشرط الفاسخ ساريا وهي أربعة أشهر كحد أدنى وترك للطرفين الاتفاق على أجل أطول من الأجل المحدد في القانون لأن هذا الأمر يظل في مصلحة المقترض، وعمل المشرع على تهديد نطاق حماية المقترض في مواجهة الطرف الثالث في العلاقة، فجعل العملية الأصلية التي يتوخاها المقترض تبرم تحت الشرط الواقف، وهو الحصول على القرض المطلوب، وبالتالي فإن العقد الأصلي يصبح عديم المفعول عندما يستحيل على المقترض الحصول على التمويل الضروري له.

الفقرة الثانية: الحق في مهلة التفكير والتراجع

لقد تنبه المشرع الى وجود ممارسات تعتمد اسلوب استدراج المستهلك لتحمل التزامات تعاقدية ما كان ليرتضيها لو توفرت لديه فرصة كافية للتفكير و التروي فاقر مجموعة من الاحكام خاصة بعقود محددة كالاستهلاك ترمي في مجملها الى مساعدة المستهلك و تخويله سبل التدبر و التمعن في الاتفاقات المزمع عقدها .

إن الهدف من مهلة التفكير هو أن المقترض وفي سعيه للحصول على القرض، يمكنه أن يحصل على أكثر من عرض واحد في نفس الوقت، فيكون كل المقرضين الذين حصل منهم على عرض مسبق ملزمين بعروضهم خلال المهلة القانونية، بينما لا يلزم هو بأي عرض، وإنما يبقى له حق الاختيار بين العروض متاحا، ولا شك أن في الحالتين معا، فإن تمكين المستهلك المقترض من وقت للتفكير تدبير حمائي بالغ الأهمية.

ولهذا فقد حدد القانون رقم 31.08 مهلة التفكير في خمسة عشر يوما كحد أدنى، يلتزم البنك المقرض بالإبقاء على عرضه دون إمكانية سحبه أو تعديله، مما يجعل أي شرط يتضمن مدة أقل باطلا، لكن في المقابل يمكن الاتفاق على شرط يجعل مدة التفكير أطول لأن المشرع استعمل عبارة "لا تقل عن خمسة عشر يوما"، وبالتالي يعتبر شرطا صحيحا لا يمكن التراجع عنه قبل انقضاء المدة المتفق عليها، وذلك أن القواعد الحمائية للمستهلك قواعد آمرة وتتعلق بالنظام العام، وبخلاف المشرع المغربي حدد المشرع الفرنسي مدة الإيجاب الصادر عن المقرض- أي مدة الإبقاء على العرض المسبق من طرف المقرض- في 30 يوما، مما يمنح حماية أفضل للمقترض من خلال طول فترة التفكير الممنوحة له.

وقد عزز المشرع المغربي هذا التدبير الحمائي بنصه على غرامة في حالة مخالفة أحكام مهلة التفكير حيث نص في الفصل 190 من ق 31.08 على أنه "يعاقب بغرامة من 30000 إلى 200000 درهم المقترض أو الكفيل المصرح به على توقيع العرض أو يتلقى منهم قبوله دون أن يتضمن أي تاريخ أو يتضمن تاريخا مغلوطا من شأنه أن يوهم بأنه تم قبول العرض بعد انصرام أجل العشرة أيام المنصوص عليه في المادة 120".

وخلاصة القول إن مهلة التفكير تعتبر امتداد لالتزام البنك بالإعلام، وحماية لحقوق المقترض أضاف المشرع ضمانة لا تقل أهمية عن سياقتها، والتي تتجلى في حق التراجع، الذي من خلاله يستطيع المستهلك الانسحاب والتراجع عن قبوله، بإرام العقد.

المبحث الثاني: حقوق مستهلك المقترض في عقد القرض العقاري أثناء التعاقد وبعده

ان حماية مستهلك القرض العقاري لا تتوقف بمجرد انعقاد العقد ،بل يجب ان تستمر طالما ان العلاقة العقدية مستمرة ، حيث ان الهدف من انشاء العقود هو تنفيذها عن طريق اعمال اثارها ،فالمشرع المغربي  نص على حقوق المقترض قبل ابرام العقد كما عمل ايضا على حمايته أثناء التعاقد (المطلب الأول) وبعد التعاقد (المطلب الثاني).

المطلب الأول: حقوق المستهلك القرض العقاري أثناء إبرام العقد

ان مرحلة تنفيذ العقد تتطلب بدورها حماية خاصة للمستهلك نص عليها القانون 31.08  تتمثل اساسا في الحق في الحماية من الشروط التعسفية (الفقرة الأولى) والحق في التمثيلية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الحق في الحماية من الشروط التعسفية

تعد الشروط التعسفية تهم ما يثقل التزام المستهلك في العقود الاستهلاكية ،باعتبارها شروطا مجحفة ،ظالمة تنال من رضا المستهلك ، وكدا لان عقد الاستهلاك هي المجال الخصب لظهور الشروط التعسفية لان اغلب هده العقود يستقل بتحريرها المهني العارف بالامور و لا يقوى المستهلك عادة على مناقشة بنود هدا العقد اما لعدم او لقلة التجربة او عدم اطلاعه على التقنيات والفنيات المرتبطة بموضوع العقد بالاضافة  الى جهله بالنصوص التشريعية ، ولدلك يعد المستهلك الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية و يحتاج حماية من الشروط التعسفية.

يعرف الفقه الشرط التعسفي بأنه: يعتبر تعسفيا ذلك الشرط الذي يترتب عليه الإضرار بالمستهلك بسبب عدم التوازن الواضح بين حقوق والتزامات كل من المهني والمستهلك والمترتبة على عقد الاستهلاك.

وعرفه المشرع الفرنسي بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 321 من قانون الاستهلاك الجديد الصادر بتاريخ 1 فبراير 1995 حيث ورد فيها أنه: في العقود المبرمة بين المهنيين والمستهلكين، تعتبر تعسفية الشروط التي يكون موضوعها أو أثرها هو خلق اختلاف مبالغ فيه بين حقوق والتزامات أطراف العقد على حساب الطرف المستهلك.

وعرفه المشرع المغربي في الفقرة الأولى من المادة 15 من القانون  31.08  بانه "يعتبر شرطا تعسفيا في العقود المبرمة بين المورد والمستهلك كل شرط يكون الغرض منه أو يترتب عليه اختلال كبير بين حقوق وواجبات طرفي العقد على حساب المستهلك".

ومنه يمكن اعتبار أنه رغم اختلاف هذه التعاريف إلا أنها تصب في نفس المنحى والمتمثل في اختلال التوازن العقدي بين المتعاقدين خصوصا في الحقوق والواجبات ويتضح منها أيضا أن الشرط التعسفي يقوم على عنصرين أساسيين أولهما عنصر تعسف المهني في استعمال سلطته وقوته الاقتصادية والعنصر الثاني هو الميزة الفاحشة التي يحصل عليها هذا الأخير بمناسبة هذا العقد.

وقد اورد المشرع في القانون رقم 31.08 لائحة غير حصرية من البنود التي يمكن ان تعتبر تعسفية كالبند الذي يعفي المورد من المسؤولية القانونية ويحد منها في حالة وفاة المستهلك او اصابته باضرار جسمانية نتيجة تصرف او اغفال المورد ، وكالبند الذي يمكن المورد من القيام بانهاء العقد غير محدد المدة دون اعلام سابق  داخل اجل محدد وغيرها من الامثلة التي ورد النص عليها في المادة 18 من قانون 31.08 .

اما بالنسبة لمظاهر الشرط التعسفي في عقد القرض العقاري نجد الشرط القاضي بإقرار المستهلك المقترض باطلاعه على محتوى العقد اطلاعا كاملا ووافيا، وهو ما يحرمه من دراسة العقد وأخذ الوقت الكافي لتقييم نتائجه، ما ينجم عنه تسرع المستهلك في إبرام العقد، وبالتالي امتداد نتائج هذا التسرع إلى مرحلة تنفيذ عقد القرض وإعاقته بالنسبة للمقترض، وخلافا لهذا الوضع فإن مؤسسة الائتمان تكون قد أخذت وقتها الكافي لدراسة ملف العقد وصياغة بنوده بشكل محترف يؤمن مصالحها بالدرجة الأولى، وتخفي مجموعة من الشروط المجحفة بحق المستهلك ليبقى بعد ذلك في حالة وقوع  نزاع العقد شريعة المتعاقدين والمرجع الذي يتم العودة إليه لحل هذا النزاع، وبالتالي يتم ضمان حماية مصالح المؤسسة البنكية في مقابل عجز المستهلك عن حماية نفسه مادام قد أقر بكامل إرادته على بنود العقد وإقراره على أنه اطلع على محتواه اطلاعا كاملا وذلك في إطار القوة الملزمة للعقد.

ويعمل التشريع والقضاء على دور أساسي في حماية المقترض من الشروط التعسفية، فقبل صدور القانون 31.08 كان على المقترض باعتباره الطرف الضعيف أن يعتمد على القواعد العامة للقانون كنظرية التعسف في استعمال الحق والإثراء بلا سبب ونظرية عيوب الإرادة ولاسيما نظرية الغبن التي تستشف من الفصل 54 من ق ل ع م، والذي ينص على أن: "أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة متروك لتقدير القضاة".

وبعد صدور القانون 31.08 المتعلق بتحديد تدابير حمية المستهلك نجد على أن المشرع قد أتى بمجموعة من المقتضيات في غاية الأهمية تهدف إلى حماية المستهلك والمقترض بصفة خاصة، فبالنسبة لإثبات وجود شرط تعسفي من عدمه فإن عبء الإثبات يقع على عاتق المؤسسة البنكية حيث نجد أن الفقرة الأخيرة من المادة 18 تنص على "أنه في حالة وقوع نزاع حول عقد يتضمن شرطا تعسفيا، يجب على المورد الإدلاء بما يثبت الطابع غير التعسفي للشرط موضوع النزاع".

وإذا ما ثبت الطابع التعسفي للشرط موضوع النزاع، فإن ذلك يؤدي إلى بطلان ذلك الشرط واعتباره كأن لم يكن غير أن العقد المبرم بين المقرض والمقترض يبقى قائما إذا أمكن الإبقاء عليه، وهو ما يصب في مصلحة الزبون الذي غالبا ما يرغب في التحلل من الشروط التعسفية دون إبطال العقد برمته وهذا ما ذهبت إليه الفقرة الثانية من المادة 13 من قانون رقم 31.08 عندما نعت على أنه: "تطبق باقي مقتضيات العقد الأخرى إذا أمكن أن يبقى العقد قائما بدون الشرط التعسفي المذكور".

أما بالنسبة لدور القضاء في تعديل شروط العقد التعسفية فإذا كانت شروط العقد واضحة فإن الفصل 461 من ق ل ع م ينص على أنه "إذا كانت ألفاظ العقد صريحة امتنع البحث عن قصد صاحبها... " وهو ما أكدته محكمة النقض في أحد قرارتها "إن قضاة الموضوع مكلفون بتطبيق الاتفاقيات المبرمة وليس من الجائز لهم تغييرها متى كانت شروطها واضحة بينة.

أما إذا كانت شروط العقد غامضة فمن خلال قراءة مقتضيات الفصل 462 من ق ل ع في فقرته الاخيرة نجده ينص على انه ـ ... وعندما يكون التأويل  موجب ، يلزم البحث عن قصد المتعاقدين دون الوقوف عن قصد المتعاقدين ، دون الوقوف عند المعنى الحرفي للالفاظ ولا عند تركيب الجمل ـ 

ومنه يتضح ان المشرع المغربي على الرغم من اعطاءه  للقاضي صلاحية تأويل بنود العقد الا انه يجب عليه عند اعماله لهذه الصلاحية ان يبقى مؤطرا بارادة المتعاقدين والتوفيق بين بنود العقد .

وهذا الامرهو ما حرصت محكمة النقض على تطبيقه من طرف المحاكم حيث جاء في احد قراراتها ـ ... وهذا الاعمال للعقد يقتضي من المحكمة ان تقوم بتاويله وتبحث عن قصد المتعاقدين دون التوقف عند المعنئ الحرفي للالفاظ ولا عند تركيب الجمل ، وان المحكمة لما جردت العقد من كل شرط  والحال انه يمكن التوفيق بين بنوده عن طريق تاويله تكون قد خرقت المقتضيات المذكورة وعرضت قرارها للنقض ـ .

ويكون بذلك القاضي عند تذخله لتفسير بنود العقد ومن ضمنها عقد القرض العقاري مقيدا بإرادة الطرفين ، ومنه فان الحالات التي تستدعي تدخل القضاء لتفسير بنود العقد هي التي يكون الهدف منها اظهار النية الحقيقة للطرفين عند غموض عبارات العقد .

اما بالنسبة للشرط الجزائي فهو في التشريع المغربي شرط مشروع ما دام المبلغ المتفق عليه لا يتجاوز الضرر الفعلي الحاصل للدائن ، الا انه قد يتحول الى وسيلة للاستغلال والاثراء على حساب التوازن العقدي الشرط تعسفيا يجوز للقاضي التدخل لتعديله او الغائه، وهذا ما عبر عنه المشرع في الفقرة ما قبل الاخيرة من الفصل 264 من ق ل ع ، وبذلك يكون للقاضي امكانية ازالة الشرط الجزائي التعسفي وتمكين المقترض من الاستفادة من هذه المقتضيات في هذا الاطار.

الفقرة الثانية: الحق في التمثلية

يعتبر من الحقوق الأساسية للمستهلك الحق في تمثيله حين اتخاذ القرارات المتعلقة به والحق في الدفاع عن مصالحه من خلال جمعيات حماية المستهلك للمنشأة بوجه قانوني سليم، وترجع أهمية تمثيل الجمعيات المعترف بها للمستهلكين أمام القضاء للدور الذي تلعبه هذه الأخيرة في حفظ حقوق المستهلكين الذين يفتقدون في الغالب للخبرة والتجربة والذي كثيرا ما يترددون في رفع الدعاوى في مواجهة المهنيين إما اقتناعا منهم بأن الشروط الواردة في العقد هي تنظيمية بمثابة قانون لا يمكن الطعن فيها أو لعدم جدوى اللجوء إلى القضاء إما لتفاهة محل العقد أو لضخامة المصاريف القضائية ومصاريف الدفاع أو لبطء إجراءات التقاضي، كما تلعب هذه الأخيرة دورا مهما في إعلام المستهلكين بحقوقهم وتربيتهم وتوجيههم في ميدان الاستهلاك عن طريق النشرات التي تصدرها، كما يمكنها أن تشارك في إعداد وتطبيق السياسة الوطنية للاستهلاك، وأيضا إبداء الاقتراحات والآراء بخصوص مشاريع ومقترحات القوانين وكذا كل التدابير المتعلقة بضمان وتحسين حماية المستهلكين بصفة عامة ومستهلك القرض العقاري بصفة خاصة.

و تلعب جمعيات حماية المستهلكين دورا هاما في الحد ن الشروط التعسفية و هي تتكون من ممثلين لختلف الفئات من المستهلكين و بعض الشخصيات المدنية و اساتدة الجامعات ،و تتبع هده الجمعيات في دفاعها عن المصلحة الجماعية المشتركة عدة اساليب :

1التوعية و الدعاية المضادة بحيث تقوم هده الجمعيات بطبع دوريات من الصحف و المجلات و توزيعها المستهلكين بهدف امدادهم بالبيانات و المعلومات عن خصائص السلع و الخدمات و بالتالي تمكنهم من عدم السقوط في الشروط التعسفية اما الدعاية المضادة فهي قيامها بتوزيع او نشر انتقادات مكتوبة بالصحف و المجلات و مسموعة او مرئية .

2الامتناع عن الشراء و هو التوقف او الامتناع عن شراء سلعة او خدمة معينة او عدم التعامل مع مشروع معين .

3الامتنتاع عن الدفع و يتم عندما تطلب الجمعية من جمهور المستهلكين  لخدمة جماعية الامتناع عن دفع ثمنها .

وبما أن المجتمع في حاجة لجمعيات تأخذ على عاتقها مسؤولية الدفاع وحماية حقوق المستهلكين واستهداف تحقيق مكاسب لهم، وذلك بالجهر بمطالبهم، ولفت النظر إلى قضاياهم، إلا أنه يجب على الجمعيات التي تنصب نفسها طرفا مدنيا في الدعاوى، التي ترفع أمام المحاكم في ما يتعلق بقضايا الاستهلاك أن تحصل بالضرورة على صفة المنفعة العامة حيث نصت الفقرة الأولى من المادة 157 من القانون 31.08 على أنه: "يمكن للجامعة الوطنية ولجمعيات حماية المستهلك المعترف لها بصفة المنفعة العامة طبقا لأحكام المادة 154 أن ترفع دعاوى قضائية، أو أن تتدخل في دعاوى جارية، أو أن تنصب نفسها طرفا مدنيا أمام قاضي التحقيق، للدفاع عن مصالح المستهلك، وتمارس كل الحقوق المخولة للطرف المدني والمتعلقة بالأفعال والتصرفات التي تلحق ضررا بالمصلحة الجماعية للمستهلك".

وإذا كان الفصل 33 من ق م م يوجب على من أراد أن يرافع نيابة عن الغير أن تكون له رابطة القرابة أو أن يكون زوجا أو صهرا أو من أحد الأصول أو الفروع أو الحواشي إلى الدرجة الثالثة بإدخال الغاية، فإنه استثناء من هذه المادة خول المشرع للجامعة الوطنية وجمعيات حماية المستهلك المعترف لها بصفة المنفعة العامة الترافع نيابة عن المستهلك المتضرر بموجب وكالة كتابية يمنحها المستهلك لها.

ومن خلال ما سبق يتضح أن المشرع المغربي حاول أن يضع نوعا من الانسجام بين ق م م كقانون إجرائي، الذي أوجب في فصله الأول ضرورة أن يتوفر المدعي بالنيابة على إذن بالتقاضي وإلا اعتبرت دعوات غير مقبولة إذا خول قانون 31.08 للجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة أن تطلب من المحكمة إيقاف التصرفات غير المشروعة أو حذف شرط غير مشروع أو تعسفي في العقد أو في نموذج العقد، إضافة إلى إقامة دعوى المطالبة بالتعويض أمام أي محكمة باسم المستهلكين.

وبما أن المشرع المغربي ألزم في الفصل 33 من ق م م على توفر موطن المخابرة، فإنه نص على نفس المقتضى في القانون 31.08 حيث نص في الفقرة الثالثة من المادة 159 على أنه "توجه الإشعارات والتبليغات التي تهم المستهلك إلى الجامعة الوطنية أو جمعية حماية المستهلك التي تقيم الدعوى نيابة عنه، وتكون صحيحة بتسليمها إليها مع احترام الآجال المقررة في القانون".

من خلال ما سبق يتضح على أن المشرع المغربي أراد حماية كاملة لحقوق المستهلك ورغبة في المزيد من الحماية سمح استثناء جمعيات حماية المستهلك غير المعترف لها بصفة المنفعة العامة أن تمثل المستهلك بصفة عامة والمقترض بصفة خاصة أمام القضاء حيث نص في الفقرة الثانية من المادة 157 من القانون 31.08 على غير أن جمعيات حماية المستهلك غير المعترف لها بصفة المنفعة العامة والتي يكون غرضها حصريا هو حماية المستهلك، لا يمكن أن تمارس الحقوق المخولة لها بمقتضى الفقرة الأولى أعلاه إلا بعد حصولها على إذن خاص بالتقاضي من الجهة المختصة وحسب الشروط التي يحددها نص تنظيمي".

ويلاحظ من خلال مقتضيات المادة 159 من قانون 31.08 أن المشرع المغربي أطر مجال حماية المستهلك على مستوى الدعوى المدنية والدعوى المدنية التابعة، حيث أعطى للتصرفات المضرة بالمستهلك طابع زجري، الذي من خلاله حاول ردع كل من سولت له نفسه الإضرار بالمستهلك.

المطلب الثاني: حقوق مستهلك القرض العقاري بعد إبرام العقد

نص المشرع المغربي على مجموعة من الحقوق بعد إبرام العقد في حالة الأداء المسبق للقرض (الفقرة الأولى) وفي حالة العجز عن الأداء (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: حالة الأداء المسبق للقرض

قبل صدور القانون 31.08 كان الأداء المسبق للقرض خاضعا لمقتضيات الفصل 866 من ق ل ع م الذي ينص على أنه: "لا يسوغ إجبار المقترض على رد ما هو ملزم به قبل الأجل المحدد بمقتضى العقد أو العرف، ويسوغ له رده قبل حلول الأجل ما لم يتنافى ذلك مع مصلحة المقرض".

وعلى الرغم من أن هذا المقتضى كان يعطي للمقترض الحق في رد مبلغ الدين بشكل مسبق، إلا أنه كان يقيد ذلك بشرط أساسي وهو عدم تعارض هذا الأداء مع مصلحة المقترض الأمر الذي كان يفرغ هذا الحق من مضمونه، على اعتبار أن المؤسسات المقرضة كانت تجد في مفهوم المصلحة الوارد في الفصل المذكور ذريعة لتقييد هذا الحق، حيث كانت تعتمد من الناحية العملية إلى تضمين عقد القرض شرطا يلزم المقترض في حالة تعجيله الوفاء بالدين بتعويض فاحش، أو تقوم بإدراج بند يمنع بصفة جازمة مثل هذا الأداء بعلة تعارضه مع مصالحها ومساسها بحقها في الحصول على نسبتها من الفوائد، ويلاحظ على أن الفصل 866 من ق ل ع م جاء أكثر مراعاة لمصالح المؤسسة البنكية دون الأخذ بعين الاعتبار حق المستهلك في الاستفادة من تحسن ظروفه المالية لتحرر من التزامه المترتب عن هذا العقد، الشيء الذي حاول تجاوزه المشرع في قانون حماية المستهلك من خلال إعادة الاعتبار المقترض وحمايته وتخويل له إمكانية الأداء المسبق كليا أو جزئيا في أي وقت وبدون شرط يكون من شأنه إعاقة تفعيل هذه المكنة.

حيث تنص الفقرة الأولى من المادة 132 من القانون 31.08 "على أنه يجوز للمقترض بمبادرة منه أن يقوم في أي وقت بالتسديد المبكر الكلي أو الجزئي أو بعض القروض الخاضعة لأحكام الفروع من 1 إلى 3 من هذا الباب ويمكن أن يمنع عقد القرض تسديدا يساوي أو يقل عن عشرة في المائة من مبلغ القرض الأولي ماعدا إذا تعلق الأمر بالمتبقى منه".

يتضح من خلال المادة 132 أن أحكام المادة تسري على القرض العقاري سوى هذه القروض.

وموجب هذا المقتضى يحق للمقرض أن يضمن عقد القرض العقاري بندا يحظر فيه على المستهلك المقترض تعجيل الوفاء بمبلغ يساوي أو يقل عن %10 من القيمة الأصلية للقرض، ولتوضيح هذا المعطى التشريعي نعطي المثال التالي: لو أن قيمة القرض الأولى كانت محددة مثلا في مبلغ 600000 درهم فإنه حسب المادة أعلاه لا يعتد بأي أداء جزئي مسبق يساوي أو يقل عن مبلغ 60000 درهم، إلا إذا كان هذا المبلغ هو المتبقى من الدين فإنه في هذه الحالة سيعد بمثابة أداء كلي ولن يخضع للقيد التشريعي المذكور.

ونصت الفقرة الثانية من المادة 132 من قانون 31.08 على أنه "إذا كان عقد القرض يتضمن شرطا يخول للمقرض، في حالة التسديد المبكر، الحق في المطالبة بتعويض عن الفوائد غير الحال أجلها، فإن هذا التعويض المحدد بنص تنظيمي لا يمكن أن يتجاوز ما يساوي %2 من رأس المال المتبقي، وذلك دون الإخلال بتطبيق أحكاكم الفقرة 3 من الفصل 264 من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود".

وقبل تحليل مقتضيات المادة 132 نشير إلى أنه قد ثار نقاش فقهي حول ما إذا كان حصول المقرض على التعويض في حالة أداء المقترض الدين بشكل مسبق مبررا من ناحيته القانونية؟ إلا أنه بالرجوع إلى المادة 132 يتضح أن المشرع قد حسم النقاش ونص صراحة على أنه يحق للمؤسسة البنكية الحصول على التعويض في حالة لجوء المقترض إلى التسديد المبكر، شريطة ألا يتجاوز ما يساوي %2 من رأس المال المتبقى إضافة إلى أنه سمح للقضاء في التدخل من أجل تعديل هذا التعويض في إطار السقف المحدد قانونا حيث نجد أن الفقرة 3 من الفصل 264 من ق ل ع م والتي تنص على انه "يمكن للمحكمة تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغا فيه أو الرفع من قيمته إذا كان زهيدا، ولها أيضا أن تخفض من التعويض المتفق عليه بنسبة النفع الذي عاد على الدائن من جراء التنفيذ الجزئي".

إلا أن التساؤل الذي يطرح حول مقتضيات الفصل 264 من ق ل ع م الذي أحالت عليه المادة 132 من قانون 31.08 هو نص صراحة على أنه لا يجوز تحاوز الحد الأقصى المتمثل في %2 من رأس المال المتبقي؟

حاول معظم شراح قانون الاستهلاك الفرنسي أن يجدوا تفسيرا لسبب إخضاع التعويض المستحق عن الأداء المسبق للمراقبة القضائية، فذهب البعض منهم إلى أن ذلك ربما يعود إلى تخوف المشرع من سوء تطبيق هذه النسب المحددة تنظيما أثناء تحديد التعويض، فأراد أن يترك هامشا لتدخل القضاء ليراقب مدى صحة تطبيقها.

أما التكييف القانوني الصحيح للشرط الذي يتضمن حق المقرض في التعويض حيث في هذا الصدد نشير إلى القرار الصادر عن محكمة النقض حيث رفضت اعتبار شرط التعويض شرطا جزائيا على أساس أن الفرق الموجود بين الشرط الجزائي والشرط المتعلق بالتعويض في حالة الأداء المسبق شاسع جدا، على اعتبار أن الأول يترتب في حالة إخلال المين بالتزامه العقدي في حين أن الثاني هو مجرد مقابل يستحق للمقرض نتيجة ممارسة المقترض لحقه في أداء دينه قبل الوقت المحدد له، كما نصت نفس المحكمة صراحة أنه "لا يعد شرطا جزئيا التعويض المحدد في الفقرة 2 من الفصل 2 ما مرسوم 1980 لأنه لا يهدف إلى تأمين تنفيذ التزامات المقترضين ولكنه يسعى، في حالة الأداء المسبق، إلى جعل المقابل الذي يجعل عليه المقرض يتحدد في مبلغ يطابق السعر الملائم للفوائد".

وتبقى الإشارة إلى أن المشرع في الفقرة الأخيرة من المادة 132 من القانون 31.08 نص على أنه "عندما يكون قرض مقترضا بأسعار فائدة تختلف حسب فترات التسديد، فإنه يمكن أن يضاف إلى التعويض المنصوص عليه في الفقرة السابقة المبلغ الذي يضمن المقرض، طوال المدة المنصرمة منذ البداية، الحصول على متوسط السعر المقرر عند منح القرض".

ويكون بذلك المشرع قد تجاوز الوضعية التي كانت في ظل قانون الالتزامات والعقود والتي تتطرق لوضع الفوائد عن الأقساط التي كانت مترتب للمقرض وكذلك كما إذا كان من الممكن إقران الأداء المسبق بجزاءات يفرضها المقرض على المقترض.

الفقرة الثانية: حالة العجز عن الأداء

يلتزم العمل المقترض شأنه شأن المؤسسة البنكية المانحة للقرض بمجموعة من الالتزامات العقدية، تتمثل بالأساس في رد مبلغ القرض وفقا للجدول الزمني المتفق عليه إضافة إلى الفائدة المترتبة عن أصل القرض، ويعد عقد القرض من العقود الطويلة الأمد فيلعب الزمن دورا مهما بالنسبة إليه، فقد يطرأ من الأحداث ما يؤثر على التنفيذ العادي للعقد مما يستدعي حماية المقترض حسن النية الذي توقف عن تنفيذ التزامه عن طريق وسيلة تسمى بالإمهال القضائي، فما المقصود به؟

يعرف الفقه مهلة المسيرة، بأنها "الأجل الممنوح من القضاء للمدين الذي يستحق دينه وأصبح خاضعا لملاحقة دائنه.

كما عرفه البعض الآخر بأنه "إعفاء المدين من الوفاء بالتزامه في الآجال المضروب للوفاء ومنحه أجلا جديدا آخر يسدد فيه الدين إن اقتضت ظروفه ذلك، ولم يلحق الدائن ضرر من جراء التأجيل".

وقد أطر المشرع المغربي هذا الحق في إطار الفصل 243 من ق ل ع الذي يعد الأساس القانوني لمهلة المسيرة، إذ جاء في الفقرة الثانية "ومع ذلك يسوغ للقضاء مراعاة منهم ... المدين، ومع استعمال هذه السلطة في نطاق ضيق، أن يمنحوه آجالا معتدلة للوفاء وأن يوقفوا إجراءات المطالبة مع إبقاء الأشياء حالها.

يتضح من خلال هذه الفقرة بأن المحكمة لها السلطة التقديرية لمنح المستهلك المقترض المعسر أجلا يستطيع أداء ما بذمته من التزام إلا أن المشرع المغربي قد قيد السلطة بمجموعة من الشروط الواردة في ذات الفصل وهي:

ـ أن يكون حسن النية وغير ميؤوس من قدرته على الاستدراك كأن يكون لع عقارات ويحتاج إلى وقت ليبيعها قصد الوفاء.

ولإثبات حسن نية المدين لمنحه مهلة المسيرة ذهب الفقه إل  أنه "يتبين من خلال المقترض الذي لم يثبت تقصيره مطلقا في عدم الوفاء بالتزامه أو حجره له بأي وجه من الوجوه.

ـ ضرورة منح مهلة المسيرة في نطاق ضيق ومراعاة مركز المدين: ويقصد بذلك أن المحكمة لا يمكنها أن تمنح مهلة للمدين إلا إذا كانت ظروفه أو مركزه ... يستدعي ذلك.

ـ ألا يكون هناك مانع قانوني هائم في مواجهة منح هذا الأجل للمدين.

وهو ما تبناه القضاء لإعطاء المدين أجلا استعطافيا حيث أكد على ذلك في الأمر الصادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بتارودانت الذي جاء فيه "وحيث أنه من الشروط الأساسية لمنح أجل استعطافي للمدين 1) إثبات حسن نية في الوفاء، 2) الصفة المؤقتة لضيقه المادي أو عجزه عن تنفيذ التزامه، 3) إثبات أن الأجل المطلوب سيمكنه من الوفاء بدينه أو بالتزامه في الوقت المحدد والمطلوب.

وينجم عن منح مهلة المسيرة إيقاف كل إجراء للمطالبة، يباشره الدائن، إلا أن هذا الإيقاف لا يمنع هذا الأخير من القيام بإجراءات تحفظية وهو ما يستشف من الفقرة الأخيرة من الفصل  243  من ق ل ع .

ومنه كان من الممكن أن يكون الإمهال القضائي من الوسائل الفعالة لحماية المقترض مما قد يصيبه من تغيرات مالية ولم ينص المشرع بصفة صريحة على أن هذه الرخصة لا يمكن إعمالها إلا في إطار ضيق، الأمر الذي يحد من فعاليتها.

ولمن الاهمية البارزة لهذا الاجل في مجال القروض العقارية حث المشرع المغربي في اطار قانو

ن حماية المستهلك على التوسيع من نطاق هذه الصلاحية المخولة للقضاء ، حيث جاء في المادة 149 من هذا القانون ان ـ بالرغم من احكام الفقرة التانية من الفصل 243 من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 )  12 اغسطس 1913 ( بمثابة قانون للالتزامات والعقود ، يمكن ولا سيما في حالة الفصل عن العمل او حالة اجتماعية غير متوقعة ان يوقف تنفيذ التزامات المدين بامر من رئيس المحكمة المختصة ، ويمكن ان يقرر في الامر على ان المبالغ المستحة لا تترتب عليها فائدة طيلة مدة المهلة القضائية .

يجوز للقاضي ، علاوة على ذلك ان يحدد في الامر الصادر عنه كيفيات اداء المبالغ المستحقة عند انتهاء اجل وقف التنفيد ، دون ان تتجاوز الدفعة الاخيرة الاجل الاصلي المقرر لتسديد القرض باكثر من سنتين غير ان له ان يؤجل البث في كيفيات التسديد المدكورة الى حين انتهاء اجل وقف التنفيد .












خاتمة 

من  خلال دراستنا لهذا الموضوع يظهر لنا أن الكيفية التي تدخل بها المشرع المغربي  لضمان حقوق المستهلك كانت موفقة ، فبسنه لقانون حماية المستهلك رقم 31.08 قد وفر ضمانات قوية تحمي المقترض في علاقته مع المؤسسة المقرضة قبل مرحلة التعاقد وحتى أثناء التنفيذ وبعده بعدما  كانت هذه الحماية قاصرة طبقا للقواعد العامة المسطرة في قانون الالتزامات والعقود على مرحلتي التنفيد وما بعد التنفيذ .

والى جانب ماسبق فقد وفر المشرع للمقترض الحماية من الشروط التعسفية وذلك من خلال جعل هذا الشرط في حالة وروده في عقد القرض باطلا منعدم الأثر  مع بقاء العقد صحيحا ،  ومنح القضاء سلطة واسعة في تعديل بنود العقد وإبطال الشرط التعسفي .

هذه الضمانات وغيرها ، فعلا قد جعلت المقترض في حماية من  انتهاك حقوقه ، إلا انه لا يمكن الجزم بفعاليتها  ذلك ان قانون حماية المستهلك لا يخلو من العيوب والنقائص وذلك على عدة مستويات  من قبيل : 

  • إحالة القانون رقم 08-31 بكثرة على النصوص التنظيمية التي تأخرت في الخروج إلى حيز الوجود .

  • غياب التنصيص على لغة إشهار القرض العقاري، ولغة العرض المسبق.

  • غياب التنصيص على الجزاءات المدنية المترتبة عن الإخلال بالالتزام بالإعلام .

وعليه سنحاول اقتراح بعض التوصيات :

  • التنصيص بشكل صريح على اعتماد اللغة العربية خلال المرحلة قبل  التعاقدية  نظرا لخطورة اللغة الأجنبية على إرادة المتعاقد ومصير العقد.

  •  التنصيص على جزاءات مدنية في حالة إخلال البنك المقرض بالالتزامات الملقاة على عاتقه.

  • تفعيل مهلة الميسرة أو ما يسمى بالإمهال القضائي ومراجعتها بالشكل الذي يمكن القضاء من تيسير الأداء للمقترضين من اجل الاستهلاك خاصة حسني النية منهم.

  •  تنظيم القانون رقم 08-31 بعض العقود التي يشملها المفهوم الواسع للقرض العقاري مثل ” المرابحة” وعقد “إجارة واقتناء”.

  • وضع آليات تسهل للمستهلك المقترض ولوج القضاء في مواجهة المؤسسات البنكية.

















لائحة المراجع


الكتب


  • عبد الرزاق احمد السنهوري ،الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثالث.

  • محمد جنكل، المسؤولية البنكية  على ضوء القانون المتعلق بتدابير حماية المستهلك، دراسة مقارنة بين التشريع المغربي  والعمل القضائي الحديث، مكتبة الرشاد ـ سطات ، الطبعة الأولى 2015

  • بوعبيد عباسي ، الالتزام بالإعلام في العقود ، دراسة في حماية المتعاقد و المستهلك ،المطبعة والوراقة الوطنية ابو عبيدة ـ مراكش ، الطبعة الأولى مايو 2008 


الرسائل الجامعية 


  • احمد ابران ،حماية المستهلك في ضوء القواعد العامة والخاصة ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في ـ قانون الأعمال ـ جامعة محمد الأول ـ وجدة ، السنة الجامعية 2000 

  • رشيد لمسياح ، حماية المستهلك وفق قانون رقم 31.08 ـ القرض العقاري نمودجا ـ رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون العقود والعقار ، جامعة محمد الأول ـ وجدة ، السنة الجامعية 2012ـ 2013 

  • هناء الشارفي ، حماية المقترض في عقد القرض العقاري  ، رسالة لنيل دبلوم الماستر ، تخصص عقود وعقار ، جامعة محمد الأول ـ وجدة ، السنة الجامعية 2014 ـ 2015

  • سمية كريم ،مظاهر حماية المستهلك في القروض السكنية ،رسالة لنيل دبلوم الماستر ، تخصص عقود وعقار ، جامعة محمد الأول ـ وجدة ، السنة الجامعية2011 ـ 2012 

  • حكيمة بن مشيش، حماية المستهلك بالمغرب بين القواعد العامة والمستجدات ، دبلوم الماستر في القانون ، تخصص الاستشارة القانونية ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ـ سلا ، السنة الجامعية 2011 ـ2012 

  • إبراهيم وجعيدان ، حماية المستهلك في القروض العقارية ، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ،وحدة قانون الأعمال والمقاولات ، جامعة محمد الخامس ـ السويسي ، السنة الجامعية 2010 

  • جان رضوان وقسو يوسف، حماية المستهلك من الشروط التعسفية بين قانون حماية المستهلك و ق.ل.ع، رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون المنازعات، جامعة مولاي اسماعيل ، مكناس.


المجلات 


  • مجلة القضاء التجاري ، عدد مزوج 7ـ 8 السنة الرابعة 2016 

  • المجلة المغربية للاقتصاد والقانون ، العدد الرابع ، دجنبر 2001 

  • المجلة المغربية للقانون الاقتصادي ، عدد مزدوج 5 ـ 6 ، السنة 2013

  • مجلة طنجيس ، العدد 6 ، السنة 2007

  • مجلة  القضاء المدني ، سلسلة دراسات وابحاث ، العدد 4 السنة 2014 

  • مجلة رحاب المحاكم، العدد الثاني، شتنبر 2009 .

  • المجلة المغربية للقانون الاقتصادي ، العدد الثالث ابريل 2010 .

  • مجلة مغرس الإلكترونية، تاريخ الزيارة 22/05/2017. 

 







الفهرس

مقدمة    2

المبحث الأول: حقوق المستهلك في عقد القرض العقاري قبل التعاقد    5

المطلب الأول: حق المقترض في الإعلام والحق في الحماية من الإشهار الكاذب    5

الفقرة الأولى: الحق في الإعلام    5

الفقرة الثانية: الحق في الحماية من الإشهار الكاذب    8

المطلب الثاني: الغرض المسبق والحق في مهلة التفكير    12

الفقرة الأولى: الحق في العرض المسبق    13

الفقرة الثانية: الحق في مهلة التفكير والتراجع    14

المبحث الثاني: حقوق مستهلك القرض العقاري أثناء التعاقد وبعده    16

المطلب الأول: حقوق المستهلك القرض العقاري أثناء إبرام العقد    16

الفقرة الأولى: الحق في الحماية من الشروط التعسفية    16

الفقرة الثانية: الحق في التمثلية    20

المطلب الثاني: حقوق مستهلك القرض العقاري بعد إبرام العقد    23

الفقرة الأولى: حالة الأداء المسبق للقرض    23

الفقرة الثانية: حالة العجز عن الأداء    27

خاتمة    30

لائحة المراجع    32

الفهرس    34


إنجاز الطلبة

 أمينة نينس حفيظة بلمدني فيروز البوخاري رجاء الصغير ابتسام طوارب



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-