المسؤولية المدنية للمحافظ على الأملاك العقارية

محتويات المقال
1 مقدمة

 

المسؤولية المدنية للمحافظ على الأملاك العقارية

مقدمة

   يعد المحافظ على الأملاك العقارية الركيزة الأساسية في نظام التحفيظ العقاري، حيث أوكل له المشرع المغربي صلاحيات و اختصاصات هامة وواسعة طيلة إجراءات التحفيظ.

ولا يخفى أن ممارسة المحافظ للاختصاصات الموكولة إليه بناءا على ظهير التحفيظ العقاري المعدل و المتمم ب القانون 07.14 قد تعرف بعض الهفوات و التجاوزات التي من شأنها أن تضر بالحقوق و أن تؤثر على المراكز القانونية للمالكين.

والحقيقة أن مسؤولية المحافظ ذات طابع خاص وتجد هذه الخصوصية سندها في طبيعة وظيفة المحافظ الذي يعتبر موظفا خاضعا لنظام الأساسي للوظيفة العمومية هذا ما يجعل مسؤوليته تتجاذب تنظيمها كل من القواعد العامة المنظمة لمسؤولية الموظفين العموميين في قانون الالتزامات و العقود كذا ظهير التحفيظ العقاري و القرار الوزيري ل 4 يونيو1915  المتعلق بتنظيم مصلحة المحافظة العقارية إضافة للقرار الوزيري المؤرخ في 3 يونيو 1915 المتعلق بتفاصيل تطبيق النظام العقاري للتحفيظ و قانون المسطرة المدنية و القانون المحدث للمحاكم الإدارية .

فهذا التنظيم المتناثر يضفي نوعا من الخطورة على مسؤولية المحافظ نظرا لتشدد المشرع في إخضاع المحافظ لمسؤوليتين مختلفتين من حيث الأساس و الطبيعة، فالاولى مرفقية أو مصلحية إنطلاقا من طبيعته الوظيفية، و الثانية شخصية تجد أساسها في حالة وجود تدليس أو خطأ جسيم كما نظمتها القواعد العامة إضافة إلى بعض فصول ظ ت ع، هذا ما يدفع المحافظ إلى التفكير ألف مرة قبل القيام بإجراء يدخل ضمن صلاحياته خوفا من الآثار التي قد تطاله خصوصا تلك المترتبة في حالة خطأه الشخصي، مما يؤدي إلى البطء في إتخاذ قراراته إضافة إلى أن هذا التنظيم جاء ببعض المقتضيات من شأنها أن تضر بمصالح الطرف المضرور، خصوصا في ما يتعلق بآجال التقادم ودعوى الحلول، وكذا مبدأ الأثر التطهيري للرسم العقاري الذي لا يقبل الطعن، وهنا تكمن اهمية الموضوع ،وهذا ما يثير أمامنا إشكالية مفادها مدى توقف المشرع المغربي من خلال تنظيمه لأحكام مسؤولية المحافظ في خلق نوع من التوازن يضمن به حق المضرور ويلين به مسؤولية المحافظ ؟ 

هذه الإشكالية سنحاول الإجابة عليها من خلال التصميم الأتي:

المبحث الأول : مسؤولية المحافظ بين القواعد العامة وظهير التحفيظ العقاري

المبحث الثاني : الآثار المترتبة عن مسؤولية المحافظ و آليات تلطيفها

المبحث الأول : مسؤولية المحافظ بين القواعد العامة وظهير التحفيظ العقاري

سوف نحاول من خلال هذا المبحث تسليط الضوء على مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية من خلال القواعد العامة ( المطلب الأول)، ثم مسؤوليته وفق ظهير التحفيظ العقاري (المطلب الثاني).

المطلب الأول : مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية وفقا للقواعد العامة

إن مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية وفقا للقواعد العامة أن تكون شخصية أو مرفقية يؤطرها الفصل 79 و80 من ق.ل.ع وبالتالي سنتطرق في هذا المطلب لمسؤولية المحافظ المرفقية (الفقرة الأولى)، ثم مسؤوليته الشخصية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : المسؤولية المرفقية للمحافظ على الأملاك العقارية

إن الأساس القانوني للخطأ المرفقي هو الفصل 79 من ق.ل.ع والذي جاء فيه: “الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها”.

والفقه القانوني المغربي لم يعطي تعريفا للخطأ المصلحي، إلا أنه بالرجوع إلى النظريات الإدارية الفرنسية في هذا المجال، نجد الفقيه دولوبا دير استعمل عبارة أفضل وأكثر عمومية، وهي عبارة الخطأ الإداري الذي يمكن حسب رأيه أن يكون إما خطأ فرديا أي من فعل موظف معروف بذاته –وهو الخطأ المرفقي للموظف- وإما جماعيا وهو خطا المرفق العمومي.

كما أن القضاء المغربي أعطى تعريفا للخطأ المصلحي، حيث جاء في أحد قراراته بأن الخطأ المصلحي هو ذلك الخطأ الذي يصعب نسبته إلى إنسان، وإنما ينسب للمرفق ويخضع للقانون العام.

فاعتبارا لخطأ مرفقيا يجعل الدولة تتحمل جبرا لأضرار الناتجة عنه، على عكس الخطأ الشخصي الذي يكون فيه المحافظ مسؤولا مسؤولية شخصية عن أداء التعويض.

لذلك وجب التمييز في إطار الأخطاء التي يرتكبها المحافظ خلال مسطرة تحفيظ العقارات بين الأخطاء التي يجري تكييفها قانونا وقضاء على أنها أخطاء مرفقية تعتبر الإدارة مسؤولة عن تعويض الأضرار الناتجة عنها عن الأخطاء الشخصية التي تنتقل فيها المسؤولية إلى عاتق المحافظ ويجبر على إصلاح الأضرار من ذمته الشخصية.

ونظرا لتعدد واختلاف المعايير المعتمدة في تمييز الخطأ الشخصي عن الخطأ المرفقي، فإننا سنقتصر على أهم هذه المعايير التي اعتمدت في هذا الجانب من طرف الفقه والقضاء.

– معيار الفقيه لا فريير ومعيار النزوة الشخصية

ففي نظر الأستاذ لافريير فإن الخطأ يعتبر شخصيا إذا نتج الضرر عن تصرف شخصي مرتبط بنزوة الإنسان وبعدم استعمال البصيرة الإنسانية كالأخطاء الناتجة عن سوء النية أو عن مقاصد تحقيق منفعة أو مصلحة شخصية.

إلا أن هذا المعيار قد عرف مع ذلك انتقادا شديدا لم يصمد أمام الممارسة التي أثبتت عدم جدواه وعدم فعاليته من أجل إقامة تمييز دقيق بين الخطأ المرفقي الذي يستوجب إقرار مسؤوليته الإدارة والخطأ الشخصي الذي يستلزم إقرار مسؤولية المحافظ.

– معيار ليون دوغي أو معيار الغاية

واعتمد فيه على الغاية من السلوك أو التصرف الذي قام به الموظف، فإذا كان مقصد الموظف حين اتخاذ الإجراء أو التدبير الإداري ينصرف إلى تحقيق المصلحة العامة، فإن الخطأ يعتبر في هذه الحالة مرفقيا بغض النظر عن درجة جسامته أو خطورته، أما إذا كان المقصد من السلوك هو تحقيق مصلحة أو منفعة أو حاجة شخصية فغنه يعتبر حينئذ ذو طابع شخصي حتى ولو كان بسيطا.

إلا أن معيار الغاية أو المقصد بدوره لم يسلم من انتقادات من أهمها أنه يعتمد على نفس أسس ومبادئ معيار لافيير أي على نية الموظف ومقصده أثناء القيام بالعمل الإداري، وهي عناصر ذاتية نفسية يصعب التحقق منها في إثبات طبيعة الخطأ المرتكب.

– معيار جاستون جيير أو معيار جسامة الخطأ

ويعتبر الخطأ في إطار هذا التوجه شخصيا كلما كان جسيما ويتحمل المسؤولية عنه مرتكبة، أما إذا كان الخطأ غير جسيم، فإنه يكون نتيجة لذلك خطأ مرفقيا وتتحمل الإدارة المسؤولية عن تعويض الأضرار الناجمة عنه، فلا يعتبر الخطأ شخصيا نتيجة لذلك إلا إذا “ارتكبه الموظف عن سوء نية أو أن يكون الخطأ من قبيل الأخطاء الجسيمة التي يعاقب عليها القانون الجنائي أو أن يكون من الجسامة بحيث لا يمكن اعتباره من المخاطر العادية التي يتعرض لها الموظف في أداء عمله اليومي.

إن هذا المعيار بالرغم من بساطته وبالرغم من متانته، وإن كان يقيم تمييزا بين المسؤولية الشخصية القائمة على أساس الأخطاء الجسيمة وبين المسؤولية الإدارية القائمة على بساطة الخطأ، فإنه مع ذلك يدفع إلى صعوبة أخرى تتجلى في عدم دقة ووضوح الحدود بين الخطأ العادي والخطأ الجسيم.

وبالتالي يظهر لنا جليا صعوبة إقامة فصل دقيق بين الخطأ المرفقي والخطأ الشخصي، الأمر الذي يعود للسلطة التقديرية للقضاء في تحديد طبيعة الخطأ المرتكب من طرف المحافظ وتحديد طبيعة درجة خطورته وجسامته وبالتالي تحديد الطرف الذي يتحمل المسؤولية عن الأضرار الناتجة عنه، وذلك برسم كل قضية على حدة مع أخذ بعين الاعتبار لخصوصيتها وظروفها وملابستها.

الفقرة الثانية: المسؤولية الشخصية للمحافظ على الأملاك العقارية

تجدر الإشارة إلى أن مسؤولية المحافظ هي مسؤولية تقصيرية ولا يمكن أن تكون عقدية نظرا لعدم وجود أي التزام عقدي يبرر هذه الأخيرة، على اعتبار أن العلاقة بين زبناء المحافظة والمحافظ لا تستمد أساسها من التزام تعاقدي بل هي علاقة ينظمها القانون، وعليه يقوم المحافظ بواجبه المهني دون أن يستطيع الامتناع عن ذلك.

بالرجوع إلى الفصل 80  من ق.ل.ع يتضح أن المشرع المغربي اعتمد على معيارين اثنين لتحديد وجود الخطأ الشخصي وترتيب المسؤولية الشخصية للمحافظ على الأملاك العقارية وهما:

أ ـ معيار التدليس

بالرجوع إلى الفصل 80 من ق.ل.ع لتحديد ما المقصود بعبارة التدليس فهو كل تصرف يستلزم صدوره عن سوء نية وبقصد الإضرار بالغير من طرف المحافظ، إذ لا يشمل مفهوم التدليس المنصوص عليه في الفصل 80 قياسا على الفصل 64 من ظ.ت.ع  التدليس في ميدان التعاقد والمنصوص عليه في الفصل 52 من ق.ل.ع بل يؤخذ بمفهومه الواسع.

أي كل تصرف يستلزم صدوره عن سوء نية، وبقصد الإضرار بالغير من طرف المحافظ، كما يدخل في إطاره كل عمل يترتب عنه ضياع حق من جراء التحفيظ يعطي الحق للمتضرر في طلب التعويض عما لحقه من أضرار مادية على الخصوص أو معنوية إن ثبت أن لها وجها مقبولا قانونا.

وبالتالي فالتدليس يشمل كل التصرفات التي تستتبع توافر القصد الجرمي والمتمثل في سوء نية المحافظ إذا كانت هذه التصرفات صادرة أثناء أداء وظيفته.

ب ـ معيار الخطأ الجسيم

الخطأ الجسيم هو خطأ لا يقوم على أساس التدليس، ولكنه يتعدى من حيث خطورته الخطأ العمدي الذي يمكن توقع حدوثه من أي موظف، كأن يقوم المحافظ بإغفال اسم أحد طالبي التحفيظ حين اتخاذه لقرار تأسيس الرسم العقاري، على الرغم من أن الطلب يتعلق بحقوق مشاعة بين عدة أشخاص وردت أسماؤهم بمطلب التحفيظ والوثائق المؤيدة لمطلبهم.

وبالتالي فإن الخطأ الجسيم المرتكب من طرف المحافظ يعد خطا شخصيا يرتب مسؤوليته التقصيرية، وهذا ما أكده قرار لمحكمة النقض جاء فيه “وحيث أن المحكمة خلصت من دراستها لوثائق الملف عن صواب إلى أن المحافظ على الملكية العقارية بتمارة عندما أنشأ رسما عقاريا لمساحة تحمل أصلا رسما عقاري يكون قد ارتكب خطأ جسيما، إذ كان عليه أن يتحقق أولا من أن المساحة المعنية ليست موضوع رسم عقاري فلا يمكنه أن يخصص لعقار رسمي اثنين وبذلك يعتبر مسؤولا شخصيا عن القرار الناتج للمدعي الأصلي طبقا لمقتضيات الفصل 80 من ق.ل.ع”.

المطلب الثاني : مسؤولية المحافظ في إطار ظهير التحفيظ العقاري

سنحاول في هذا المطلب التطلرق لمسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية و الرهون المنظمة بمقتضى الفصلين 64 و 72 من ظ.ت.ع المعدل و المتمم بالقانون 14.07 ( الفقرة الأولى)، و الفصل 97 من نفس القانون ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : مسؤولية المحافظ في إطار الفصلين 64 و 72 من ظ.ت.ع

أولا : مسؤولية المحافظ في إطار الفصل 64

جاء في الفصل 64 من ظ.ت.ع المتمم والمعدل بقانون 14.07 “… يمكن للمتضررين في حالة التدليس فقط أن يقيموا على مرتكب التدليس دعوى شخصية بأداء التعويضات…”.

يلاحظ من خلال هذا الفصل أن مصطلح المدلس الذي ورد ضمن أحكام هذه الفصل ورد عاما ومطلقا بحيث قد يتصرف إلى المحافظ ذاته كما قد يتصرف إلى الغير المستفيد من مسطرة التحفيظ، حيث ذهب البعض إلى أن المقصود بالتدليس الوارد في الفصل 64 هو التدليس الذي يمارسه المستفيد من تأسيس الرسم العقاري والمنتفع من قرار المحافظ بتأسيس الرسم، ولا يمكن توسيعه ليشمل الإعفاءات والإهمالات والأخطاء التي يرتكبها المحافظ والتي يتحمل عنها المسؤولية بموجب الفصل 80 من ق.ل.ع، وهو ما أكده حكم عن إدارية وجدة “… مستخدمي الدولة والبلديات طبقا للفصل 80 من ق.ل.ع مسئولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم، وحيث لما كان المدعي يقاضي المحافظ على الأملاك العقارية بصفة شخصية باعتباره مسؤولا عن الضرر…”.

في حين يرى البعض أن التدليس المنصوص عليه في الفصل 64 من ظ.ت.ع المعدل والمتمم بالقانون 14.07 يشمل كل من المحافظ العقاري والمستفيد من تأسيس الرسم العقاري على حد سواء، ولا يقتصر على هذا الأخير على اعتبار أن الفصل جاء عاما ولم يميز بين المستفيد من التحفيظ والمحافظ.

في حين ذهب رأي آخر إلى أن الأمر يتطلب التمييز قبل مرحلة تعديل ظ.ت.ع بقانون 14.07 ومرحلة بعد التعديل، فقبل التعديل كان القانون يجيز للمتضرر من التدليس أن يقيم دعوى ضد الدولة عملا بأحكام الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع اللذان كان يحيل عليها الفصل 64، أما بعد التعديل الذي تحقق بموجب القانون 14.07 لم يعد الفصل 64 يترك المجال لمقاضاة الدولة من أجل الحصول على التعويض من جراء قرار التحفيظ الذي أضر بمصالح المتضرر، مما يفيد بالقول بأن التدليس المنظم بموجب أحكام الفصل 64 في صيغته الجديدة قد ورد بمفهوم عام يشمل كل الأفعال التدليسية الصادرة سواء من المحافظ أو حتى عن المستفيد.

وفي تقديرنا هذا الرأي الأخير هو الجدير بالتأييد ذلك أن المشرع لم يحدد في الفصل 64 المقصود بالشخص المدلس وهو ما يقضي بالقول إلى أن المعنى ينصرف إلى المستفيد من عملية التحفيظ كما إلى المحافظ على الأملاك العقارية.

وبالنسبة لدلالة التدليس الواردة في الفصل 64 من ظ.ت.ع المعدل والمتمم بقانون 14.07 فقد سبق أن تطرقنا لها في الفقرة الثانية من المطلب الأول، ونؤكد على أن التدليس لا يجب أن يفهم في نطاق الفصل 52 من ق.ل.ع كعيب من عيوب الإرادة وإنما يجب أن يفهم في مفهومه الواسع الذي يمتد بموجبه ليشمل كل تصرف صادر عن سوء نية من طرف المحافظ على الأملاك العقارية والرهون أو بقصد الإضرار بالغير أو الحصول على منفعة شخصية، كما يدخل في إطاره كل عمل ترتب عنه ضياع حق من جراء التحفيظ يعطي الحق للمتضرر في طلب التعويضات عما لحقه من أضرار مادية على الخصوص أو معنوية إذا ثبت أن لها وجها مقبولا قانونا، وفي هذا الإطار صدر قرار عن استئنافية الرباط جاء فيه “وحيث لئن كان مشرع الفصل 64 من ظ.ت.ع قد توخى التخفيف من حدة آثار مبدأ الصفة القطعية للرسم العقاري الذي قد ينطوي عليه إهدار لحقوق الغير من خلال تكريسه إمكانية إقامة دعوى شخصية بأداء تعويض في حالة التدليس وكان لهذا الأخير مدلول واسع في إطار هذه الدعوى، لا يشترط معه حسب ما استقر عليه العمل القضائي قيام المحافظ بوسائل احتيالية ملموسة بما يكفي أن يكون سيء النية بتحفيظ أرض ليست ملكا خالصا لطالب التحفيظ وهو أمر حققته مستندات الملف”.

وبالتالي فإن التدليس بهذا المفهوم الواسع يسأل عليه المحافظ على الأملاك العقارية مسؤولية شخصية يتحمل في إطارها أداء التعويض للمتضررين من قرار التحفيظ وقراره الذي اتخذه وأسس عليه الرسم العقاري حيث يؤدي التعويض من ذمته الخاصة.

ثانيا : مسؤولية المحافظ في إطار الفصل 72

جاء في الفصل 72 من ظ.ت.ع المعدل والمتمم بالقانون 14.07 “يتحقق المحافظ على الأملاك العقارية، تحت مسؤوليته، من هوية المفوت وأهليته وكذا من صحة الوثائق المدلى بها تأييدا للطلب شكلا وجوهرا”.

 من خلال هذا الفصل يتضح أن المحافظ على الأملاك العقارية يكون ملزما ب:

أ ـ مراقبة هوية وأهلية الأطراف

من أجل تفادي أعمال الغش والتزوير والتدليس ولأجل تجنب إجراء تقييدات غير صحيحة وغير شرعية من شأنها أن تحد من القدرة التداولية للعقار أكد المشرع من خلال الفصل 72 على أن المحافظ ملزم بالتحقق من هوية وأهلية المفوت مما يتعين معه على المحافظ أن يقوم بمراقبة دقيقة للبيانات الواردة في الرسم العقاري المتعلق بالشخص المفوت ومقارنتها بالبيانات الواردة في طلب التقييد الجديد وملاحظة ما إذا كانت هذه البيانات تنطبق على نفس الشخص المفوت أم لا من خلال التأكد من الاسم الشخصي والاسم العائلي وتاريخ الازدياد، ورقم بطاقة التعريف الوطنية وصحة التوقيع….

والملاحظ أن المشرع في الفصل 72 ألزم المحافظ من التأكد من هوية المفوت دون المفوت له ولعل ذلك راجع إلى سببين أولهما أن المفوت هو الذي يتضرر بالتفويت مما يستوجب أن يكون في كامل رضاه وأن يكون أهلا لهذا الرضاء وبالتحقق ومطابقة أهلية المفوت فإنه يتأكد من صدور التصرف منه، أما السبب الثاني فيتمثل في بعض الإمكانات الممنوحة للمحافظ على الأملاك العقارية للتحقق من هوية جميع الأطراف.

رغم هذا الرأي، فإن المحافظ ملزم بالتأكد من هوية جميع الأطراف بما فيهم المفوت له ذلك أن الفصل 73 من ظ.ت.ع المعدل والمتمم بالقانون 14.07 جاء شاملا حتى للطرف المفوت له، حيث جاء في الفصل “تعتبر هوية كل طرف وصفته وأهليته محققة إذا استند الطلب على محررات رسمية وتعتبر هويته محققة إذا كانت التوقيعات الموضوعة بالطلب وبالعقود المدلى بها مصادق عليها من طرف السلطات المختصة”، فنظرا إلى أن الفصل 73 قد نص على هوية كل طرف ولم يقتصر على هوية المفوت فإن أحكام الفصل 73 مكملة للفصل 72 مما يستوجب على المحافظ مراقبة هوية الطرف المفوت والمفوت له. 

وبالنسبة لتأكد المحافظ من أهلية الأطراف فإنه بالرجوع للفصل 72 من ظ.ت.ع بين أن المشرع ألزم المحافظ التأكد من أهلية المفوت وإذا لم يقم بذلك فإنه يكون مسؤولا مسؤولية شخصية عن الضرر الذي يمكن أن ينتج عن ذلك، إلا أن التأكد من الأهلية يصبح صعبا عند يحصل تغيير في أهلية شخص راشد لأن المحافظ في هذه الحالة لا يستطيع العلم به ما لم تقدم إليه وثائق تثبت ذلك.

وبالتالي إذا أخل المحافظ بواجبه من التحقق من هوية الأطراف وأهليتهم فإنه يكون مسؤولا مسؤولية شخصية عن ذلك ويكون ملزما بأداء التعويض للمتضرر.

ب ـ التأكد من صحة الوثائق المقدمة للتقييد

ينص الفصل 72 من ظ.ت.ع المعدل والمتمم بالقانون 14.07 بأن المحافظ يتحقق تحت مسؤوليته من صحة الوثائق المدلى بها تأييدا للمطلب شكلا وجوهرا، وهذا ما يفيد بأن المحافظ عليه بعد الانتهاء من عمليتي التحقق من هوية الأطراف وأهليتهم أن ينتقل إلى التأكد من صحة المستندات المؤيدة لمطلب التسجيل سواء من حيث الشكل أو المضمون وهذا ما أكده قرار لمحكمة النقض جاء فيه “فالتقييد على الرسم العقاري يخضع للشروط والمقتضيات التي قررها ظهير 12 غشت1913 الذي يلزم المحافظ بالتحقق تحت مسؤوليته الشخصية من صحة الوثائق المدلى بها شكلا وجوهرا…”.

فهو ملزم أولا بضرورة التأكد والتحقق من شكل الوثائق المقدمة لتأييد مطلب التحفيظ وخلوها من كل العيوب الشكلية حيث يتعين عليه أن يراقب ما إذا كانت هذه الوثائق موقعة أم غير موقعة وأن يتأكد أن تحريرها كان من طرف جهاز مختص وذلك باشتمالها على هوية الموثق الذي أنجز العقد وعلى توقيعه وشهادته بأن العقد أنجز بمكتبه وعلى أن العقد المسلم للأطراف هو نسخة من العقد الموجود لديه.

وإذا تعلق الأمر بوثيقة عدلية فالمحافظ يراقب أساسا توقيع العدلين وخطاب قاضي التوثيق هذا إضافة إلى توفر الوثيقة على البيانات الضرورية، كما يتوجب على المحافظ على الأملاك العقارية أن لا يقوم تسجيل العقود التي لم تؤدى عنها واجبات التسجيل والتنبر  وإذا تعلق الأمر بعقود عرفية فإنه عليه التأكد من أنها مصادق عليها من طرف السلطات المختصة.

   لكن الإشكال يطرح حول القيمة الثبوتية أو صلاحية الوثيقة العرفية الموقعة من طرف الشخص الأمي بين مقتضيات الفصل 73 من ظ.ت.ع و 427 من ق.ل.ع، حيث قد يتقدم شخص أمي لتقييد حق بواسطة عقد عرفي، فحتى لو ثبتت الهوية فإن الوثيقة تظل غير صالحة للتقييد لأنها لم ترد في الشكل المنصوص عليها قانونا، فهل المحافظ يقبل التقييد أم يرفضه لأنها –الوثيقة- لم ترد في الشكل الذي يتطلبه القانون ؟

   هناك من يرى أن الوثيقة العرفية و إن كانت هوية الأمي ثابتة فيها فإن هذه الوثيقة نفسها غير صالحة للتقييد لأنها لم ترد في الشكل المتطلب قانونا، و هناك من يرى أن الحماية التي أقرها المشرع في الفصل 427 من ق.ل.ع هي حماية خاصة مرتبطة أساسا بحق و مصلحة الأمي فحتى القضاء لا يمكن له أن يثيرها باعتبار أن الأمر يهم مصلحته و هو الأدرى بها من غيره، و هذا ما أكده قرار لمحكمة النقضجاء فيه “إن دعولى الإبطال بسبب الأمية هو حق شخصي … لا تقديمها إلا من طرف الشخص الأمي وحده و الذي شرعت له هذه الحماية الخاصة…”.

إقرأ أيضا :  دور المجلس الأعلى للحسابات في حماية المال العام ومكافحة الفساد

   إلا أنه في تقديرنا، كلما تعلق الأمر بوثيقة يكون أحد طرفيها شخص أمي يجب أن ترد في شكل رسمي عملا بمقتضيات الفصل 427 من ق.ل.ع و إلا امتنع المحافظ عن تقييدها تحت طائلة تحمله المسؤولية، ذلك أن الفصل 427 من ق.ل.ع جاء بصيغة عامة و حمائية في نفس الوقت للشخص الأمي، و لم يعلق تنفيذه على مطالبة هذا الأخير، هذا من جهة، و من حهة أخرى فإن التصرفات الواقعة على الرسم العقاري لها خصوصية خاصة إذا قام المفوت له عن حسن نية بتفويت هذا الحق لشخص آخر، مما يتعذر معه على الأمي بالمطالبة بحقه و إرجاع الوضع إلى ما كان عليه حسب الفصل 66 من ظ.ت.ع و  2 من م.ح.ع، و عليه يتعين على المحافظ أن يمتنع عن تقييد كل وثيقة يكون أحد طرفيها شخص أمي إلا إطا وردت في شكل رسمي و إلا تحمل المسؤولية عن ذلك.

أما من حيث مراقبة الجوهر فإن وظيفة المحافظ لا تقل أهمية وإن الأمر الذي تضمنه الفصل 72 وألزمه بموجبه بمراقبة الجوهر ليستلزم منه مراقبة مدى تحقق الشروط القانونية التي يلزم توفرها في كل عقد بحيث إن عقد البيع الذي لم يعين فيه الشيء المبيع تعيينا كافيا يعتبر عقدا باطلا ويجب رفضه من طرف المحافظ.

وبالتالي فإن المحافظ من خلال هذه المهام والمأموريات الموكولة إليه يتعين عليه أن يقوم بدور ثنائي، دور الإداري المكلف بتسليم الوثائق ومراقبة مدى صحتها ودقة البيانات التي اشتملت عليها قبل مباشرة عمليات التقييد، ومن جهة ثانية دور القاضي من خلال قيامه بمراقبة الشروط القانونية لصحة العقود والتصرفات مما يتطلب منه أن يكون على خبرة ودراية بميدان القانون إضافة إلى الخبرة الإدارية.

إلا أن الإشكال الذي يطرحه إلزام المحافظين بموجب أحكام الفصل 72 من التحقق من صحة الوثائق والمستندات شكلا وجوهرا هو ما إذا كان هذا التحقق ينصرف أيضا إلى مراقبة شكل ومضمون الأحكام القضائية؟

بالنسبة للشكل، فإن الأمر لا يعتبر إشكال، كون الرقابة هي رقابة شكلية غايتها الوقوف على نهائية الحكم واكتسابه لقوة الشيء المقضي به من خلال نسخة مشهود بمطابقتها للأصل من طرف كتابة الضبط مع توقيع كاتب الضبط وختم المحكمة إذا كان يتعلق بحكم نهائي، أما الحكم الابتدائي أو الاستئنافي فيجب أن يكون مرفقا بشهادة عدم الطعن بالاستئناف أو النقض تفيد انصرام أجل الطعن دون تقدم المحكوم عليه بأي طعن.

وبالنسبة لمراقبة المحافظ للمقررات والأحكام القضائية من حيث الجوهر وإن كان البعض يرى بخضوعها لمراقبة المحافظ ذلك أن ما يصل إليه القاضي في حكمه قد يتعارض أحيانا مع ما تم تضمينه بالرسم القعاري من حقوق مادام القاضي بين في حدود ما طلب منه ويبني حكمه على ما يقدم إليه من أدلة دون النظر إلى ما يتطلبه تقييد الحق المحكوم به من شروط تقتضيها الضوابط والقوانين المعمول بها في إطار ظ.ت.ع. إلا أن البعض الآخر يرى أن الأحكام القضائية لا تدخل في زمرة الوثائق الواجب على المحافظ التأكد منها وهذا ما تأكد بصدور دورية للمحافظ العام جاء فيها “… فإنه بالنظر إلى مبدأ فصل السلطتين الإدارية والقضائية ليس من صلاحية المحافظ على الأملاك العقارية التحقق من حجة الأحكام القضائية من حيث الجوهر وعليه أن يقتصر فقط على مراقبة صفتها النهائية والتنفيذية”، وبالتالي إذا وجدت أخطاء جوهرية في الحكم أو القرار فالمحكمة المصدرة له هي التي تتحمل مسؤوليتها وليس المحافظ الذي عمل على تقييدها.

وبناء على ما سبق، كلما اتضح للمحافظ أن الشروط المتطلبة قانونا غير متوفرة يمكنه رفض التسجيل، وفي حالة حدوث إغفالات أو أخطاء من المحافظ بشأن السجلات الواقعة على الرسوم العقارية والشواهد والنظائر تتحقق مسؤوليته الشخصية.

الفقرة الثانية : مسؤولية المحافظ في إطار الفصل 97 من ظ.ت.ع

جاء في الفصل 5 من القرار الوزيري ل4 يونيو1915 بأن مسؤولية المحافظ هي منظمة بشكل عام بموجب أحكام الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع، وبوجه خاص واستثنائي بموجب أحكام الفصل 97 من ظ.ت.ع المتمم والمغير بالقانون 14.07.

وبذلك فإن مسؤولية المحافظ وإن كان يؤطرها الفصلين 79 و80 من ق.ل.ع، فإنها تخضع بكيفية استثنائية لمقتضيات الفصل 97 المذكور الذي عدد مجموعة من الأخطاء الشخصية سنتناولها في هذه الفقرة، من خلال الحديث عن نطاق تطبيق الفصل 97 من ظهير التحفيظ العقاري (أولا)، ثم أوجه الخطأ الشخصي للمحافظ العقاري طبقا لهذا الفصل (ثانيا).

أولا : نطاق تطبيق الفصل 97 من ظ.ت.ع

لقد اختلف الفقه في تحديد نطاق الفصل 97 من ظ.ت.ع وما إذا كان يشمل جميع العمليات التي يقوم بها المحافظ، بما في ذلك التحفيظ والتقييد بالسجلات العقارية، فقد ذهب فريق أول من الفقهاء إلى القول بأن المحافظ على الأملاك العقارية يمارس عدة اختصاصات بموجب نصوص قانونية متعددة تتضمن قواعد آمرة وملزمة ويتحمل في نطاق كل واحدة منها مسؤوليات خاصة، فهو يمارس صلاحياته المتعلقة بالتقييدات في الرسوم العقارية طبقا لأحكام الفصل 69 من ظ.ت.ع ويجري مراقبة على هذه التقييدات عملا بأحكام الفصول 72 و73 و74 و75 من ظ.ت.ع، ويرجع إليه أمر إجراء التشطيب بمقتضى الفصل 91 من نفس الظهير، وهو في كل هذه الحالات يتحمل مسؤولية شخصية عن أخطائه وإغفالاته وإهمالاته وأن مسؤوليته في إطار الفصل 97 ما هي إلا وجه وصورة من صور هذه المسؤوليات المتعددة والمتنوعة وأنها مسؤولية لا يجب تصورها إلا برسم مرحلة التقييدات على الرسوم العقارية أي مرحلة ما بعد عملية التحفيظ وتأسيس الرسوم.

كما يرى أحد الباحثين أن الفصل 97 من ظ.ت.ع وإن عدد الحالات التي تكون فيها مسؤولية المحافظ شخصية، وبالتالي فهو استثناء من الفصل 80 من ق.ل.ع، والاستثناء لا يجوز التوسع فيه، و مع ذلك يجب إدراج الإيداعات المصاحبة  لعملية التحفيظ ضمن مقتضيات الفصل 97 من ظ.ت.ع.

ونحن بدورها نميل مع هذا الاتجاه الثاني، ذلك أن الفصل 97 لا يهم سوى مرحلة ما بعد التحفيظ لكنه يمتد أيضا إلى طلبات التقييد المودعة بناء على أحكام الفصل 84 من ظ.ت.ع، لأن هذه الطلبات لا يجري تقييدها بشكل نهائي إلا بعد تأسيس الرسم العقاري.

ثانيا : أوجه الخطأ الشخصي للمحافظ العقاري طبقا للفصل 97 من ظ.ت ع

بالرجوع إلى الفصل 97 من ظ.ت.ع المعدل والمتمم بالقانون 14.07 نجده قد حدد الحالات التي يسأل فيها المحافظ مسؤولية شخصية عن الأضرار التي يتسبب فيها للغير نتيجة إغفالاته أو إهمالاته أو أخطائه، حيث حدد المشرع وميز في هذا الباب بين ثلاثة حالات سنعمل على مناقشة كل واحدة منها على الشكل التالي:

– إغفال التضمين بالسجلات العقارية

يكون المحافظ العقاري مسؤولا مسؤولية شخصية عن الضرر اللاحق بكل من طالبه بصفة قانونية بإجراء تسجيل أو تقييد احتياطي أو تشطيب بالسجلات العقارية ولم يقم بذلك، وهذا ما يمكن استخلاصه من خلال حكم صادر عن المحكمة الإدارية بوجدة: “وحيث يهدف الطالب إلى الحكم في مواجهة المحافظ على الأملاك العقارية بالناظور، بأدائه لفائدة المدعين تعويضا يوازي قيمة المحل السكني الذي انتزع منهم بسبب خطأ المحافظ المذكور لإغفاله تضمين مجموعة من البيانات والمقالع التي كانت للأغيار داخل الملك المراد تحفيظه…”.

وتتجلى رغبة المشرع في ذلك من جعل هذه السجلات مرآة حقيقية وضامنة للوضعية القانونية للعقار تمكن من التعامل باطمئنان مع ما تتضمنه من معلومات، خصوصا وأن الأطراف يمكنهم التعاقد فيما بينهم على أساسه دون الرجوع إلى الوثائق والرسوم المودعة تدعيا لطلب التقييد.

إن هذه الصرامة في نظام مسؤولية المحافظ تبين مدى التشدد الذي يريده المشرع من وراء عملية التسجيل من جهة، ولتنبيه المحافظ إلى خطورة هذه العملية من جهة ثانية، ولأجل ذلك قضى الفصل 97 من ظ.ت.ع تحميل المحافظ المسؤولية الكاملة عن الضرر الذي يصيب الأغيار بسبب إغفاله تضمين بعض البيانات أو إهمال أو التشطيب من الرسم العقاري سواء كان مطلوب منه القيام بها بحكم واجب السلطة المنوطة به أو بموجب حكم قضائي.

– إغفال التضمين بالشهادات أو نظائر الرسوم العقارية

نص الفصل 97 من ظ.ت.ع المعدل والمتمم بالقانون 14.07 في فقرته الثانية على ما يلي: “إن المحافظ على الأملاك العقارية مسؤول شخصيا عن الضرر الناتج عن:

  1. إغفال التضمين بالشهادات أو نظائر الرسوم العقارية المسلمة والموقعة من طرفه لكل تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي أو تشطيب مضمن بالرسم العقاري”.

ففي حالة إذا أغفل المحافظ تضمين النسخ أو الشهادات ما هو مضمن بالرسم العقاري، واعتمد الغير على ما في النسخة أو الشهادة من معلومات معتمدا بمطابقتها للرسم العقاري فيتعامل بها على ذلك الأساس، فبإمكانه هنا إثارة مسؤولية الحافظ الشخصية بهذا الخصوص طبقا لما ينص عليه القانون، وذلك رغبة من المشرع أن يكون هناك تطابق مستمر بين بيانات الرسم العقاري ونظيره أو الشهادات الخاصة التي يسلمها المحافظ طبقا للفصل 58 من ظ.ت.ع، وفي هذا الخصوص ينص الفصل 89 من ظ.ت.ع على أنه: “إذا كان الطلب يتعلق بحق يقتضي إنشاؤه موافقة المالك المقيد والحائز لنظير الرسم العقاري، فيجب على المحافظ على الأملاك العقارية أن يرفض التقييد عند عدم الإدلاء بالنظير”.

ولتجنب هذه المسؤولية يتعين على المحافظ بذل قدر يسير من الحيطة والاهتمام لتلافي أي إغفال من شأنه أن يسيء إلى ما يعمل على تضمينه بالرسم العقاري، أو بالشهادات التي يطلبها منه زبناء الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.

– بطلان أو فساد ما ضمن بالرسم العقاري:

ينص الفصل 97 من ظ.ت.ع المعدل والمتمم بالقانون 14.07 في فقرته الثالثة على ما يلي: “إن المحافظ على الأملاك العقارية مسؤول شخصيا عن الضرر الناتج عن:

  1. ….

  2. ….

  3. فساد أو بطلان ما ضمن بالرسم العقاري من تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي أو تشطيب ماعدا الاستثناء المذكور في الفصل 73″.

وعليه، فالمحافظ يكون مسؤولا مسؤولية شخصية عن الضرر الناتج عن فساد وبطلان ما ضمنه بالكناش العقاري من تسجيل أو تقييد احتياطي أو تشطيب، ماعدا في الحالة التي يتضرر فيها طالب التسجيل نتيجة رفض المحافظ القيام بالتسجيل بسبب عدم التعريف بهويته.

والاستثناء الذي جاء به المشرع في هذه الفقرة-الفقرة الثالثة من الفصل 97- والمنصوص عليه في الفصل 73 يظهر جليا أن العمومية التي جاءت بها هذه الفقرة لا تعني أنها تشمل جميع حالات الفساد والبطلان التي لم ينتبه إليها المحافظ وإنما فقط عند ثبوت سوء نيته أو كان تقصيره واضحا في واجب المراقبة الملقى على عاتقه. 

المبحث الثاني : الآثار المترتبة عن مسؤولية المحافظ و آليات تلطيفها

بعد أن تطرقنا في المبحث الأول لأساس مسؤولية المحافظ سواء المنظمة في ظهير التحفيظ العقاري أو في القواعد العامة، سنحاول من خلال هذا المبحث أن نبين الآثار المترتبة عن قيام هذه المسؤوية ( المطلب الأول) وكذا تبيان بعض الوسائل المتاحة التي من شأنها تخفيف هذه المسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتق المحافظ ( المطلب الثاني).

المطلب الأول: دعوى التعويض عن مسؤولية المحافظ

سنتحدث في هذا المطلب عن الجهة القضائية المختصة بالبت في الدعوى (الفقرة الأولى)، ثم عن المسطرة المتبعة في دعوى مسؤولية المحافظ وجزاءها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الجهة القضائية المختصة بالبت في الدعوى

أولا ـ الاختصاص النوعي

لاشك، أنه عندما يتعلق الأمر بخطأ مرفقي –وليس شخصي- صادر عن المحافظ وتكون المسؤولية بالتالي مسؤولية إدارية لا شخصية خاضعة للفصل 80 من ق.ل.ع، فإن اختصاص البت في دعوى المسؤولية المقامة في هذا الإطار ينعقد للقضاء الإداري تأسيسا على المادة 8 من القانون 41.90.

غير أن الإشكال يثار عندما يتعلق الأمر بدعوى المسؤولية الشخصية المثارة ضد المحافظ العقاري، فهل ينعقد الاختصاص هنا للقضاء العادي أم الإداري؟

وقد اختلف الفقه بخصوص هذه النقطة، ولعل هذا الاختلاف راجع لكون المشرع المغربي خلق نوعا من الازدواجية في الاختصاص القضائي فيما يتعلق بالطعن في قرارات المحافظ.

وتبعا لذلك يرى بعض الباحثين أن القضاء العادي هو المختص بالبت في دعاوى التعويض المرتبطة بالأخطاء الشخصية للمحافظ، فمهنهم من أيد موقفه بكون الفصل 8 من القانون 41.90 والذي يحدد الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية، لا يوجد فيه هذا النوع من الدعاوى، كما استند البعض الآخر إلى موقف بعض المحافظين الذين يدفعون بعدم الاختصاص النوعي عندما يقدم الطعن أمام المحاكم الإدارية وذلك استنادا إلى الفصلين 37 مكرر و96 من ظهير التحفيظ العقاري، في حين استند آخرون على حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط جاء فيه: “وحيث إنه استنادا لكل ما ذكر فإن مطالبة المحافظ على الملكية العقارية بأداء تعويض لفائدة المدعية نتيجة مسؤوليته الشخصية وفق ما هو مبين في مقال المدعية لا يدخل ضمن اختصاص المحكمة الإدارية التي يبقى اختصاصها منحصرا في النظر في المنازعات المتعلقة بالمسؤولية الإدارية الناجمة عن الأضرار الناتجة عن أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام طبقا لمقتضيات المادة 8 من القانون 41.90 السالف الذكر، لذا والحالة هذه يكون الدفع المثار بهذا الصدد مبنيا على أساس سليم ويتعين الاستجابة إليه وذلك بالحكم بعدم اختصاص المحكمة الإدارية نوعيا للبت في الطلب”.

وذهب اتجاه آخر إلى أن المبدأ العام هو أن المحاكم الإدارية هي صاحبة الولاية العامة على القرارات الإدارية، فالمحافظ العقاري يعتبر سلطة إدارية وقراراته تعتبر قرارات إدارية وهي بالتالي تقبل الطعن بالإلغاء اعتمادا على المعيار العضوي الذي يأخذ به المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) وبالتالي فالمحاكم الإدارية تكون هي المختصة مبدئيا في جميع القرارات المتخذة من قبل المحافظين والمرتبطة بالمهام المنوطة بهم، إلا أن المشرع استثنى من هذا المبدأ العام حالات معينة ينعقد فيها الاختصاص للمحكمة الابتدائية ويتعلق الأمر ب:

– حالة رفض المحافظ تقييد حق عيني أو التشطيب على حق عيني (الفصل 96 ظ.ت.ع).

– حالة رفض تسليم نظير جديد للرسم العقاري أو التعرض على تسليمه (الفصل 103).

– حالة الفصل 10 من القرار الوزيري الصادر في 3 يونيو1915، والتي تتعلق بامتناع المحافظ عن تقييد حق عيني أو التشطيب عليه.

والحقيقة أن هذا الاتجاه الأخير هو الذي يساير النصوص القانونية، فالمادة 8 من القانون 41.90 هو الذي حدد اختصاص النوعي للمحاكم الإدارية والتي يدخل فيه الطعن في قرارات المحافظ باعتبارها قرارات إدارية وكذا دعوى التعويض المثارة ضده، وبالتالي فهو يرسي القاعدة العامة في مجال الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية، أما ما ورد في الفصول 37 مكرر و96 و103 من ظهير التحفيظ العقاري والفصل 10 من القرار الوزيري المؤرخ 3 ينويو1915 فلا يعدو أن يكون استثناء من القاعدة، والاستثناء كما هو معلوم لا يتوسع في تفسيره ولا يقاس عليه.

كما أن هذا التوجه تؤيده مجموعة من القرارات القضائية المتواترة الصادرة عن محكمة النقض، حيث جاء في قرار صادر عنها ما يلي: “المستقر عليه قضاء أن قرارات المحافظ على الأملاك العقارية تكون قابلة للطعن بالإلغاء باعتبارها قرارات إدارية إلا الاستثناء الوارد ضمن مقتضيات الفصل 96 من ظهير التحفيظ العقاري، وأن قرار المحافظ المطعون فيه والقاضي برفض تقييد التعرض على مطلب التحفيظ، وهو قرار إداري قابل للطعن فيه بالإلغاء”.

كما جاء في قرار آخر ما يلي: “تقبل قرارات المحافظ على الأملاك العقارية الطعن بالإلغاء بوصفه سلطة إدارية ما لم يرسم المشرع لها طريقا آخر للطعن…” .

وجاء في قرار آخر: “تكون قرارات المحافظ على الأملاك العقارية قابلة للطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري كمبدأ عام…” .

وفي قرار آخر: “المحافظ على الملكية العقارية يعتبر سلطة إدارية، القاعدة العامة جواز الطعن في قرارات المحافظ أمام القضاء الإداري، الاستثناء هو ما ورد في الفصل 96 من قانون التحفيظ العقاري بشأن جواز الطعن في قرار رفض التحفيظ أمام المحكمة العادية”.

ثانيا ـ الاختصاص المكاني

يؤطر الاختصاص القضائي المكاني في دعوى مسؤولية المحافظ نصان قانونيان؛ نص الفصل 28 من ق.م.م والذي جاء فيه : “تقام الدعوى خلافا لمقتضيات الفصل السابق أمام المحاكم التالية…- في دعاوى التعويض، أمام محكمة المحل الذي وقع فيه الفعل المسبب للضرر أو أمام محكمة موطن المدعى عليه باختيار المدعي…”، وكذا الفصل 8 من القرار الوزيري المؤرخ في 4 يوليوز1915 والذي جاء في فقرته الأخيرة: “يكون مقر المحافظ بالمبنى الذي يباشر فيه مهامه وذلك بالنسبة للدعاوى التي قد تترتب عن مسؤوليته وتستمر هذه الإقامة بقوة القانون مادام يمارس مسؤوليته ويجوز في هذا الصدد مقاضاة المحافظ وخلفه بنفس المقر حتى ولو غادره”.

وفي هذا الإطار اختلف الفقه بخصوص الاختصاص المكاني لدعوى مسؤولية المحافظ، حيث انقسم إلى ثلاث اتجاهات:

فالاتجاه الأول يرى أن المحكمة المختصة مكانيا هي إما المحكمة التي توجد في دائرتها المحافظة التي كان المحافظ يمارس فيها مهامه وذلك حتى في حالة توقفه عن ممارسة مهامه، بل وحتى في حالة وفاته، وإما المحكمة التي يوجد فيها الموطن الحقيقي للمحافظ في حالة تقاعده أو استقالته أو عزله، أو الموطن الحقيقي لذوي حقوقه بعد وفاته، فالخيار متروك للمدعي.

أما الاتجاه الثاني فيتشبت بحرفية الفصل 8 من القرار الوزيري المذكور ويرى أن الاختصاص الترابي للنظر في دعوى مسؤولية المحافظ الشخصية أو الإدارية عند توفر حالاتها إلى المحكمة التي يتواجد بها مقر عمل هذا الأخير –أي المحافظ المعين بها-، مما يفيد حرمان المدعي من حق الخيار الوارد في الفصل 28 من ق.م.م.

في حين يرى الاتجاه الثالث بأن الفصل 28 من ق.م.م والفصل 8 من القرار الوزيري يضعان قاعدة عامة مفادها أن للمدعي الخيار في رفع دعواه إما أمام محكمة محل وقوع الفعل الضار وإما أمام محكمة موطن المحافظ وفقا للتحديد الوارد في الفصل 8 من القرار المذكور وليس أمام محكمة الموطن الحقيقي للمحافظ.

والحقيقة أن هذا الاتجاه الأخير جدير بالتأييد، لأنه في نظرنا فالفصل 28 من ق.م.م والفصل 8 من القرار الوزيري يكملان بعضهما، فقانون المسطرة المدنية باعتباره قانونا مسطريا عاما والمرجع الأساسي الذي يؤسس للاختصاص المكاني للتقاضي منح الخيار للمدعي في دعاوى التعويض في رفع دعواه إما أمام محكمة الموطن الذي وقع فيه الفعل المسبب للضرر أو أمام محكمة موطن المدعى عليه، والفصل 8 من القرار الوزيري لا يتعارض بتاتا مع الفصل 28 بل هو مفسر له إذ فقط حدد المقصود بموطن المدعى عليه، عندما يتعلق الأمر بدعوى المسؤولية المرفوعة ضد المحافظ وجعله هو المحافظة العقارية التي يمارس بها مهامه.

وتأسيسا على ما سبق فالمدعي في دعوى مسؤولية المحافظ له الخيار بين أن يرفع الدعوى إما أمام محكمة المحل الذي وقع فيه الفعل المسبب للضرر وإما أمام المحكمة التي توجد بدائرتها المحافظة العقارية التي يعمل بها المحافظ المدعى عليه.

وبعد أن بينا المحكمة المختصة نوعيا ومكانيا بالبت في دعوى المسؤولية المثارة ضد المحافظ سنتطرق في الفقرة الموالية للمسطرة الواجب اتباعها لمباشرة هذه الدعوى و كذا الجزاء المترتب عن الحكم فيها.

الفقرة الثانية : المسطرة المتبعة في دعوى مسؤولية المحافظ وجزاءها

أولا : المسطرة المتبعة في دعوى مسؤولية المحافظ

ترفع دعوى التعويض ضد المحافظ العقاري طبقا لقواعد المسطرة المدنية، فالطرف المدعي في الدعوى يكون هو المتضرر من قرار المحافظ، وبالتالي يتعين عليه الطعن في قرار المحافظ وطلب إلغائه مع المطالبة كذلك بالتعويض عن الضرر الذي لحقه جراء ذلك القرار.

فالطعن في قرار المحافظ يتم بناء على مقال كتابي يوجه إلى كتابة ضبط المحكمة الابتدائية أو الإدارية –حسب الأحوال- يبين فيه طالبه بكيفية مختصرة وقائع النزاع والأسباب المستند عليها قصد مراجعة القرار المطعون فيه.

وقد بين الفصل 10 من القرار الوزيري المؤرخ في 3 يونيو1915 بعض الإجراءات الخاصة فيما يتعلق بالطعن في قرار المحافظ القاضي برفض تقييد أو التشطيب على حق عيني، حيث نص على ضرورة تبليغ رئيس المحكمة عريضة الطعن التي رفعت إليه إلى المحافظ العقاري المعني، ويجب على المحافظ أن يدلي بمذكرة يبين فيها الأسباب المبررة للقرار موضوع الطعن، وذلك خلال أجل خمسة عشر يوما، وإذا اقتضى الحال يجب أن يرفق مذكرته بملف القضية والوثائق التي استند إليها في اتخاذ قراره، وتقوم كتابة الضبط أيضا بتبليغ المعني بالأمر بمحتوى المذكرة التي بعث بها المحافظ لكي يرد عليها بدوره داخل أجل خمسة عشر يوما.

ولا تنعقد الجلسة إلا بعد انتهاء تبادل الطرفين لمذكراتهم حيث يتعين على المحكمة أن تبت في القضية.

ويكون الحكم الصادر عنها قابلا للاستئناف، فإذا كان الحكم صادرا عن المحكمة الابتدائية فيجوز الطعن فيه أمام محكمة الاستئناف وفقا للمسطرة والآجال المقرر في ق.م.م، أما إذا كان الحكم صادرا عن المحكمة الإدارية فإنه يكون قابلا للطعن أمام محكمة الاستئناف الإدارية طبقا للمادة 5 من القانون 80.03 المحدث بموجبه محاكم استئناف إدارية.

إقرأ أيضا :  مدونة الشغل بعد مرور عشر سنوات من صدورها

والحق في الاستئناف يمكن مباشرته من طرف المحافظ أو من طرف الطاعن، والأحكام الاستئنافية تكون بدورها قابلة للطعن بالنقض أمام محكمة النقض.

وحينما يستنفذ الأطراف جميع طرق الطعن المقررة ويصبح الحكم نهائيا، فإن هذا الأخير لا يخرج عن أحد فرضين: إما رفض الطعن وفي هذه الحالة فإن قرار المحافظ يبقى ساري المفعول ويتحمل الطرف المعني بالأمر جميع المصاريف القضائية المترتبة عن الطعن. وإما أن يقضي الحكم بإلغاء القرار موضوع الطعن، وفي هذه الحالة وبخصوص الشق المتعلق بالتعويض عن الضرر، فقد يقر الحكم بتحميل المحافظ المسؤولية الشخصية عن الخطأ الذي أدى إلى إلغاء قراره، وبالتالي إلزامه بتعويض المضرور، كما قد يعفي الحكم المحافظ من المسؤولية بقوله بأن الخطأ المرتكب، هو خطأ مصلحي وبالتالي تتحمل الدولة مسؤولية التعويض عنه، كما يمكن للقاضي كذلك أن يحكم بالتعويض مشاطرة بين الطاعن المتضرر والمحافظ، إذ اجتمع خطؤهما معا، فإذاك تقسم المسؤولية بينهما حسب درجة خطأ كب منهما، وفي حدود نسبة مساهمة كل منهما في الضرر، كما قد يعفي الحكم المحافظ من المسؤولية إذا ثبت للقاضي أن للمضرور فيما أصابه من ضرر، كان ناتجا عن خطئه هو لا خطأ المحافظ.

ومما يجب الإشارة إليه أن الطرف المدعي قد لا يحتاج للطعن في قرار المحافظ من أجل الحصول على التعويض عن الضرر الحاصل له، إذ يمكنه رفع دعوى المسؤولية مستقلة و مباشرة ضد المحافظ و ذلك في الحالات المنصوص عليها في الفصل 97 من ظ.ت.ع و المتعلقة بإغفال المحافظ التضمين بالسجل العقاري لكل تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي أو تشطيب طلب منه بصفة قانونية، أو إغفال التضمين بالشهادات أو نظائر الرسوم العقارية المسلمة و الموقعة من طرفه لكل تقييد أو بيان أو تقييد احتياطي أو تشطيب مضمن للرسم العقاري، كما يمكنه ذلك أيضا في حالة الفصل 64 من ظ.ت.ع و المتعلقة بالحالة التي فيها تأسيس الرسم العقاري و يكون المحافظ قد استعمل تدليسا بحق من حقوق المدعي.

وتجدر الإشارة إلى أن أي منازعة أمام القضاء سواء العادي أو المدني تقتضي بطبيعة الحال احترام أجل رفع الدعاوى، وهنا يثار الإشكال حول أجل تقادم دعوى مسؤولية المحافظ، وبخصوص هذه النقطة فقد تضاربت آراء الفقه حول النص الواجب التطبيق، هل الفصل 387 من ق.ل.ع، أو الفصل 106 من نفس القانون، أو الفصل 8 من القرار الوزيري المؤرخ في 4 يونيو1915 المتعلق بتخصيص الضمان.

فقد ذهب اتجاه فقهي إلى القول بأن تقادم دعوى التعويض المقامة ضد المحافظ قصد إثارة مسؤولية تتم على أساس التوفيق بين مقتضيات الفصل 387 من ق.ل.ع وبين الفصل 8 من القرار الوزيري، حيث يمكن رفع هذه الدعوى خلال أجل أقصاه 15 بالنسبة للأعمال التي أنجزها المحافظ وهو في منصبه، وتحديد هذا الأجل في 10 سنوات في حالة الانقطاع النهائي عن مزاولة مهامه مع بدء احتساب هذا الأجل من تاريخ الانقطاع المذكور.

في حين ذهب اتجاه آخر إلى وجوب التمييز بين ما إذا كانت الدعوى ستؤسس على الفصل 80 من ق.ل.ع أو على الفصول 97 و72 و74 و94 من ظهير التحفيظ العقاري، بحيث إذا كانت الدعوى ستبنى على الفصل 80 فإن التقادم سيتم بناء على الفصل 106 من ق.ل.ع، أما إذا كانت ستبنى على فصول ظهير التحفيظ العقاري، فإن التقادم الواجب الاعتداد به هو المنصوص عليه في الفصل 387 من ق.ل.ع ماعدا الحالات الاستثنائية والخاصة المنصوص عليها في الفصل 380 من ق.ل.ع وخاصة حالة الغياب، أما الفصل 8 من القرار الوزيري فهو يتعلق بمدة الاحتفاظ بالكفالة المودعة من طرف المحافظ وليس قاعدة التقادم.

كما ذهب اتجاه مغاير إلى التمسك بمقتضيات الفصل 8 من القرار الوزيري بخصوص أجل تقادم دعوى مسؤولية المحافظ، أي أنه يتم بعد انصرام أجل الاحتفاظ بالكفالة كما حدده الفصل المذكور.

في حين ذهب اتجاه آخر وهو الغالب فقها وقضاء إلى اعتبار الفصل 106 هو الذي يطبق بخصوص أجل تقادم دعوى مسؤولية المحافظ العقاري، وبالتالي فهذه الدعوى تتقادم بمرور خمس سنوات من تاريخ العلم بالضرر والمسؤول عنه، أو بعد عشرين سنة من حدوث الضرر في جميع الحالات.

وفي نظرنا فهذا الرأي الأخير هو الأقرب إلى الصواب، على اعتبار أن قانون الالتزامات والعقود هو الذي نظم بشكل مفصل مدة تقادم جميع الدعاوى المتعلقة بالمسؤولية، كما أن الفصل 387 من نفس القانون لا يمكن الاستناد عليه في تحديد أجل تقادم دعوى مسؤولية المحافظ على اعتبار أن هذا الفصل نص على المبدأ العام فيما يتعلق بأجل تقادم الدعاوى الناشئة عن الالتزام إلا أنه في نفس الوقت نص على إمكانية الخروج عن هذا المبدأ بمقتضى استثناءات ينص عليها القانون؛ ومن بينها ما نص عليه الفصل 106 من ق.ل.ع.

أما القول بخضوع أجل تقادم دعوى المسؤولية لمقتضيات الفصل 8 من القرار الوزيري المذكور فلا يستقيم، على اعتبار أن هذا الفصل يشير فقط إلى أجل الاحتفاظ بالكفالة المودعة من طرف المحافظ، كما أنه لا يعدو أن يكون نصا تنظيميا في حين أن قانون الالتزامات والعقود هو نص تشريعي، والقاعدة في مجال تدرج القوانين أن النص الأعلى درجة هو الأولى بالتطبيق؛ فالمراسيم والقرارات التنظيمية تشترك مع القانون في انطوائها على قواعد عامة ومجردة، إلا أنه من ناحية القوة القانونية لتلك الأعمال والتصرفات التنظيمية فهي أقل درجة من القانون، وتبعا لذلك يجوز للقانون التأثير في تلك الأعمال التنظيمية، ولا يجوز العكس.

وهذا التوجه مؤيد بالعديد من القرارات والأحكام الصادرة عن محكمة النقض ومحاكم المملكة، وفي هذا الإطار جاء في قرار صادر عن محكمة النقض ما يلي : “في حين أن مقتضيات الفصل 64 المستدل به في القرار المطعون فيه وردت في الجزء الرابع من القرار الوزيري المشار إليه، وهو الجزء المتعلق بالمال المعد للضمان المؤسس بشأنه صندوق التأمين الذي يمكن استعماله أيضا إذا كانت المسؤولية في التعويض غير موجهة على المحافظ، وليس الأمر كذلك في النازلة إذ الدعوى موجهة على هذا الأخير على أساس أنه مسؤول عن الضرر الحاصل للطرف الطاعن في إطار الفصل 64 من الظهير الشريف المؤرخ في 12 غشت 1913 بشأن التحفيظ العقاري الذي يجيز لمن يهمه الأمر في حالة التدليس فقط أن يقيم على مرتكبه دعوى شخصية بأداء التعويض بسبب حق وقع الإضرار به من جراء التحفيظ، وبالتالي فإن الدعوى تتقادم حسب ما هو منصوص عليه في الفصل 106 من ق.ل.ع والقرار المطعون فيه حين ذهب في تعليله عكس ذلك يكون فاسدا يوازي انعدامه”.

وفي نفس الإطار جاء في حكم صادر عن ابتدائية الناظور: “وحيث إن الفصل 64 من القرار الوزيري المؤرخ في 4 يونيو1915 المحتج به من طرف المحافظ على الأملاك العقارية والرهون بالناظور والمحافظ العام يعتبر نصا تنظيميا بخلاف الفصل 106 من ق.ل.ع الذي يعتبر نصا تشريعيا، ومن تم فإن النص الأخير يسمو على الأول ويعتبر بالتالي الأولى بالتطبيق…”.

كما جاء أيضا في حكم لمحكمة الاستئناف بالرباط ما يلي: “وحيث أنه من الثابت كذلك أن المدعي (المستأنف عليه) لم يعلم بالضرر اللاحق له من جراء اقتطاع 360 متر مربع من عقاره ذي الرسم … وإنشاء الرسم العقاري عدد … إلا بعد تحديد عقاره المذكور من طرف المصالح التابعة للمحافظة العقارية بتمارة بتاريخ 10/10/1990 وبذلك يكون قد تقدم بدعواه داخل أجل خمس سنوات من عمله بالضرر اللاحق به وبالمسؤول عنه طبقا لما تستوجبه مقتضيات الفصل 106 من ق.ل.ع، مما يكون معه دفع السيد المحافظ بأن المطالبة بالتعويضات جاءت بعد فوات أجل سنتين غير مبني على أساس…”.

ثانيا : جزاء دعوى المسؤولية

إن جزاء مسؤولية المحافظ في حال ثبوتها هو التعويض، ويعني جبر الضرر الذي لحق بالمتضرر، فالتعويض إذن هو الوجه الآخر للضرر، إذ بانتفاء هذا الأخير تنتفي المسؤولية وبالتالي ينتفي التعويض.

والضرر الموجب للتعويض في نطاق المسؤولية التقصيرية هو الضرر المباشر والذي يكون قد تحقق فعلا أو سيتحقق في المستقبل، سواء كان هذا الضرر ماديا أو معنويا، طبقا للفصلين 77 و78 من ق.ل.ع.

والتعويض عن الضرر يجب أن يكون تعويضا كاملا بحيث يشمل الخسارة التي لحقت المدعي والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب إضرارا به، وكذلك الكسب الذي فاته (الفقرة الأولى من المادة 98)، كما أن تقدير التعويض من طرف المحكمة يكون على أساس جسامة الضرر لا على أساس جسامة الخطأ، كما أنها تراعي في تقديره ما إذا كان الضرر نتج عن خطأ عادي أو نتيجة تدليس (الفقرة الثانية من الفصل 98).

والأصل أن التعويض قد يكون عينيا أو نقديا، غير أن التعويض النقدي هو السمة الغالبة في دعاوى المسؤولية التقصيرية وخاصة في إطار مسؤولية المحافظ العقاري.

وعموما فتقدير التعويض يخضع للسلطة التقديرية لقضاء الموضوع، الأمر الذي يثير التساؤل حول الوقت الذي يتعين أن يجري فيه هذا التقدير؟

وقد اختلفت الآراء بهذا الخصوص، بين قائل بوجوب تقدير التعويض يوم تحقق الضرر، وقائل بوجوب تقديره يوم صيرورة الحكم نهائيا بحجة أن الحق في التعويض يبقى غير محدد المقدار إلى أن يصدر الحكم، فيجب إذن الاعتداد بجميع العناصر التي توجد وقت الحكم.

والرأي الراجح هو الذي يقول بوجوب تقدير التعويض يوم صدور الحكم، على اعتبار أن النتائج التي تترتب على العمل الضار قد تشتد أو تخف تبعا للظروف، ومن ثم فهي لا يمكن أن تتحدد إلا حينما يلجأ إلى القاضي كي يقوم بهذا التحديد، فإذا تغير الضرر بعد وقوعه عما كان عليه أول الأمر، فإن مقداره الحقيقي يجب تحديده في ضوء حالة المضرور يوم صدور الحكم، وهو أيضا الرأي الذي استقر عليه القضاء المغربي.

وتجدر الإشارة في هذا الإطار، أنه عندما يتعلق الأمر بمسؤولية الدولة عن أخطاء المحافظ العقاري في إطار الفصل 79 من ق.ل.ع فإن الضرر المنسوب للدولة لا يتم التعويض عنه إلا إذا اتسم بالسمات التالية :

– أن يكون مباشرا.

– أن يكون محققا ومؤكدا، أما الضرر العام فلا تعويض عنه.

– أن يكون الضرر قد أخل بمركز يحميه القانون أما الضرر الذي يخل بمركز غير قانوني فلا تعويض عنه.

– أن يكون الضرر قابلا للتقدير بالنقود، لأن التعويض يكون نقدا لا عينا.

وإذا كان ق.ل.ع يجيز أن يكون التعويض عينيا أو نقديا، فإنه لا يكون إلا نقديا في المجال الإداري، وإن كان الأصل العام واحدا في القانونين فيما يتعلق بمبدأ التعويض الكامل، حيث يشمل ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب.

المطلب الثاني :  الوسائل القانونية الكفيلة بتخفيف مسؤولية المحافظ الشخصية

من خلال كل ماسبق تبين لنا بجلاء مدى خطورة مسؤولية المحافظ، لهذا تدخل المشرع محاولة منه في تلطيف هذه المسؤولية سن مجموعة من الوسائل ( الفقرة الأولى)، وهو نفس الشيء الذي فعله الفقه الذي اقترح بعض الآليات التي من شأنها تليين هذه المسؤولية (الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى : دعوى الحلول

 إن الأصل أن المحافظ على الأملاك العقارية هو المسؤول عن أداء التعويض الناتج عن خطأه الشخصي، إلا أن هذا التعويض قد يكون مرتفعا مما يعني أن عسر المحافظ يبقى أمرا واردا، لهذا تدخل المشرع المغربي و أتاح للدولة حق الحلول محله في أداء التعويض (أولا)، كما خول نفس الإمكانية لصندوق التأمين في حالات خاصة (ثانيا).

أولا: حلول الدولة محل المحافظ في أداء التعويض

يعتبر حلول الدولة محل المحافظ على الأملاك العقارية استثناء من القاعدة التي تقضي بتحمل المحافظ مسؤوليته الشخصية عن الأضرار الناتجة عن تدليسه أو أخطائه الجسيمة الواقعة منه أثناء أداء وظيفته ( الفصل 80 من ق ل ع)، و يجد هذا الاستثناء أساسه في الفقرة الثانية من الفصل 80 من ق ل ع حيث جاء فيه ما يلي:” و لا تجوز مطالبة الدولة و البلديات بسبب هذه الأضرار إلا عند إعسار الموظفين المسئولين عنها”.

و الملاحظ من خلال هذا الفصل أن المشرع المغربي لم يجعل دعوى الحلول طريقا رئيسيا لجبر الضرر الواقع على المتضرر، بل إن الرجوع على الدولة لأداء التعويض لا يمكن أن يتحقق إلا في الحالة التي يثبت فيها إعسار المحافظ، وبتالي فوجب على المتضرر أن يرفع الدعوى أولا في مواجهة المحافظ باعتباره المسؤول عن الضرر فإذا ثبت إعساره أمكنه سلوك الطريق الاحتياطي و المتمثل في رفع الدعوى على الدولة، وفي هذا الصدد نجد حكم لإدارية وجدة جاء فيه:” و لما كان تأسيس الرسم العقاري المذكور من طرف المحافظ قد تم خلافا للقانون ونتج عنه حرمان المدعي من حقه في الأرض المذكورة… الحكم على المدعى عليه الأول بالتعويض الذي ستسفر عنه الخبرة مع إحلال الدولة محله احتياطيا في الأداء…”، و بتالي وجب عليها أن تتحمل تبعت هذا الاختيار حتى ولو كان خطأه شخصيا غير مرفقي، غير أن الإدارة و الممثلة في الخزينة العامة للدولة يبقى من حقها الرجوع على المحافظ بخصوص ما قد تدفعه مكانه في مواجهة المتضرر، و الطريقة المتصورة لهذا الرجوع تكون في الغالب عبارة عن اقتطاعات شهرية من الراتب أو المعاش.

وقد انتقد أحد الفقه دعوى الحلول التي تكون الدولة طرفا فيها، معتبرا أن المتضرر سيكون ضحية بطء القضاء وطول الإجراءات المسطرية، حيث أن من سوء حظ المتضرر من الخطأ الشخصي للمحافظ أنه ملزم غالبا على إقامة دعويين الأولى ضد المحافظ ويجب أن ينتظر نتيجتها السلبية في حالة إعسار المحافظ ثم يطالب في المرحلة الثانية الإدارة بالحلول محل المحافظ.

وفي نفس الاتجاه نجد أحد الباحثين يطرح  إشكال بطء مسطرة حلول الدولة في حالة اشتراك الخطأ الشخصي بالخطأ المرفقي، حيث يمنع على المتضرر الجمع بين المسؤوليتين- المدنية و الإدارية- على اعتبار أن الفصل 80 من ق ل ع يشكل عقبة أمام الجمع بين المسؤوليتين، فالمتضرر ملزم بأن يقيد دعوتين مستقلتين واحدة ضد الإدارة  عن الخطأ المصلحي طبقا لمقتضيات الفصل 79 من ق ل ع، ضمن قواعد و إجراءات مسطرية مغايرة لدعوى التي يجب إقامتها ضد المحافظ عن خطئه الشخصي طبقا لمقتضيات الفصل 80 من ق ل ع، و إذا ثبت إعسار المحافظ على النسبة التي ساهم بها الخطأ الشخصي في الضرر على المتضرر يجب تقيد دعوى ثالثة ضد الإدارة.

و الحقيقة أن هذه الانتقادات الموجهة بخصوص بطء مسطرة الحلول لها ما يفسرها، حيث أن حلول الدولة محل المحافظ في أداء التعويض يعد طريقا ثانويا يمكن اللجوء إليه حالة إعسار المحافظ، و فتح الباب أمام الخيرة للمتضرر في اللجوء إلى الدولة مباشرة في دعوى أصلية لاستيفاء التعويض دون إثبات عسر المحافظ سيؤدي إلى تغييب الرقابة على أعمال المحافظين العقاريين مما قد يسمح لأصحاب النوايا السيئة للتلاعب مادام الدولة هي المجبرة على الأداء، وهو ما سيؤدي دون أدنى شك إلى الإضرار بالذمة المالية للدولة، وبخصوص بطء الإجراءات المرتبطة بالحلول نرى إدراج طلب احتياطي لإدخال الدولة في المقال المرفوع للمحكمة  و هو إجراء كفيل بتسريع الإجراءات بعض الشيء. 

 ثانيا: حلول صندوق التأمين محل المحافظ في أداء التعويضات

لقد فرض المشرع بموجب أحكام الفصول من 7 إلى 17 من القرار الوزيري ل 4 يونيو 1915 على المحافظ واجب تقديم كفالة وذلك بهدف ضمان تسديد التعويض الناجم عن أخطائه الشخصية، إلا أن أحكام هذه النصوص ضلت موقوفة التنفيذ وذلك لسببين رئيسيين هما: عدم صدور نص تنظيمي يحدد مبلغ الكفالة وثانيا لأن وضعية المحافظين النظامية و المالية لا تسمح بتقديم كفالة، وبعد غياب هذه الكفالة وغياب نظام تأمين من شأنه النيابة عن المحافظ في أداء التعويضات الناتجة عن الأضرار التي تسبب فيها أخطاءه، ونظرا من جهة ثانية لعدم قدرة المحافظين على سداد مبالغ التعويض الذي قد تستحق في ذمتهم نتيجة ما يرتكبون من إغفالات أو هفوات فقد أنشأ المشرع بموجب أحكام الفصل 100 من  ظ ت ع صندوق تأمين قصد ضمان أداء المبالغ المالية التي قد يحكم بها القضاء على المحافظين وعجز هؤلاء عن التسديد بسبب إعسارهم، وحتى نستطيع الإحاطة بجميع الأحكام المتعلقة بهذا الصندوق سنعمل على بيان التنظيم القانوني المرتبط به (أ)، ثم سنتطرق لمسطرة إدخال صندوق التأمين في دعوى التعويض (ب).

أ- التنظيم القانوني لصندوق التأمين

  1. الغاية من إحداث صندوق التأمين

حتى يستطيع المتضرر جبر الضرر الذي ألم به جراء خطأ المحافظ المعسر لا يبقى له سوى سلوك أحد الطريقين، فإما أن يدخل الدولة كطرف احتياطي في الدعوى كما سبق التطرق إلى ذلك، أو أن يدخل صندوق التأمين، هذا الأخير الذي أسس له المشرع المغربي من خلال الفصل 100 من ظهير التحفيظ العقاري المعدل و المتمم بالقانون 14.07 والذي نص على مايلي: ” يؤسس صندوق للتأمين الغاية منه أن يضمن في حالة عسر المحافظ العام أو المحافظين على الأملاك العقارية، أداء المبالغ المالية التي قد يحكم بها عليهم لصالح الطرف المتضرر من جراء خطأ في التحفيظ أو في تقييد لاحق”، وبتالي فسواء كان خطأ المحافظ بناء على الفصل 64 – الذي نصت فقرته الثانية صراحة على هذا المقتضى- أو الفصل 72 أو 97 فإن إعسار المحافظ يجعل صندوق التأمين مسؤولا عن جبر الضرر حالة إدخاله احتياطيا من الطرف المتضرر في الدعوى، لهذا فإن الغاية من إحداث هذا الصندوق ليست هي تغطية مسؤولية المحافظ وإنما تغطية عسره، حيث يحل محله في الأداء مع إمكانية الرجوع عليه، وقد يقال بأن من شأن هذا التأمين أن يغري على الإهمال و التقصير مادام إدخال صندوق التأمين مسألة ممكنة، إلا أن الإدعاء بعسر المحافظ ليست مسألة سهلة، بل يتعين إتباع مسطرة تجريد المحافظ من أمواله و ممتلكاته أولا قبل مراجعة الصندوق فالمتضرر يرفع الدعوى ضد المحافظ بصفة أصلية و ضد صندوق التأمين بصفة احتياطية، ويبدو هذا أن المتضرر يصبح أمام مدينين بالتعويض ولكنهما غير متضامنين، فلا يجوز للمتضرر أن يطالب صندوق التأمين بالأداء إلا بعد تجريد المحافظ أولا وإثبات أن ليس لديه ما يحجز. 

  1. تدبير صندوق التأمين

جاء في الفصل 14 من القانون الصادر في 10فبراير 1959 المحدث بموجبه صندوق الإيداع و التدبير مايلي: ” يكلف صندوق الإيداع و التدبير المالي لرؤوس الأموال و المنظمات التالية: … – صندوق التأمين المحدث بمقتضى ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري”.

وهذا يعني أن صلاحيات تلقي أموال صندوق التأمين أصبحت من اختصاص صندوق الإيداع و التدبير منذ سنة 1959 فهو المؤهل وحده لتلقي وتدبير هذه الأموال.

  1. موارد صندوق التأمين

تتمثل موارد صندوق التأمين في الاقتطاعات التي تباشر من الرسوم المتحصلة لفائدة المحافظة العقارية،و المحددة في الفصل 59 من القرار الوزيري المؤرخ في 4 يونيو 1915 بنسبة 15 % قبل أن يتم تعديلها بمقتضى القرار الوزيري المؤرخ في 13 مارس 1933 لتصبح 2% بدل 15 %، ويرى محمد خيري أن هذه النسبة وجب أن تخفض ل 1% نظرا لارتفاعها وعدم تناسبها مع مجموعة من الصناديق ذات الأهمية والتي لا يقتطع لها إلا 1% كصندوق الضمان المخصص لحوادث السير و الصندوق الاجتماعي، إضافة إلى تراكم هذه الأموال مند عقود في هذا الصندوق مع صعوبة التوصل إلى تنفيذ الأحكام الصادرة بشأنها. 

وتجدر الإشارة إلى أن النقص الذي من الممكن أن يطال هذا الصندوق نتيجة تنفيذ حكم يعوض من ميزانية الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية للسنة الموالية لتلك التي وقع فيها النقص، كما أن المشرع قد حدد في الفقرة الثانية من الفصل 100 سقف هذا الصندوق في مئة مليون درهم، إلا أن مبالغ التأمين المحكوم بها لا تؤدى إلا في حدود ثلثي المبالغ الموجودة في صندوق التأمين، أما إذا صدرت في نفس اليوم وكان مجموع المبالغ المحكوم بها يتعدى ثلثي موجودات الصندوق فإن المحكوم لهم يتحاصون في حدود ثلثي تلك الموجودات ( الفصل 62 من قرار 4 يونيو 1915).

  1. تمثيل صندوق التأمين

إن الصلاحيات التي كانت مخولة للخازن العام بموجب الفصل 65 من القرار الوزيري لسنة 1915 بشأن أداء المبالغ المحكوم بها على صندوق التأمين أصبحت من اختصاص القابض العام لمؤسسة صندوق الإيداع و التدبير مادام أن شؤون تدبير أموال صندوق التأمين انتقلت بموجب الفصل 14 منه.

ب- مسطرة إدخال صندوق التأمين 

إن إدخال صندوق التأمين في الدعوى لا يكون بشكل مباشر أو بموجب دعوى مستقلة عن الدعوى المرفوعة في مواجهة المحافظ، و إنما يتعين إدخاله بشكل احتياطي في الدعوى منذ تقديم المقال الافتتاحي لكي تسير هذه الدعوى التكميلية بشكل متزامن مع الدعوى الأصلية ولقد نظمت أحكام القرار الوزيري ل 4 يونيو 1915 إجراء رفع هذه الدعوى و آجالها، ويمكن تلخيص هذه المسطرة في مجموعة من الإجراءات كالأتي:

  • لا يقبل طلبات التعويض في مواجهة صندوق التأمين إلا إذا تمت مقاضاة المتسبب في الضرر بصفة شخصية (ف 60).

  • طلبات التعويض يجب أن تقدم أمام المحكمة الابتدائية التي يقع العقار في دائرتها (ف 60)

  • تسقط دعوى التعويض إذا لم ترفع إلى القضاء داخل أجل سنة من تاريخ التحفيظ أو التقييد الذي تسبب في حدوث الضرر (ف 60).

  • إذا ثبت مسؤولية المحافظ شخصيا وحكم عليه بالتعويض فيمكن أن يحل محله صندوق التأمين في الأداء بعد إثبات إعساره( ف 60) و إثبات العسر يجب أن يكون بمقتضى محضر حجز يفيد بأنه ليس هناك ما يحجز.

  • مطالبة صندوق التأمين بالإدلاء يجب أن تتم داخل ستة أشهر من تاريخ صدور الحكم وصيرورتها نهائيا.

  • مطالبة الصندوق بالإدلاء يجب أن يكون مدعما بنسخة أصلية من الحكم وشهادة من كتابة الضبط تفيد عدم قابلية الحكم لأي طعن ( ف 65).

  • إجراءات طلب تنفيذ الحكم يجب أن تتم لدى القابض العام بصندوق الإيداع و التدبير الذي انتقلت إليه هذه الصلاحيات بموجب الفصل 14 من ظهير 10فبراير المحدث لصندوق الإيداع و التدبير.

إقرأ أيضا :  مباراة المحافظة العقارية / اعادة الترتيب/ الدكتوراه

الفقرة الثانية: آليات أخرى لتلطيف مسؤولية المحافظ

يعد نظام مسؤولية المحافظ بالصيغة التي تنظمه بها النصوص القانونية العامة و الخاصة خطيرا و مقيدا لعمل المحافظ على الأملاك العقارية، حيث أن حرصه على تفادي هذه المسؤولية يؤثر سلبا على قراراته التي تعرقل السرعة المرجوة من مسطرة التحفيظ، ولهذا كان من اللازم البحث عن وسائل من شأنها التليين من مسؤولية هذا الأخير و التخفيف من الآثار المترتبة عنها، وهذا ما سنحاول بيانه من خلال الحديث عن بعض آليات تلطيف مسؤولية المحافظ في إطار القواعد العامة    ( أولا)، لنخصص (ثانيا) للحديث عن بعض آليات تلطيف مسؤولية المحافظ في إطار القواعد الخاصة.

أولا: آليات تلطيف مسؤولية المحافظ في إطار القواعد العامة.

سنحاول من خلال هذا الفرع أن نبين بعض الآليات المتاحة للمحافظ على الأملاك العقارية من أجل دفع مسؤوليته في إطار القواعد العامة ، وتتجلى هذه الأخيرة في القوة القاهرة و الحادث الفجائي (أ)، وفعل المضرور ( ب)، ودعوى الرجوع على المستفيد ( ج)، ودعوى الإثراء بلا سبب ( د).

  1. القوة القاهرة و الحادث الفجائي

 عرف بعض الفقهاء القوة القاهرة بأنها:”  الحادث الذي ليس بالإمكان عادة توقعه أو ترقبه، ولا بالمستطاع دفعه أو تلافيه و الذي يحصل من غير أن يكون للشخص يد فيه فيكون مصدره خارجا عنه”.

 و الملاحظ أن هذا التعريف لم يشر إلى الحادث الفجائي، فهل يعنى هذا بأنه لا فرق بينهما ؟ 

لقد حاول بعض الفقه التمييز بين كل من القوة القاهرة و الحادث الفجائي، حيث أكد على أن الأول لا يمكن توقعه ولا دفعه أما الحادث الفجائي وإن كان لا يمكن دفعه فإنه من الممكن توقعه، وعموما فرغم محاولة إقامة تمييز بينهما إلا أن جميعها باءت بالفشل، حيث تبقى الحدود الفاصلة بينهما غير واضحة وبالتالي فهما وجهان للعملة واحدة.

 وبالتالي فمتى توفرت عناصر القوة القاهرة أو الحادث الفجائي أي عنصر عدم التوقع و عدم القابلية للدفع وعنصر الخارجية، أمكن للمحافظ على الأملاك العقارية الدفع بسقوط مسؤوليته نظرا لانقطاع العلاقة السببية بين الضرر الواقع على المضرور وفعل المحافظ.

 ب- فعل المضرور

في بعض الحالات قد يكون السبب وراء حدوث الضرر خطأ صادر عن المضرور نفسه الذي قد يترك ما كان يجب عليه فعله أو يفعل ما كان يجب أن يمسك عنه وذلك من غير توفر نية إحداث الضرر، كما أنه يمكن أن يكون الضرر ناتجا عن خطأ من جانب المحافظ على الأملاك العقارية اقترن بخطأ آخر صادر عن المضرور ويمكن أن يساهما معا في إحداث الضرر بنسبة متساوية أو متفاوتة.

وفي هذا الصدد يذهب أحد الفقه إلى القول بأن تحقق خطأ المضرور يعتبر سببا في الإعفاء من المسؤولية لأنه يؤدي إلى عدم رابطة السببية ويقطع ركنا من أركان المسؤولية، وبالتالي يعفى منها كليا، أما إذا لم يكن خطأ المضرور سوى سببا من بين أسباب أخرى ساهمت في وقوع الضرر، أو إذا اقترن بخطأ للمحافظ وساهم معه في وقوع الضرر، فإنه لا يترتب عن ذلك سوى إعفاء جزئي للمحافظ من المسؤولية فلا يتحمل سوى ما يطابق ويوازي ما أحدثه خطأه من أضرار.

وبالتالي فإذا كان المضرور قد ارتكب خطأ نتج عنه انقطاع العلاقة السببية بين الضرر وخطأ المحافظ فإن المضرور وحده من سيتحمل تبعة هذا الضرر، أما إذا ثبت أن المحافظ لا يتحمل وحده المسؤولية عن الضرر الذي وقع للمضرور وإنه كانت للمضرور مساهمة في ذلك فإن الأمر يقتضي تشطير المسؤولية وتشطير التعويض في حدود مساهمة كل طرف.

ج- دعوى الرجوع على المستفيد

تجد هذه الدعوى سندها في إطار الفصل 64 من ظ ت ع ، حيث أعطى المشرع صراحة الحق للمتضرر من جراء الأثر التطهيري إثارة مسؤولية المحافظ، فلفظ المدلس جاء مطلقا مما يخول للمتضرر أحقية الرجوع على هذا الأخير لجبر الضرر، وهذا ما جاء في حكم صادر عن إستئنافية الرباط:” وحيث أنه عملا بمقتضيات الفصلين 62 و64 من ظ ت ع  فإن الحق العيني الذي لم يحتفظ به صاحبه وقت جريان مسطرة التحفيظ لا يخول له إلا حق التعويض وفي حالة التدليس فقط …”.

د- دعوى الإثراء بلا سبب

يقصد بنظرية الإثراء بلا سبب أن كل من أثري على حساب الغير دون سند قانوني يلتزم بأن يرد لهذا الغير ما أثري به في حدود ما لحق الغير من خسارة، فإذا استولى شخص على ملك غيره دون أن يكون لهذا الاستيلاء سبب قانوني، وأضافه إلى ملكه ولو بحسن نية، يكون قد أثري دون سبب قانوني على حساب الغير، يلتزم برد أدنى القيمتين: ما أثري به هو، وما أفتقر به الغير.

وتعد دعوى الإثراء بلا سبب طريقة ثانوية يمكن أن يسلكها المتضرر من التحفيظ جراء خطأ المحافظ، وهي دعوى أصلية وليست احتياطية، ولذا فيمكن للمتضرر أن يتمسك بدعوى الإثراء بلا سبب فيقاضي المستفيد من النتائج القانونية و المادية لأخطاء المحافظ من جراء إغفال تضمين أو تقييد أو تقييد احتياطي أو تشطيب بالسجلات العقارية، أو فساد أو بطلان ما ضمن من تقييد أو تقييد احتياطي أو تشطيب بالشهادات ونظائر الرسوم العقارية، بوصفه مثريا دون حق على حسابه من دون سبب يبرر هذا النفع وهذه الاستفادة.

ويجب أن نشير في ختام هذا الفرع، إلى أن لجوء المتضرر إلى دعوى الرجوع على المستفيد من التحفيظ بالتعويض أو دعوى الإثراء بلا سبب تبقى بعيدة عن التطبيق من الناحية العملية وإن كانت ممكنة من الناحية القانونية، فالمزايا التي ستقدمها دعوى الرجوع على المحافظ تبقى أكثر فعالية و حماية للمتضرر، نظرا لإمكانية هذا الأخير إدخال الدولة أو صندوق التأمين في الدعوى لتحل محل المحافظ في أداء التعويض، وهذا ما لا نتصوره في حالة إعسار المستفيدين من التعويض، إضافة إلى صعوبة إثبات تدليس هذا الأخير عكس المحافظ الذي يعد أقل صعوبة بالنظر للالتزامات التي حمله المشرع المغربي بها بموجب فصول ظ ت ع.

ثانيا: آليات تلطيف مسؤولية المحافظ في إطار القواعد الخاصة

إلى جانب القواعد العامة التي يمكن من خلالها تليين مسؤولية المحافظ، توجد بعض الآليات القانونية الخاصة التي من شأنها أن تساعد على التخفيف من مسؤولية المحافظ (أ)، إضافة إلى وجود بعض الوسائل المقترحة من طرف بعض الفقه و التي من شأنها أن تضمن حماية أكبر للمحافظ أثناء أداء وظيفته (ب).

أ– التقادم و تصحيح الأخطاء المادية

1) تصحيح الأخطاء المادية

إن المحافظ على الأملاك العقارية لا يعدوا أن يكون بشرا قابلا لارتكاب أخطاء، فهو ليس ملاكا منزها عن الخطأ، لهذا تدخل القرار الوزيري المؤرخ في 3 يونيو 1915 المتعلق بتطبيق نظام التحفيظ العقاري، ليخفف من مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية حيث نص في الفصل 29 منه على ما يلي:” يمكن لأصحاب الحقوق أن يطلبوا إصلاح ما وقع من السهو أو الغلط أو خلل في الرسم العقاري، كما يمكن للمحافظ أن يصلح من تلقاء نفسه ما ذكر بمجرد معاينته في الرسوم أو الحجج و الخرائط التي اتخذت أساسا في تحرير الرسم أو سائر التضمينات الملحقة به،  وحينئذ يعلم حائز نظير الرسم المذكور ليقع تصحيحه مع الرسم وعلى كل حال فإن التقييدات الأولى تبقى على حالها ويضمن بعدها في التاريخ الجاري.”

ومنه يمكن استنتاج أن في حالة وقوع إغفال أو خطأ أو إخلال في البيانات المقيدة في الرسم العقاري يمكن للأطراف أن يطلبوا من المحافظ القيام بالتصحيح اللازم وهذا التصحيح يتعلق فقط بالإغفالات و الأخطاء التي تقع من جانب المحافظ أثناء تقييد البيانات بالسجلات، أما الأخطاء التي توجد في العقود و المستندات فليست من اختصاصاته تصحيحها مثل ما يتعلق بهوية المفوت و التي لم يتم التحقق منها من طرف السلطات المختصة حسب الفصل 73 من ظ ت ع ، وهنا نجد أن المشرع قد أكد على عدم مسؤولية المحافظ عن أي فساد يقع في هوية الأطراف والذي ضمن بالرسم العقاري التي نصت عليها الفقرة الثانية من الفصل 97 من ظ ت ع .

ويجب أن نشير إلى أن صلاحيات المحافظ في تصحيح الأخطاء و الإغفالات التي يلاحظها من تلقاء نفسه في البيانات المقيدة وذلك بالاستناد إلى الوثائق و الخرائط و التصاميم الهندسية لا يمكن القيام يها إلا إذا كان الإغفال أو الإخلال ناتجا عن خطأ مادي صرف، كأن يذكر المحافظ البيع على أنه كلي بينما هو في الحقيقة جزئي فقط أو العكس، أما الأخطاء التي تمس الجوهر لا تدخل في هذا الإطار.

2) تقادم الدعوى ضد المحافظ

تفاديا لتطويل لن نعيد الحديث عن النقاش الدائر حول آجال تقادم دعوى التعويض،لهذا نحيلكم على ذلك في ما تطرقنا له سابقا، لكن وجب أن نشير هنا إلى أن التمسك بالآجال المقررة في الفصل 64 من القرار الوزاري المؤرخ في 4 يونيو 1915 المتعلق بتنظيم مصالح المحافظة العقارية بحصر مدة تقادم الدعوى التعويض أو بالأحرى انتهاء صلاحياتها خلال السنة الواحدة التي تلي قرار التقييد أو التشطيب الجالب للضرر، و خلال الستة أشهر من تاريخ الحكم القاضي بالتعويض إذا لم يطالب به صاحبه، فيه حماية أكثر للمحافظ من جهة و تطبع دعوى التعويض بالجدية و الصرامة، وذلك بأن لا تكون  الممطالة وطول مدد التقادم وسيلة لتعسف في مواجهة المحافظ.

غير أن الأخذ بهذا الرأي وإن كان يخدم مصالح المحافظ على الأملاك العقارية فهو مجحف في حق المتضرر، ولعل السبب وراء وضع هذا القرار الوزيري هو الظروف الاستعمارية التي كان يعيشها المغرب وذلك من أجل الاستيلاء على عقارات المواطنين دون إعطاء للمتضررين الآجال الكافية للمطالبة بحقوقهم.

ب- بدائل فقهية لتخفيف مسؤولية المحافظ

1) مراجعة نظام الأُثر التطهيري

لا يختلف إثنان على الدور المهم الذي يلعبه مبدأ الأثر التطهيري لرسم العقاري في تحصين الحقوق و حماية المراكز القانونية للأفراد، وقد كرس المشرع المغربي هذا المبدأ في الفصل 62 و 64 من ظ ت ع، تبعه في ذلك القضاء الذي أصر على التأكيد على هذا المبدأ كلما أتيحت أمامه الفرصة، ويرجع السبب وراء تحصين الرسم العقاري الناشئ جراء عملية التحفيظ من الطعن، إلى المراحل الطويلة التي تمر منها عملية التحفيظ كعملية فحص مطالب التحفيظ ودراستها وعملية النشر بالجريدة الرسمية ثم مرحلة التحديد و التي تعطي مساحة وفرصة أكبر لكل طالب حق أن يتقدم بتعرضه للمطالبة بحقه.

إلا أن هذا التوجه في فهم وتطبيق قاعدة التطهير وإن كان يحصن العقار ويضمن استقرار المعاملات ويخدم الأمن العقاري، فإنه مع ذلك يتنافى مع مبادئ الإنصاف و العدالة فهو يؤدي في بعض الحالات إلى ضياع الحقوق وهضمها، لهذا نجد مجموعة من الفقهاء يطالبون بالتخفيف من صرامة هذا المبدأ عملا بنهج مجموعة من التشريعات كالتشريع اللبناني و التونسي اللذان سمحا بالطعن في هذا القرار.

والحقيقة أن هذا الرأي وإن كان سيكسر أحد أهم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام التحفيظ العقاري فأنه يبقى مقبولا نوعا ما، نظرا لأن إضفاء القدسية على قرارات المحافظ قد تؤدي إلى قفل الباب مطلاقا أمام إصلاح بعض الأوضاع التي كان من الممكن إصلاحها لولا وجود هذا المبدأ، والقول بأن التعويض المادي من شأنه أن يجبر الضرر هو أمر نسبي خصوصا فيما يتعلق بالعقارات التي قد تكون ذات قيمة معنوية مهمة عند مالكيها.

2) حق المحافظ في المؤازرة و التأمين

2-1 حق المحافظ في المؤازرة.

لعل من بين الوسائل التي يمكن أن تخفف من شدة مسؤولية المحافظ هي مسألة مؤازرته، حين متابعته و إقرار مسؤوليته، وبالتالي فأمام غياب تنظيم تشريعي يحدد إمكاني مؤازرة المحافظ فإن هذا الأخير يجد وحده يتكبد عناء التداعي أمام الطرف المدعي الذي غالبا ما يكون مؤازرا من طرف محامي متمرس، في حين يجد المحافظ نفسه وحيدا يتحمل العبء المادي و المعنوي للدعوى دون أدنى مؤازرة، مما قد يكون معسرا يتعذر معه تحمل تكاليف الدعوى و صائرها، لذلك يرى أحد الفقه بأنه من أجل تجنيب إثارة مسؤولية المحافظ و الحكم عليه بالتعويض و الذي ينعكس في نفس الوقت على مصلحة صندوق التأمين سلبا إذا عسر المحافظ، فلابد من التفكير في آليات لمؤازرة المحافظ في دعاوى الشخصية الموجهة ضده لأنها في نفس الوقت مؤازرة لصندوق التأمين بشكل غير مباشر.

  1. حق المحافظ في التأمين

يذهب أحد الفقه إلى أنه إسوة بالتأمين من مسؤولية الناقل البري على سبيل المثال فإنه يمكن في ميدان التحفيظ العقاري اللجوء إلى هذا التأمين، إذا كان سيؤدي نفس الأهداف، ولاسيما أن المسؤولية في الحقل العقاري لها آثارها القريبة و البعيدة وهي كالمسؤولية في ميدان النقل البري، تمس الذمة المالية لمرتكب الخطأ المؤدي مباشرة إلى إحداث ضرر بالضحية.

ولقد استحسن نفس الباحث تقليدا تقوم به المحافظة على المستوى المركزي و الذي يتجلى في اقتطاع سنوي من قيمة التعويضات الجزافية للمحافظين على أساس التأمين من مسؤولياتهم، وقد اقترح أن يتوجه بهذا الغلاف المالي الإجمالي لمؤسسة تأمين معينة لتغطية قيمة التعويضات التي يطالب بها المحافظون مهن جراء دعاوى التعويض.

 

خاتمة

حاولنا من خلال هذا العرض إبراز مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية من خلال إظهار أساسها و الآثار المترتبة عنها إضافة إلى بعض الآليات الكفيلة لتخفيف من شدة هذه المسؤولية، ومن خلال بحثنا في هذا الموضوع تراءت لنا مجموعة من الملاحظات و التوصيات سنسوقها كالأتي:

الملاحظات:

– لم يحدد المشرع من المقصود بعبارة التدليس الواردة في الفصل 64 من ظ ت ع .

– قصور تنظيم صندوق التأمين كآلية من شأنها التخفيف من مسؤولية المحافظ.

– ازدواجية الاختصاص القضائي في دعوى مسؤولية المحافظ وما تثيره من إشكالات

التوصيات: 

– أن يتدخل المشرع لتعديل الفصل 64 من  ظ ت ع ليشمل مفهوم التدليس كل من المحافظ و طالب التحفيظ تفاديا لأي تضارب في الأراء.

– إعادة تنظيم صندوق التأمين بكيفية تجعله أكثر فعالية من الناحية الواقعية.

– منح المشرع المغربي الاختصاص النوعي لنظر في دعوى المسؤولية الشخصية للمحافظ لجهة قضائية واحدة وهي المحكمة الابتدائية لارتباط أغلب قرارات المحافظ العقاري بحق الملكية العقارية.

لائحة المراجع

أولا: الكتب 

  • مليكة الصروخ، القانون الإداري، دراسة مقارنة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الرابعة 1998.

  • عبد العالي العبودي، نظام التحفيظ العقاري وإشهار الحقوق العينية بالمملكة المغربية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2003.

  • إدريس الفاخوري ودنيا مباركة، نظام التحفيظ العقاري وفق القانون 14.07، مطبعة دار الجسور، وجدة، طبعة 2014.

  • محمد خيري، العقار وقضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، دار نشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، طبعة 2014.

  • مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء ق.ل.ع المغربي، الجزء الأول “مصادر الالتزامات”، الطبعة الثانية.

  • عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، نظرية الالتزام- مصادر الالتزام الجزء الأول-، مطبعة دار إحياء الثراث القاهرة، طبعة سنة 1953

ثانيا: الأطروحات والرسائل

  • عبد الحفيظ أبو الصبر، مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية والرهون بالمغرب، أطروحة لنيل دبلوم السلك العالي بالمدرسة الوطنية للإدارة العمومية، الرباط 1993-

  • 1992سعاد آيت بلخير، قرار المحافظ على الملكية العقارية بين إمكانية الطعن وحق التعويض، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة، السنة الجامعية 2003-2004.

  • – سكينة البوعامي، المسؤولية المدنية للمحافظ على الاملاك العقارية،رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص،جامعة مولاي اسماعيل،كلية العلوم القانونية و الاقتصادية والاجتماعية،مكناس،2011-2012

  • رضوان درازي، المحافظ بين المسؤوليتين المدنية والإدارية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، السنة الجامعية، 2001،2002.

  • العقاوي عبد العالي، المحافظ على الأملاك العقارية بين الرقابة القضائية والمسؤولية الشخصية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، سنة 2012ـ2013.

  • أنوار دادي، مسؤولية المحافظ على قرارات التحفيظ، رسالة لنيل دبلوم الماستر، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، سنة 2011/2010

  • يوسف أسبول، المحافظ العقاري بين متطلبات الاختصاص وإكراهات المسؤولية، رسالة لنيل دبلوم الماستر، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، سنة 2012-2013.

  • عزيز الزهراوي، الخطأ الشخصي للمحافظ على الأملاك العقارية والرهون”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، سنة 2006-2007.

  • هناء خرشوش، المسؤولية الشخصية للمحافظ العقاري بين النص التشريعي والواقع العملي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول وجدة، سنة 2007-2008.

  • إدريس الفاخوري، مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية، مقال منشور على الموقع ” http://cieersjo.com/2017/07/24 مسؤولية-المحافظ-على-الأملاك-العقارية”.

  • كمال عونة، سلطات المحافظ في مراقبة مستندات التقييد بين المشروعية والرقابة القضائية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، السنة الجامعية 2004- 2003.

ثالثا: المقالات والندوات

  • أقلعي أدريوش عبد القادر، مسؤولية محافظ الملكية في التشريع المغربي، مجلة الملحق القضائي، العدد 29 دجنبر1994.

  • عبد الكريم حيضرة: “المسؤولية الشخصية للمحافظ على الأملاك العقارية”، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 64، شتنبر2005.

  • محمد خيري، الأنظمة العقارية في المغرب – أعمال الندوة الوطنية التي نظمها مركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية بكلية الحقوق- جامعة القاضي عياض- بمراكش يومي 5 و6 أبريل2002، الطبعة الأولى، سنة 2003.

  • حفيظة مقساوي، مسؤولية المحافظ في التشريع العقاري المغربي، مجلة القانون المغربي، العدد 1، يناير2002.

رابعا: المجلات:

  • مجلة المنارة عدد 15.

  • مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 66.

  • مجلة قضاء محكمة النقض عدد 74.

الفهرس

مقدمة    2

المبحث الأول : مسؤولية المحافظ بين القواعد العامة وظهير التحفيظ العقاري    4

المطلب الأول : مسؤولية المحافظ على الأملاك العقارية وفقا للقواعد العامة    4

الفقرة الأولى : المسؤولية المرفقية للمحافظ على الأملاك العقارية    4

الفقرة الثانية: المسؤولية الشخصية للمحافظ على الأملاك العقارية    7

المطلب الثاني : مسؤولية المحافظ في إطار ظهير التحفيظ العقاري    9

الفقرة الأولى : مسؤولية المحافظ في إطار الفصلين 64 و 72 من ظ.ت.ع    9

أولا : مسؤولية المحافظ في إطار الفصل 64    9

ثانيا : مسؤولية المحافظ في إطار الفصل 72    11

الفقرة الثانية : مسؤولية المحافظ في إطار الفصل 97 من ظ.ت.ع    15

أولا : نطاق تطبيق الفصل 97 من ظ.ت.ع    15

ثانيا : أوجه الخطأ الشخصي للمحافظ العقاري طبقا للفصل 97 من ظ.ت ع    16

المبحث الثاني : الآثار المترتبة عن مسؤولية المحافظ و آليات تلطيفها    19

المطلب الأول: دعوى التعويض عن مسؤولية المحافظ    19

الفقرة الأولى : الجهة القضائية المختصة بالبت في الدعوى    19

أولا ـ الاختصاص النوعي    19

ثانيا ـ الاختصاص المكاني    22

الفقرة الثانية : المسطرة المتبعة في دعوى مسؤولية المحافظ وجزاءها    24

أولا : المسطرة المتبعة في دعوى مسؤولية المحافظ    24

ثانيا : جزاء دعوى المسؤولية    30

المطلب الثاني :  الوسائل القانونية الكفيلة بتخفيف مسؤولية المحافظ الشخصية    31

الفقرة الأولى : دعوى الحلول    32

أولا: حلول الدولة محل المحافظ في أداء التعويض    32

ثانيا: حلول صندوق التأمين محل المحافظ في أداء التعويضات    34

الفقرة الثانية: آليات أخرى لتلطيف مسؤولية المحافظ    38

أولا: آليات تلطيف مسؤولية المحافظ في إطار القواعد العامة.    38

ثانيا: آليات تلطيف مسؤولية المحافظ في إطار القواعد الخاصة    41

خاتمة    46

لائحة المراجع    47

الفهرس    49

من انجاز الطلبة: سفیان یاسین، عثمان مزيوقا ، اسماعيل الزروالي، نادیر عصام .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى