مفهوم المنفعة العامة

 

مفهوم المنفعة العامة

 

 

مفهوم المنفعة العامة

مـــــــــــقدمة:

 باسم المنفعة العامة تأتي مسطرة نزع الملكية ، و هي من أخطر الإجراءات التي يتعرض لها المالكون من المواطنين لكونها تصيب حق الملكية الذي يعد من أقدس الحقوق المقررة للأفراد. فقد جاء في المادة 17 من التصريح العالمي لحقوق الإنسان و المواطن الصادر سنة 1789 على أن “حق الملكية مقدس و لا يمكن أن يحرم أي أحد منه إلا إذا فرضت ذلك قطعا الضرورة العامة و شرط تعويض عادل مسبق” ، كما أن الدستور المغربي الجديد كرس نفس القاعدة من خلال الفصل 35 ، عندما أكد على أن القانون يضمن حق الملكية ، و للقانون وحده الحد من نطاقها و ممارستها ، إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية  و الاجتماعية للبلاد ، و لا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات و وفق الإجراءات التي ينص عليها القانون . و قد سارت في هذا الاتجاه مدونة الحقوق العينية من خلال المادة 23من قانون رقم 39.08. 

يلاحظ إذن أن المشرع المغربي أحاط حق الملكية الخاصة بصيانته و صانها بالارتفاع بها إلى النص عليه في الدستور، و بالتالي لا تنزع إلا للمنفعة العامة و مقابل تعويض عادل وفقا للقانون. 

فمسطرة نزع الملكية، يجب أن تهدف في جميع الحالات إلى القيام بأشغال و أعمال تكتسي صيغة المنفعة العامة. و قد تفادت التشريعات تحديد مفهوم المنفعة العامة معتبرة ذلك من اختصاص الفقه و القضاء.

و يعد القانون المدني الفرنسي الصادر سنة 1804 أقدم نص استعمل هذا المفهوم بهذه الصيغة، و إن كانت الشريعة الإسلامية قد عرفته بصيغ متشابهة مثل صالح الأمة و المصلحة العامة و مصلحة الجماعة. 

و المشرع المغربي بدوره لم يخرج عن هذا النهج . إذا فنزع الملكية للمنفعة العامة إجراء من شأنه حرمان مالك عقار معين من ملكه جبرا لتخصيصه  للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل فهو وسيلة جبرية تسمح للدولة استعمال سلطتها لكي يتخلى شخص عام أو خاص ملكية عقار أو حق عيني عقاري لفائدة شخص عام أو خاص.

وواضح من هذا التعريف  ما تنطوي عليه السلطة الإدارية من مس بالملكية الفردية لذلك فان المشرع المغربي لم يسمح بها إلا بهدف تحقيق المصلحة العامة, ووفق الإجراءات القانونية المحددة لذلك , فان خرج عن هذا الهدف كان الإجراء فاسدا يستوجب الإلغاء.

عموما يمكن القول بأن مفهوم المنفعة العامة مفهوم مطاط و متجدد يساير تطور المجتمعات و الحضارات.و للوقوف على هذه الحقيقة آثرنا تتبع المراحل التي مر بها تطور مضمون المنفعة العامة في التشريع المغربي و إشكاليات التي يطرحها هذا المفهوم ،قبل أن نقوم برصد رقابة القضاء على توفر شرط المنفعة العامة في مشاريع نزع الملكية المرتبطة بها. 

من خلال هذه الأهمية يمكن طرح الإشكالية الآتية: 

إلي أي حد تطور مضمون المنفعة العامة في التشريع المغربي و ما هي إشكاليات هذا المفهوم ؟و ما هو دور القضاء في رقابة على شرط المنفعة العامة من مشاريع نزع الملكية؟ 

و انطلاقا من الإشكالية السالفة الذكر نعلن عن التصميم التالي:    

المطلب الأول : تطور مضمون المنفعة العامة و اشكالياتها.

الفقرة الأولى:تطور مضمون المنفعة العامة في التشريع المغربي

الفقرة الثانية:إشكال مفهوم المنفعة العامة

 المطلب الثاني  : الرقابة القضائية على شرط المنفعة العامة. 

الفقرة الأولى : الرقابة التقليدية على شرط المنفعة العامة.

الفقرة الثانية : الرقابة القضائية من خلال نظرية الموازنة.

المطلب الأول : تطور مضمون المنفعة العامة و اشكالياتها.

إذا كانت المنفعة العامة هي العماد و المقوم الأساسي لنزع الملكية الخاصة ، فان هذا المفهوم يتميز بعدم الدقة و التحديد نظرا لقابليته للتغيير المستمر بهدف مواكبة تطور المجتمع ، و تغير العناصر و الظروف السوسيو اقتصادية الفاعلة فيه .لهذا سنحاول من خلال هذا المطلب تبيان تطور مضمون المنفعة العامة (الفقرة الأولى) ، و إشكال هذا المفهوم (الفقرة الثانية).

 الفقرة الأولى: تطور مضمون المنفعة العامة في التشريع المغربي

من خلال تتبع المسيرة التشريعية لنزع الملكية من أجل المنفعة العامة في المغرب، يتبين لنا أن مفهوم المنفعة العامة عرف تغييرا مواكبا لتطور المجتمع المغربي ، و بالأخص تطور تدخل الدولة في جميع النواحي المناطة بالمجتمع. هذا التطور الذي استند على مبرر شرعي الذي ترتكز عليه نزع الملكية و المتمثل في المنفعة العامة التي تسعى إلى تحقيقها.و لهذا سنحاول التمييز بين مرحلتين أساسيتين مر بهما تطور مفهوم المنفعة العامة المبررة لنزع الملكية في المغرب(ما قبل الاستقلال و ما بعد الاستقلال) .

  1. المرحلة الأولى: تميزت مجال المنفعة العامة بالضيق تم حصرها في اتجاه محدود، لعل ذلك راجع إلى محاولة سلطات الحماية من استغلال هذا المفهوم خدمة لمطامعها، فقبل 1912،لم يكن نزع الملكية إلا في الحالتين: بناء أو توسيع طريق و بناء أو توسيع مسجد،و هو رأي فتاوى العلماء المغاربة الذين تمت استشارتهم من قبل السلطان عقب إبرام اتفاقية الجزيرة الخضراء، هذه النتيجة لم تكن وليدة الوقت الراهن، بل اتفق فقهاء الشريعة الإسلامية القدامى على قبول مبدأ نزع الملكية من أصل تحقيق مصلحة عامة كتوسعة مسجد أو شق الطرق إلى غير ذلك من المصالح العامة. 

ثم جاء ظهير 1914بعدم تحديد أو تعريف لمفهوم المنفعة، وان كان قد حاول جرد أمثلة عديدة للمشاريع و الأشغال التي تفترض فيها المنفعة، (كإحداث الطرق و السكك الحديدية و بناء الموانئ و المطارات العمليات الحضرية, الأشغال العسكرية أو ذات المصلحة العسكرية) ، تاركا الباب مفتوحا أمام السلطة النازعة لإضفاء المنفعة العامة على مشاريع التي تنوي نزع الملكية من أجلها, و هو نفس الشيء الذي سار عليه ظهير 1951الذي احتفظ بجوهر الفصل السابق الإشارة إليه.

إذا ،النماذج السابقة الذكر تبين لنا أنها استهدفت إنشاء أو تأسيس نوع من الدومين العام أو بناء المنشات العامة .

  1. أما على مستوى المرحلة الثانية: ما بعد الاستقلال هذه المرحلة التي شهد فيها المغرب موجة البناء و التشييد و إصلاح ما خلفه المستعمر في جميع المجالات من أجل بناء المغرب الحديث أو مغرب الاستقلال. كل هذا أدى إلى تغيير أو توسيع لمضمون مفهوم المنفعة العامة ، الذي يمكن أن نستشفه على مستويين:

أولا : تعدد المساطر  التي عرفها المغرب، قبل قانون 817 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة، و بالتالي تعدد الأهداف المحدد لكل منها، وأيضا توسيع و تنويع الأهداف الشرعية لهذه المسطرة .

ثانيا: عدم تعريف المشرع المغربي للمنفعة العامة في مجال نزع الملكية، ربما من أجل الحفاظ على قاعدة عدم تحديد إطار المنفعة العامة الذي يبقى شاسعا و مطاطا، يتباين من حقبة إلى أخرى متخذا تطور الوظيفة الاجتماعية و الاقتصادية للدولة أساس للتغيير. وهذا ما تم الأخد به في ظهير 1982،الذي اقتصر على التأكيد في الفصل الأول “إن نزع ملكية العقارات كلا أو بعضا أو ملكية الحقوق العينية العقارية لا يجوز الحكم به إلا إذا أعلنت المنفعة العامة.”و بالتالي ترك للسلطة المعنية باب مفتوح لإضفاء صبغة المنفعة العامة على مشروع ما أو تجريده، دون تحديد لائحة معينة للأشغال التي تتصف بالمنفعة العامة.

إقرأ أيضا :  مسطرة الحصول على رخصة البناء

إذا، هذا المفهوم غير محدد و عام وواسع قد يتجه إلى الاختلاط بمفهوم المصلحة الاجتماعية، و بالتالي تصبح المنفعة العامة ليست بالضرورة مرتبطة بالدومين العام. و هنا يطرح التساؤل حول ما إذا كان تجهيز الأراضي للأغراض السكنية أو تشييد محلات السكن يعد من المنفعة العامة التي تبرر نزع ملكية الأفراد.

و اعتبر أ. اجعون أن مادام قانون 817 لم يحصر الأشغال و العمليات التي تعد من المنفعة، يمكن القول أن هذا الأخير لم يستثني لا صراحة و لا ضمنا المشاريع السكنية على اختلاف أنواعها من صبغة المنفعة العامة.

 فتوفير السكن من أهم مقومات المصلحة الاجتماعية و لما يتضمنه من استقرار و أمن اجتماعي ، يجعله لا يقل أهمية عن باقي المرافق الأخرى،التي تقوم بها الدولة . إلا أن العيب الذي يعتري هذا النطاق يكمن في تطبيق و استعمال هذه الوسيلة لأغراض و أهداف تتنافى و الهدف المعلن صراحة، إذا غالبا ما يكتنف تطبيق مسطرة نزع الملكية من طرف وزارة الإسكان أو من طرف باقي الهيئات الخاضعة لوصايتها ، مجموعة من الانحرافات تفرغ المنفعة العامة المعلن عنها من جميع محتواها ، كالحالات التي يكون فيها الهدف الحقيقي المضاربة ، أو يكون الغرض المعلن عنها شيء و تنفيذ شيء آخر. إذ يتم تغيير المنفعة العامة من نزع ملكية الأفراد، إذ أي منفعة عامة تقدم عليها الوكالة الوطنية لمحاربة السكن غير اللائق بنزع ملكية الأفراد و تجهيزها لقطع مخصصة لبناء الفيلات تم بيعها بأسعار باهظة. إذا فالهدف هنا يقتصر علي هدف مالي ينشد الربح و لو عن طريق المضاربة. ولا يمت بصلة المنفعة العامة . إذ الأجدى أن يقتصر على توفير السكن لذوي الدخل المحدود، و أن يكون اللجوء إلى نزع الملكية استثناء و ليس قاعدة.

 كما لا بد الإشارة، إلا أن الفصل السادس من قانون 817 من قانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، و بالنص على أنه يمكن أن تشمل المنطقة المحددة في مقر إعلان المنفعة العامة، بالإضافة إلى العقارات اللازمة لانجاز المنشآت أو العمليات المعلن أنها ذات منفعة العامة على الجزء الباقي من هذه العقارات، و على العقارات المجاورة لها إذ تبين أن نزع ملكيتهما ضروري لتحقيق المنفعة العامة المنشودة، أو إذا كان انجاز الأشغال يؤدي إلى زيادة ملحوظة في قيمة العقارات المذكورة. و من الاجتهادات القضائية التي اخذ بها المجلس الأعلى محكمة النقض حاليا في التفسير الواسع لمفهوم المنفعة العامة قراره الصادر بتاريخ 4 ابريل 1991 وجاء فيه ما يلي: “لكن حيث أن المنفعة العامة التي تنزع الملكية من أجل تحقيقها ليست محصورة فيما سرده الطاعن, فهو نفسه أشار في أخر الوسيلة إلى ما يفيد أن هناك أسباب أخرى من بينها إنشاء حي صناعي كما في النازلة إذ من شأن إحداثه أن يوفر للمنطقة إنعاشا صناعيا و تجاريا كما يؤدي إلى تشغيل اليد العاملة كما من شأنه أن يساعد على إبقاء الأحياء السكنية  بعيدة عن كل تلوث بيئي و بالتالي توفير الراحة و الهدوء والسكن فالوسيلة على غير أساس.” 

إن مفهوم المنفعة العامة، لم يعد يعرف قيودا معينة محددة أمام تداخل عدة عوامل منها التطور الذي تعرفه مختلف المجتمعات الذي أفرزت حاجيات تتطلبها حياة سكنية كلا أو جزءا، و الدور الذي أصبح يلعبه الخواص في التنمية سواء على مستوى الاقتصادي أو الصناعي … .

 هذا هو ما يبرر للمشرع المغربي على مر الحقب و رغم تعاقب النصوص المختلفة المنظمة لنزع الملكية من أجل المنفعة العامة عدم وضع تعريف محدد للمنفعة العامة، باعتبار هذه الأخيرة، هي مفهوم شامل يحتوى التغيير و التطور، و قد تدرج المشرع في تحديده لإطار المنفعة العامة على الاقتصار على الحالتين إلى إعطاء نماذج على سبيل المثال ووصولا إلى استعمال صياغة عامة وواسعة.و هو ما أخد به أيضا القضاء الإداري بعدم تعرضه لتعريف المنفعة العامة مقتديا في ذلك نهج القضاء الإداري الفرنسي الذي لم يسبق له بدوره أن عرف هذه الفكرة من منطلق أنها تتحدد من عناصر كل قضية على حدة.    

 الفقرة الثانية: إشكال مفهوم المنفعة العامة

    يعاني قانون نزع الملكية بالمغرب من مشكل أساسي و مهم، يتجلى في الغموض ألمفاهيمي، و ينتج عن هذا المشكل تأويل لنص القانوني، خاصة في عدم تعريف و تحديد مفهوم المنفعة العامة، باعتبارها الغطاء شرعي لأعمال الإدارة في ما يخص نزع الملكية. هذا المفهوم الذي يطرح إشكالا من ناحية تفسير العمل الذي تقوم به الدولة على أنه منفعة عامة.

   و عند قراءتنا لقانون نزع الملكية من أجل المنفعة العامة و الاحتلال المؤقت، و بالخصوص الفصل الثاني منه الذي جاء فيه:” يتم نزع الملكية لأجل المنفعة العامة بحكم قضائي.” و نستشف من خلال هذا الفصل أننا لم نجد أي تعريف أو تحديد لمفهوم المنفعة العامة من قبل المشرع،  ربما عمد ذلك لترك تعريف المفاهيم للفقه و القضاء، مخافة إعطاء تعريف جامد قد يصبح متجاوزا بعد فترة وجيزة من إصدار القانون و يضطر إلى التدخل من أجل ذلك لتصحيح المفهوم.

    لكن في المقابل أعطى بعض العمليات التي يمكن اعتبارها تكتسي المنفعة العامة، من خلال ظهيري 1914 و1915 المتعلقين بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة كإحداث الموانئ و المطارات و الطرق و السكك الحديدية… ، إلا انه من خلال قانون رقم 7.81 الجاري به العمل ، اقتصر على أن قيام نزع الملكية لا يجوز الحكم به إلا إذا أعلنت المنفعة العامة ، كما جاء على مستوى القضاء المغربي في قرار لمحكمة النقض الغرفة الإدارية جاء فيه :” حيث أن إنشاء مأرب في العقار المنزعة ملكيته لاستعماله مستودع لناقلات الجماعة يكون المنفعة العامة التي يتطلبها القانون لتبرير نزع الملكية، فان القرار المطلوب إلغاؤه لا يشوبه أي شطط و لا إساءة استعماله”

كما هو معلوم و كما درسنا, بأن التمييز بين القانون العام و الخاص يتجلى في خاصية المصلحة العامة, و كذا خاصية الدولة باعتبارها ذات سيادة و سلطان، و بذلك فالقانون العام – قانون الدولة – 

السلطة في إطار المصلحة العامة, لكن الإشكال يكمن في تفسير مصلحة العامة تفسيرا سيئا و غير قانوني من أجل تنفيذ المصلحة الخاصة للإدارة،فكثيرا ما تم إهدار الحقوق الخاصة و حرية الموطنين بدعوى المصلحة العامة. ان المصلحة العامة مفهوم واسع و غامض يقبل أي تفسير ، و بهذا الإتباع  لا يمكن أن يرتب نتائج قانونية مضبوطة ، لا سيما و انه يزداد بازدياد دور الدولة ، و هذا الغموض هو السبب الرئيسي الذي يفسر كون هذه الفكرة ميدانا خصبا لاستعمال السلطة التقديرية فقد اعتبر الفقه بأن غموض هذه الفكرة هي من مصلحة الإدارة و أن المصلحة العامة وسيلة للهروب من احترام القانون.  

    هذه الطريقة الجبرية في اكتساب الأملاك العمومية من خلال تقنيات و وسائل تستعمل لمواجهة الملكية الخاصة التي تتمثل في نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، التي تعد اعتداءا قانونيا على حق الملكية بل تعديا على هذا الحق , فان المنطق القانوني يفرض ضرورة إعطاء مقابل لمنزوعي الملكية الضائعة ، و عن الامتيازات التي كانت تخولها , فإعطاء تعويض لمنزوعي الملكية يشكل أهم الضمانات المخولة للملكية الخاصة و يشكل مقابل عن المساس و التعدي على هذا الحق ، و عادة ما يكون رقابة هذا التعويض للقضاء أيا كانت وسيلة تقديره.

إقرأ أيضا :  دور كتابة الضبط في القضايا العقارية

و كما هو معلوم فان من بين شروط نزع الملكية أن يكون مناط هذه الأخيرة المنفعة العامة التي تدور معها وجودا أو عدما ، و على هذا الأساس فان من يبثث له حق نزع الملكية يتعين عليه قبل سلوك هذه المسطرة اتخاذ مقرر في الموضوع عليه في المقام الأول و التأكد بأن المشروع الذي ترغب في انجازه يستجيب لمعيار المنفعة العامة، و إلا تعرض مقررها المتجسد في شكل مرسوم إلى النقض بسبب الشطط في استعمال السلطة و لذلك نص الفصل 6 من قانون 7.81 المتعلق بنزع الملكية على انه يخول نزع الملكية إلى الدولة أو الجماعات المحلية… للقيام بأشغال أو عمليات معلنة أنها ذات منفعة عمومية. غير أن نزع الملكية واسع النطاق و متطور و يصعب ضبطه و تحديده نتيجة لتطور مفهوم الدولة الحديث بحيث أصبحت تتدخل في كل مجالات الحياة الاقتصادية و الاجتماعية بهدف تطوير المجتمع و رفاهيته.

إذا فالغاية من نزع الملكية تحقيق المنفعة العامة. و هو إجراء غير جائز قانونا، ما لم يكن الغرض منه المنفعة العامة أو ضرورة صحية، عسكرية، اقتصادية، أو لمصلحة الفنون. فدولة لها أن تقدر بكل حرية العقارات التي تراها مناسبة لتحقيق المصلحة العامة.و ليس للمالك الحق في منازعتها في ذلك، فاختيار العقار أمر تقديري من شؤون الإدارة و المحكمة ليس لها التعقيب عليه من الوجهة الموضوعية مادام أن قرار نزع الملكية خال من كل شطط في استعمال السلطة . و السلطة التقديرية المخولة  للدولة محدودة بقيد المنفعة العامة . فادعاء صاحب العقار المنزوع عدم توفر المصلحة العامة كان للعدالة الحسم في الأمر.      

المطلب الثاني : الرقابة القضائية على شرط المنفعة العامة

بعد أن حاولنا التطرق في المطلب الأول لمفهوم المنفعة العامة و الإشكالات التي يطرحها عدم إيجاد تعريف دقيق له, سنحاول أن نبرز كيفية مساهمة الرقابة القضائية على شرط المنفعة العامة في إبراز أهم تجلياتها من خلال فقرتين, نتناول في الأولى الرقابة التقليدية على شرط المنفعة العامة, لنتطرق في الفقرة الثانية للرقابة القضائية على شرط المنفعة العامة من خلال نظرية الموازنة.

الفقرة الأولى : الرقابة التقليدية على شرط المنفعة العامة

إذا كانت الشريعات القديمة منها و الحديثة قد علقت نزع الملكية على تحقيق المنفعة العامة, فإنها تركت تحديد هذه المنفعة للإدارة و لم تقيدها بقيود محددة, فظل تقدير الإدارة في منأى عن الرقابة الفعلية من طرف القضاء.

ففي الفترة السابقة على الاتجاه الحديث, و في تقديره لشرط المنفعة العامة المبررة لنزع الملكية, وقف القضاء الإداري سواء في بلادنا أو في بعض الدول المقارنة( كفرنسا و مصر) عند فحص عيب انحراف السلطة رغم ما يكتنف إثباته من صعوبة فوصفت هذه الرقابة بالضيقة و الكلاسيكية.

فبالنسبة للقضاء الإداري الفرنسي ممثلا في مجلس الدولة, وفي تقييمه لشرط المنفعة العامة الذي تدعيه الإدارة عند إصدارها لقرار نزع الملكية مر بثلاث مراحل رئيسية هي :

في المرحلة الأولى, أقر بأن وجود المنفعة العامة المبررة لنزع الملكية يكون بمجرد توافر حالة من الحالات التي حددها المشرع و التي يجوز فيها نزع الملكية مثال ذلك القيام بأشغال عامة كإقامة الطرق أو الميادين العامة.

و في المرحلة الثانية, و موازاة مع توسيع المشرع الفرنسي لحالات نزع الملكية من أجل المنفعة العامة(حيث أجاز هذا الأخير نزع الملكية من أجل حماية الصحة العامة أو تحقيق أهداف إجتماعية أو رعاية الشباب أو من أجل تجميل المدن…), اتخذ القضاء اتجاها جديدا مؤداه الربط بين المرفق العام و المنفعة العامة. لكن مع تطور نظرية المرفق العام و ما عرفته من أزمة, خاصة بعد اتساع تدخل الدولة لم يعد معيار المرفق العام صالحا..

أما في المرحلة الثالثة, فقد قضى مجلس الدولة الفرنسي بأن شرط المنفعة العامة المبرر لنزع الملكية يتوافر كلما كانت هناك مصلحة عامة يستند إليها قرار نزع الملكية, فلم يعد من الضروري أن يستند هذا الأخير على نص صريح يقرر أن الهدف الذي يسعى القرار إلى تحقيقه يتوافر فيه شرط المنفعة العامة, و يستتبع ذلك متى توافرت المصلحة العامة في أحد المشروعات, فإن ذلك يضفي على القرار الصادر بنزع الملكية من أجل إقامة المشروع مشروعية تمتد لتشمل أيضا ملحقاته, بل إن قرار مجلس الدولة الفرنسي ذهب في هذا الميدان إلى حد اعتماد فكرة المصلحة العامة غير المباشرة.

و صفوة القول فإن المظهر التقليدي في رقابة المنفعة العامة هجرها القضاء الفرنسي منذ السبعينات من القرن الماضي, لاسيما من خلال قرار مجلس الدولة الفرنسي الشهير و المتعلق بالمدينة الشرقية الجديدة_والذي سنتكلم عليه بإسهاب في الفقرة الثانية أثناء تعرضنا لنظرية الموازنة.

أما بالنسبة لبلادنا, و من خلال استعراض اجتهادات المجلس الأعلى في الموضوع, اتضح أنه كان يمتنع بدوره في بداية الأمر عن مراقبة السلطة التقديرية للإدارة في إعلان المنفعة العامة مكتفيا بالتأكد من مادية الوقائع أي من وجود المشروع الذي اقتضت المنفعة العامة إنجازه و في أقصى الأحوال الوقوف عما إذا كان يشكل منفعة عامة(أي صحة هذه الوقائع) معلنا بذلك أن الإدارة تملك أن تقرر بمنتهى الحرية :

أولا المنفعة التي تبرر التجائها الى نزع الملكية فلا يمكن مناقشتها في طبيعة المنفعة العامة التي تخول لها حق نزع الملكية ما دامت هذه المنفعة تختلف باختلاف الظروف و الأحوال. فانحصرت رقابة المجلس الأعلى في البداية على التأكد من إعلان المنفعة العامة  و من اقتران نزع الملكية بها. و حتى في المراحل التالية التي حاول فيها بحث الدفوعات المتعلقة بمناقشة وجود منفعة عامة حقيقية, بقي دائما وفيا للإدارة معترفا لها بالسلطة التقديرية في اختيار المنفعة العامة التي تستند عليها في نزع ملكية الأفراد. و من الأحكام الصادرة في هذا الشأن ما يلي

القرار عدد176 بتاريخ 13يونيو1991ملف عدد 89/10394 ” و حيث أن فكرة إنشاء منطقة صناعية بمدينة مراكش, ليس الهدف منها مجرد تجريد الخواص بمن فيهم الطاعنون من أملاكهم, و لكن  استجلاب رؤوس أموال وطنية قصد القيام بصناعات حيوية تعود على مدينة مراكش بالازدهار مما يعني أن عنصر المصلحة العامة متوفر و أن المرسوم المطعون فيه لا يتسم بأي شطط في استعمال السلطة.”

و بالنظر لما أصبحت تشكله السلطة التقديرية للإدارة من سبيل للإنحراف في استعمال السلطة, بأن أصبحت سيفا  ذو حدين, فهي و إن كانت توفر للإدارة الفعالية على مستوى الحفاظ على النظام العام و تحقيق المصلحة العامة, فقد تحيد الإدارة في بعض الأحيان عن أهداف المصلحة العامة و تصدر قرارات لا تمت لها بصلة الأمر الذي يجعلها محل طعن بالإلغاء من قبل ذوي المصلحة, لتخضع لرقابة القاضي الإداري الذي يفحص مشروعية القرار و مدى استهدافه المصلحة العامة من عدمه.

الفقرة الثانية : الرقابة القضائية على شرط المنفعة العامة من خلال نظرية الموازنة

أمام اتساع نطاق السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة, كان على القضاء الإداري أن يعمل على الحد من احتمالات تعسفها في مجال نزع الملكية من أجل المنفعة العامة. في هذا السياق جاء إعلان مجلس الدولة الفرنسي عن ميلاد نظرية الموازنة أو التوازن بين المزايا و الأضرار المترتبة عن قرار نزع الملكية.

إقرأ أيضا :  الفرق بين مسطرة الايداع و مسطرة الخلاصة الاصلاحية

و مفاد هذه النظرية الجديدة أنه لتقدير شرعية مشروع أو عملية ما و اعتبارها من المنفعة العامة يتعين معرفة ما تحققه من مزايا و فوائد و الوقوف على ما ترتبه من أضرار و اعتداءات على الملكية الخاصة و ما تستلزمه من نفقات و تكاليف مالية مع الأخذ في الاعتبار الأضرار الاقتصادية و الاجتماعية للمشروع و إقامة موازنة بين هذه العناصر بحيث لا يمكن إقامة المشروع إذا جاءت الأضرار و الأعباء المترتبة عليه مفرطة بالنسبة للمزايا و المصلحة الملحة التي يحققها.

و تعتبر هذه النظرية كما سبق ذكره من ابتداع مجلس الدولة الفرنسي بمناسبة نظره في قضية المدينة الشرقية الجديدة لمدينة ليل الفرنسية, حيث أصدر قراره المؤرخ في 28 ماي 1971 الذي قضى فيه بأن المنفعة العامة في مشروع نزع الملكية تقدر من خلال الظروف المحيطة بكل مشروع على حدة.

و بالتالي ألغى المرسوم المعلن للمنفعة العامة و تتلخص وقائع هذه القضية في كون وزير التجهيز و الإسكان قرر نقل جامعة بكامل مرافقها من كليات و معاهد إلى شرق مدينة ليل مع إقامة حي جديد على رقعتها الترابية يتسع لحوالي25000 نسمة.لذا كان من اللازم نزع ملكية حوالي 500 هكتار بما يحتويه من 250 منزلا بعضها شيد حديثا بناء على تراخيص بالبناء لم يمض على استلام بعضها سنة واحدة,إلا أنه بعد اعتراض الساكنة و تدخل المجتمع المدني تم تقليص عدد المنازل المطلوب نزع ملكيتها إلى 88 منزلا عوضا عن 250 منزلا التي كانت مستهدفة في البداية, هذا الاجتهاد القضائي الذي سمي فيما بعد”بيان تكلفة الإيجابيات” تم تأكيده بقرار الشركة المدنيةSainte-Marie de l’assomption  الذي بمقتضاه أخذ مجلس الدولة الفرنسي بعين الاعتبار إلى جانب التكلفة المالية الآثار المترتبة على المصلحة العامة الأخرى ولاسيما حسن سير المؤسسات المكلفة بتدبير مصلحة عامة, و ترمي مثل هذه القرارات إلى توسيع مجال مراقبة القاضي الإداري لشرط المنفعة العامة في مجال نزع الملكية.

و يرى بعض الفقه أن المجلس الأعلى المغربي بدوره اعتنق الاتجاه الجديد للرقابة القضائية على شرط المنفعة العامة في قضايا نزع الملكية منذ صدور قراره الشهير في قضية الشركة العقارية ميموزا التي تتلخص وقائعها في أن هذه الشركة قامت بتهيئة قطعة أرضية في ملكيتها و حصلت على رخصة لإنجاز تجزئة سكنية أنجزت منها الشطر الأول و بدأت في إنجاز الشطر الثاني. إلا أنها فوجئت بصدور مرسوم يعلن أن المنفعة العامة تقتضي إنجاز مشروع التنمية الحضرية لمدينة القنيطرة المشتمل على تغيير هياكل مدن الصفيح ووضع التجهيزات الأساسية و الضرورية, و لما طعنت الشركة في هذا المرسوم أثارت النقط الآتية :

أنه قد رخص لها للقيام بنفس المشروع الذي تنوي الإدارة إنجازه في نفس المكان و فوق العقار.

إنجازها للشطر الأول من المشروع و إنفاقها أموالا طائلة دون أن تحرك الإدارة ساكنا

و انتهى المجلس الأعلى إلى إلغاء مرسوم إعلان المنفعة العامة ومما جاء في القرار ما يلي :” إذا كانت الإدارة تتوفر على السلطة في خصوص المنفعة العامة التي تسعى إلى تحقيقها من وراء نزع الملكية, فإن ذلك لا يمنع القضاء الإداري من مراقبة مضمون و أغراض المنفعة العامة المذكورة و ما إذا كان المنزوع ملكيته كما هو الحال في النازلة يسعى إلى تحقيق نفس الأغراض و الأهداف بموافقة الإدارة المسبقة لإنجاز هذا المشروع مما يعني أن الإدارة التي رخصت للطاعنة بتحقيق هذا المشروع و تركتها تحقق جزءا منه و تنفق مبالغ مالية هامة لا يمكنها أن تسعى الى نزع هذه الملكية للمنفعة العامة لتحقيق نفس الأغراض و إلا فإنها تكون مشتطة في استعمال سلطتها.”

و من خلال ما سبق يمكن القول أن القضاء الإداري المغربي و باستشعاره لتذرع الإدارة بالمصلحة العامة في كل مرسوم لنزع الملكية من أجل التستر على المضاربة التي أضحت تطغى على بعض تصرفاتها, فقد وسع من نطاق رقابته على شرط المنفعة العامة التي تدخل في إطار السلطة التقديرية للإدارة بأن قيدها بعدم التجاوز في استعمال السلطة تحت طائلة إلغاء القرار المشوب بهذا العيب.

خاتمة :

خلاصة القول أنه ليس هناك تعريف واضح لمفهوم المنفعة العامة, فالمشرع المغربي لم يعرف المنفعة العامة في مجال نزع الملكية, و إنما ترك هذا الاختصاص للفقه و القضاء, مخافة إعطاء تعريف جامد قد يصبح متجاوزا بعد فترة وجيزة من إصدار القانون, مما يستدعي التدخل لتصحيح المفهوم, و لعل هذا راجع إلى عدم إمكانية حصر المنفعة العامة في أعمال محددة, و هذا ما يحيلنا إلى القول أن مفهوم المنفعة العامة هو مفهوم نسبي , هذه النسبية هي التي تفتح المجال للإدارة لإعمال سلطتها التقديرية في هذا المجال و على أوسع نطاق,الشيء الذي قد يدفعها إلى الانحراف في استعمال سلطتها.

و يصح القول أن مبدأ الموازنة يبقى سلاحا مهما لحماية المشروعية و على القضاء الإداري أن يمارس من خلال وظيفته كقاضي للمشروعية دورا في الحد من السلطة التقديرية للإدارة للحيلولة دون تحولها إلى سلطة تعسفية, و هو بذلك لن يقف في طريق الإدارة و إنما سيقف في طريق انحرافها, فليس مقبولا في دولة قانونية التسليم بأن حرية الإدارة في التقدير هي حرية مطلقة لأنها دون ريب ستتحول إلى تسلط مطلق, و بذلك يجدر أن يكون تقدير الإدارة للمنفعة العامة التي تستند عليها في نزع ملكية الأفراد, مبنيا على تحقيق تظهر فيه عناصر التقدير ليكون للقضاء الإداري حق فحص جدية هذه العناصر.

المراجع:

  • احمد اجعون “تطور رقابة المجلس الأعلى على شرط المنفعة العامة في موضوع نزع الملكية “المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية .2001.

  • عبد الرحمان البكريوي –الوجيز في القانون الإداري المغربي الطبعة الأولى 1995.

  • د.كريم لحرش –القانون الإداري  المغربي- عدد مزدوج 14_15 سلسلة اللامركزية و الإدارية المحلية.مكتبة الرشاد سطات.

  • د.لعربي مياد “نزع الملكية لأجل المنفعة العامة على ضوء التشريع و أحكام الدستور “سلسلة إعلام وتبصير المستهلك 20.الطبعة الأولى 2014.

  • أ.محمد أزغاي ” سلطة الإدارة التقديرية”، رسالة لنيل دبلوم  الدراسات العليا شعبة القانون العام . عام 1984 جامعة محمد الخامس أكدال.

  • أ-كريم لحرش”القانون الإداري المغربي  ، الجزء الثاني نشاط الإدارة و امتيازاتها” الطبعة الثالثة مزيدة و منقحة مطبعة الأمنية الرباط.2014 .

  • حليمة الغازي- رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص حول موضوع “الإعتداء المادي و إشكالية نقل الملكية لفائدة الدولة على ضوء العمل القضائي”- جامعة محمد الخامس الرباط- أكتوبر 2011.

الفهرس

مـــــــــــقدمة:    1

المطلب الأول : تطور مضمون المنفعة العامة و اشكالياتها    4

الفقرة الأولى:تطور مضمون المنفعة العامة في التشريع المغربي.    4

الفقرة الثانية:إشكال مفهوم المنفعة العامة    9

المطلب الثاني : الرقابة القضائية على شرط المنفعة العامة    12

الفقرة الأولى : الرقابة التقليدية على شرط المنفعة العامة    12

الفقرة الثانية : الرقابة القضائية على شرط المنفعة العامة من خلال نظرية الموازنة    15

خاتمة :    19

المراجع:    20

الفهرس    21

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى