أخر الاخبار


مقدمة

تقوم التأمينات العينية مند العصور القديمة بدور مهم في تشجيع الائتمان وتنشيطه ، إذ قلما نجد في التعامل من يقبل منح الغير ما يحتاج إليه من مال و أجل بغير ضمان كاف يؤمنه من خطر إعسار المدين ، ويضمن له الوفاء بماله كاملا .

فالتأمينات العينية تقوم على تخصيص مال أو أموال معينة لضمان الوفاء بدين الدائن ، وتبعث الثقة في  نفس هذا الأخير وتشجعه على منح المدين ما هو في حاجة إليه من دين عن طريق إحدى الضمانات القانونية .

 واذا كان الأصل أن أموال المدين تعتبر ضمانا عاما لدائنيه وهو ما ينص عليه الفصل 1241 من قانون الالتزامات والعقود إذ جاء فيه  أن  : " أموال المدين تعتبر ضمانا عاما لدائنيه ، ويوزع ثمنها عليهم بنسبة دين كل واحد منهم ... "فان  نفس الفصل  أورد استثناء على  هذا الأصل وذلك بقوله : " ما لم توجد بينهم أسباب قانونية للأولوية  " .

ومن أبرز الضمانات العينية  التي تخول للدائن حق الأولوية في استيفاء دينه نجد الرهن الرسمي ، وقد نظمه المشرع المغربي في المواد من 165 إلى 213 من القانون  39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية .

  وهذا الأخير  عند قيامه على وجه قانوني صحيح تنتج عنه مجموعة من الآثار سواء بالنسبة للمتعاقدين ، أي الراهن والمرتهن ،  أو بالنسبة للأغيار ، كما أنه  ينقضي  بما ينقضي به الدين المضمون شأنه في ذلك  شأن باقي التأمينات العينية ، وقد ينقضي بصفة أصلية ومستقلة عن الدين المضمون الذي يبقى قائما ، كما قد ينقضي بصفة تبعية .

وبناء على ما سبق تراءت لنا إشكالية مفادها مامدى نجاعة الرهن الرسمي كضمانة عينية في تشجيع الائتمان وحماية أطرافه في مواجهة بعضهم البعض ،و إلى أي حد تتجلى هذه النجاعة من خلال الآثار المترتبة عليه، و الطرق  المحددة لانقضائه في كل من قانون الالتزامات و العقود و مدونة الحقوق العينية .                                                 

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة لعل أهمها: 

ما هي آثار الرهن الرسمي بالنسبة للدائن المرتهن و المدين الراهن و الغير على حد السواء؟

ما هي الطرق التي ينقضي بها هذا الرهن بين قانون الالتزامات و العقود ، و مدونة الحقوق العينية ؟


و إجابة عن هذه الأسئلة  ارتأينا تقسيم هذا الموضوع إلى مبحثين :

المــــبحث الأول: آثار الرهن الرسمي .

المـــبحث الثاني: انقضاء الرهن الرسمي.




















المبحث الأول :آثار الرهن الرسمي .


   نصت المادة 165 من م ح ع على أن "الرهن الرسمي حق عيني تبعي يتقرر على ملك محفظ أو في طور التحفيظ و يخصص لضمان أداء دين ". 

     ويترتب عن الرهن الرسمي الذي نشأ مستوفيا لأركانه آثارا قانونية سواء بالنسبة للمتعاقدين (المطلب الأول)، أو بالنسبة لغير المتعاقدين –علاقة الدائن بالغير- (المطلب الثاني).

المطلب الأول : آثار الرهن الرسمي بالنسبة للمتعاقدين.


    باعتبار عقد الرهن الرسمي  عقدا ملزما لجانبين ، فإنه يرتب آثارا بالنسبة للمتعاقدين سواء بالنسبة للراهن (الفقرة الأولى ) أو بالنسبة للدائن المرتهن (الفقرة الثانية).


الفقرة الأولى :آثار الرهن بالنسبة للمدين الراهن.


     ينص المشرع المغربي في المادة 187 من القانون 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية على أنه :"يبقى الملك المرهون تحت يد الراهن يستعمله و يستغله و يتصرف فيه دون المساس بحقوق الدائن المرتهن ".

        وحسب المادة أعلاه فإن الراهن يحتفظ بحيازة العقار المرهون و بالتالي تبقى له كافة السلطات التي يخولها له حق الملكية حيث يقوم بالتصرف في العقار و استغلاله واستعماله غير أن بقاء الحيازة في يده تستلزم منه حماية حقوق الدائن المرتهن قبل حلول الأجل . ومادام العقار المرهون رهنا رسميا يبقى في حوزة الراهن ، فإن هذا الأخير هو الذي يعتبر حارسا للعقار، ويتحمل مسؤولية الأضرار الناجمة عن العقار، حسب الفصول 88 و 89 من ق ل ع  . 

         و على اعتبار أن الرهن الرسمي كما سبق القول لا يحرم الراهن من التمتع بسلطات الملكية ، فالراهن له الحق في استعمال العقار المرهون بأي وجه من أوجه الاستعمال ، كما كان يستعمله قبل الرهن ، فإذا كان منزلا فله الحق في الاستمرار في السكن فيه و إذا كان أرضا فله أن يزرعها على أن حقه في الاستعمال يبقى مقيدا بقيد وحيد هو الحفاظ على الضمان . إضافة إلى أن للراهن الحق في استغلال الأرض بنفسه ،أو بواسطة الغير و بالتالي الحصول على ما يغله  هذا العقار من ثمار سواء كانت طبيعية أو صناعية ، أو مدنية  ، كما له الحق أيضا في أن يتصرف في هذا العقار وذلك بتفويته للغير ، إلا  انه في هذه الحالة يبقى للدائن المرتهن حق تتبع هذا العقار في يد من آل إليه .

 وهذا ما ذهبت إليه محكمة النقض في إحدى قراراتها  إذ جاء فيه : "أن الراهن يبقى مالكا للعقار وله كامل الحق في التصرف في العقار المرهون ،أو استعمال، أو استغلال" وهذا الحق يبقى قائما لضمان الوفاء بالدين ، أما في حالة عدم الوفاء فإن للراهن حق إدارة الملك المرهون و الحصول على غلته إلى أن يباع وذلك حسب مقتضيات المادة 188 من م ح ع 

        مع الإشارة إلى أنه لا يجوز للدائن المرتهن أن يشترط على الراهن عدم جواز التصرف في العقار المرهون على النحو المتقدم ، ولايجوز أن يقيده اتفاق مع الدائن المرتهن ، و يكون باطلا تعهد الراهن للدائن المرتهن بألا يتصرف في العقار المرهون.

       وكما سبق القول فإن ملكية العقار تظل في حيازة الراهن في الرهن الرسمي لذلك يتعين عليه أن يضمن الملك المرهون و المحافظة عليه و عدم القيام بأي عمل من شأنه إنقاص قيمة العقار، حيث يعد مسؤولا عن سلامته كاملا حتى الوفاء بالدين ، و للمرتهن أن يعترض على كل نقص و أن يتخذ من الإجراءات ما يحفظ حقه على أن يرجع على الراهن بما أنفق ، فالتزام المدين بضمان سلامة الرهن هو وسيلة وقائية لمنع الإنقاص من قيمة العقار المرهون، أما إذا أخل الراهن  بهذا الالتزام ونتج عن ذلك هلاك أو تعيب العقار المرهون كان للمرتهن أن يطلب الوفاء بدينه فورا أو تقديم ضمان كاف لذلك الدين . وهذا ما نصت عليه المادة 190 من م ح ع على أنه "إذا هلك الملك المرهون أو تعيب بخطأ من الراهن كان للمرتهن أن يطلب وفاء دينه فورا أو تقديم ضمان كاف لدينه".

      إلا أنه ما يعاب على المشرع المغربي هو عدم تمييزه للهلاك و التعييب الناتج عن خطأ الراهن ، و الهلاك و التعييب الناتج عن فعل الغير.  

      و نص المشرع المغربي كذلك في المادة 191 من م ح ع على أنه "ينتقل حق الدائن المرتهن عند هلاك المرهون أو تعيبه أو نزع ملكيته لأجل المنفعة العامة إلى المال الذي يحل محله كمبلغ التأمين أو التعويض أو مقابل نزع الملكية ، و للمرتهن أن يستوفي حقه من هذه الأموال وفقا لمرتبته ".

          يتضح من خلال ما سبق على أن آثار الرهن بالنسبة للراهن تنقسم إلى حقوق و التزامات ،ومن الحقوق التي يتمتع بها المدين الراهن في الرهن الرسمي الحق في استعمال كافة السلطات التي يخولها حق الملكية من تصرف و استغلال و استعمال ، كما أنه يلتزم بضمان سلامة الرهن و تحمل مسؤولية هلاكه.

  الفقرة الثانية: آثار الرهن بالنسبة للدائن المرتهن .

     خصص المشرع المغربي لأثار الرهن الرسمي بالنسبة إلى الدائن المرتهن المواد من  192 إلى196 من  م ح ع .

     فأجازت المادة 192 من م ح ع للمرتهن أن يستوفي دينه من ثمن الملك المرهون بعد بيعه وفقا للإجراءات المنصوص عليها في القانون و ذلك حسب مرتبته.

       من خلال المادة أعلاه يتضح أن الدائن المرتهن يتقدم للتنفيذ على العقار المرهون لاستيفاء حقه ،عند حلول أجل هذا الحق ، و لم يدفع له المدين الدين المضمون بالرهن الرسمي ، فيتقدم الدائن المرتهن ، لاستيفاء دينه ، بصفته دائنا مرتهنا. 

فالدائن المرتهن يستوفي حقه من الملك المرهون طبقا للإجراءات القانونية، فيطلب بيعه في المواعيد ووفقا للأوضاع المقررة في القانون.وهو باعتباره دائنا يتقدم في استيفاء حقه من الملك المرهون بحسب مرتبته، بل وله حق تتبع هذا الملك ، وتنتهي الإجراءات إلى بيع الملك المرهون جبرا في المزاد العلني، بصفة قانونية،. 

       أما المادة  195 من م ح ع تنص على أنه " يكون باطلا كل شرط يرمي إلى بيع الملك المرهون دون إتباع الإجراءات القانونية المقررة ،غير أنه يمكن بعد حلول أجل أداء الدين أن يتفق المدين مع دائنيه على بيع الملك المرهون دون إتباع هذه الإجراءات ."

 يتضح من خلال هذه المادة  أن المشرع منع اشتراط كل بيع للملك المرهون دون اتباع الإجراءات المقررة قانونا على أنه عند حلول الأجل وعدم الوفاء بالدين يجوز بيع الملك المرهون دون إتباع الإجراءات القانونية المتعلقة بالبيع بالمزاد العلني ،المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية في الفصول من 469 إلى 487 ، و كل اتفاق بين الراهن والمرتهن على بيع العقار المرهون ، عند حلول أجل الدين و عدم الوفاء ، دون إتباع الإجراءات التي فرضها القانون في البيوع الجبرية، وسواء عقد هذا الإتفاق عند عقد الرهن الرسمي أو عقد بعد إبرام الرهن،فإنه يكون باطلا في الحالتين،ويقتصر أثر البطلان هنا أيضا على الشرط نفسه، ويبقى عقد الرهن الرسمي صحيحا، مالم يكن هذا الشرط هو الدافع للدائن المرتهن على التعاقد فيبطل الشرط و الرهن معا .

        أما بعد حلول أجل الدين فإن الإتفاق على بيع الملك المرهون دون إتباع الإجراءات القانونية المتعلقة بالبيع الجبري، يكون اتفاقا صحيحا، وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 195 من م ح ع ،"غير أنه يمكن بعد حلول أجل أداء الدين أن يتفق المدين مع دائنيه على بيع الملك المرهون دون إتباع هذه الإجراءات". 

كما أنه يحق للمرتهن إن لم يستوف دينه من ثمن الملك المرهون بعد بيعه،الرجوع في ما بقي من دينه على أموال المدين كدائن عادي.

       فللدائن المرتهن أن ينفذ على عقارات المدين و منقولاته ويجب أن يتقيد في ذلك بقيدين:أولا ألا ينفذ على عقار أو عقارات تكون قيمتها أكثر بكثير من حقه، ثانيا ألا ينفذ الدائن على أموال المدين غير المرهونة إلا إذا كان العقار المرهون لا يفي بالدين. 

      وقد يحدث أن يتفق الدائن المرتهن مع الراهن أثناء إبرام العقد ،على أنه في حالة عدم أداء الدين من طرف المدين، يصبح العقار المرهون ملكا للدائن.إلا أن السؤال الذي يطرح هو مدى جواز الإتفاق على هذا الشرط في العقد ؟

             إذا حل أجل الدين ولم يقم المدين بالوفاء به ،فلا يحق للدائن أن يمتلك مباشرة المال المرهون ، لأن المشرع المغربي نص صراحة في المادة 194 من م ح ع على أنه كل شرط من شأنه أن يسمح للدائن المرتهن عند عدم الوفاء له بدينه أن يتملك الملك المرهون يكون باطلا سواء تم النص عليه في صلب العقد أو في عقد لاحق .

        والملاحظ أن هذا البطلان إنما يقتصر على الشرط الوارد في صلب العقد ، أما عقد الرهن فيبقى صحيحا و قائما ،لكن ليس هناك ما يمنع المدين من الإقرار بصحة الشرط عند حلول أجل الدين بالرغم من انتفاء النص ، لأن الحكمة من منع هذا الشرط تنتفي عندئذ، حيث تنعدم شبهة استغلال الدائن المرتهن لحاجة المدين الراهن ، فيصبح قادرا على تقريرها في مصلحته . 

        أما فيما يتعلق بمدى جواز الجمع بين دعوى أداء الدين و دعوى تحقيق الرهن الرسمي، فإن مواقف الفقه و القضاء تختلف فهناك من يقر بجواز الجمع بين الدعويين و هناك من يرفض الجمع .

         فبالنسبة للاتجاه المؤيد لإمكانية الجمع بينهما فإن هذا الاتجاه يستند على القاعدة العامة القائلة بأن أموال المدين ضمانا عاما لدائنيه ، وفي هذا الصدد نشير إلى قرار صادر عن محكمة  الاستئناف التجارية بالدار البيضاء،الذي جاء في إحدى حيثياته أنه "لكن حيث أنه حسب الفصل 1241 من ق ل ع م هو أن أموال المدين ضمان عام لدائنه يوزع ثمنها عليهم بنسبة دين كل واحد منهم ما لم توجد بينهم أسباب قانونية للأولوية، الأمر الذي يستفاد منه أن للدائن الحق في اتخاذ جميع الإجراءات القانونية الكفيلة بضمان استيفاء دينه في مواجهة مدينه بما في ذلك إيقاع الرهون و الحجوز على أموال هذا الأخير دون إمكانية المطالبة بضرورة إثبات عدم كفاية الرهون لتسديد دين الدائن من أجل الاستجابة لطلب إجراء الحجز. 

      و بالنسبة للاتجاه الرافض للجمع بين الدعويين فإن مؤيدوا هذا الإتجاه ،حسب نظرهم أن الدائن المرتهن لا يحق له التنفيذ على أموال مدينه ،إلا عند عدم كفاية ثمن بيع الأموال المرهونة. 

        وفي وجهة نظرنا فإنه لا يحق الجمع بين الدعويين لأن المشرع المغربي نص صراحة في المادة 193 من م ح ع على أنه إذا لم يف ثمن الملك المرهون بأداء الدين كان للدائن المرتهن الرجوع في ما بقي من دينه على أموال المدين كدائن عادي .

وفي الأخير تبقى الإشارة إلى أن المشرع نص في المادة 196 من م ح ع على أنه "إذا كان الراهن كفيلا عينيا فلا يجوز استيفاء الدين من غير ثمن الملك المرهون وليس للكفيل العيني أن يتمسك بحق تجريد المدين ".





     المطلب الثاني: آثارالرهن الرسمي في علاقة الدائن مع الغير.


يعتبر تقييد الرهن الرسمي في الرسم العقاري الإجراء الذي يحتمي به الدائن لأن هذا التقييد هو الذي يصبغه بصفة الحق العيني، وتبرز أهميته أساسا في إقرارحق الأولوية للدائن (الفقرة الأولى)،إضافة إلى ميزة تتبع العقار المرهون في يد من انتقل إليه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى:حق الأولوية في استيفاء الدين من ثمن التملك 

إن الهدف الرئيسي الذي يسعى إليه كل دائن مرتهن من خلال الضمان العيني عموما، هو تخويله سلطة استيفاء حقه من محل الضمان، وذلك بالتقدم على غيره من دائني المدين العاديين منهم أو المرتهنين الدين يأتون من بعده.

أما في حالة تعدد الدائنين أصحاب الرهن فتكون الأولوية حسب الأسبقية في تقييده ، وذلك ما نصت عليه  المادة 77 من القانون  14.07 المتعلق بالتحفيظ العقاري :"يحدد ترتيب الأولوية بين الحقوق المتعلقة بالعقار الواحد حسب ترتيب تقييدها..."

وبهذا يكون المشرع قد أخد بقاعدة عامة  تنظم مسألة التزاحم التي تطرأ عند تعدد الدائنين، ومن مقتضى هذه القاعدة أن الدائن الذي قيد حقه على العقار، يتقدم على الدائن العادي في جميع الأحوال ، وعليه فحين يتزاحم دائن مرتهن سجل حقه مع دائن اخر كالدائن العادي أو دائن مرتهن لم يسجل حقه، فإن الأولوية تكون للدائن صاحب الحق المسجل في جميع الأحوال، حتى لو كان تاريخ نشوء حقه لاحقا على تواريخ نشوء حقوقهم.

  فإذا  كانت أسبقية الدائنين على أساس تاريخ التقيد حسب القاعدة الأسبق في التقيد أسبق في الحق، فإنه يطرح إشكال في الحالة التي تكون فيها الرهون الرسمية في مرتبة واحدة ومسجلة في نفس اليوم؟

 نشير في هذا الصدد أن الأسبقية في القيد لا تكون بحسب اليوم فقط، بل أيضا بحسب الساعة التي أجري فيها تقييد الرهن، ففي الحالة التي تكون فيها الرهون الرسمية في مرتبة واحدة ومسجلة في آن واحد، ويكون ثمن العقار غير كاف للوفاء بالديون جميعا ، فإن الدائنين المرتهنين ذي الرتبة الواحدة يتحاصون الثمن الذي يوزع عليهم بنسبة مبلغ دين كل واحد منهم .

إلا أن هناك استثناءات ترد على  القاعدة التي تقر أن السابق في التقييد سابق في التقدم عند التوزيع، وهذه الاستثناءات قد تكون بنص القانون كأن يهدم المشرع هذه القاعدة لصالح دائن معين على أن يكون صاحب حق عيني ،فيمنحه حق الأولوية على سائر أصحاب  الحقوق المسجلة أو على بعضها ، وهي ما يعبر عنها بحقوق الإمتياز، المنصوص عليها في الفصل 1244 من ظهير الإلتزامات والعقود بقوله أن :" الدين الممتاز مقدم على كافة الديون الأخرى ولو كانت مضمونة برهون رسمية. .."

كما تنص المادة 144 من  مدونة الحقوق العينية على أن :" الديون التي لها وحدها امتياز على عقارات المدين هي :

  • المصاريف القضائية لبيع الملك بالمزاد العلني و توزيع ثمنه.

  • حقوق الخزينة كما تقررها و تعينها القوانين المتعلقة بها ."

وقد يتم تقييد حق الأسبقية بإرادة الأطراف، وذلك بالتنازل عن مرتبة الرهن وهو أن يتخلى الدائن المرتهن عن رتبة رهنه إلى دائن أخر وهو ما نصت عليه المادة 198 من مدونة الحقوق العينية :"يمكن للدائن المرتهن الذي لم يستوفي دينه أن يتنازل عن رتبة رهنه بمقدار دينه لدائن مرتهن أخر على نفس الملك المرهون دون مساس بحق الدائنين المرتهنين الموالين له في الرتبة."

ولإعمال حق التنازل يشترط في ذلك:

أن يتم لمصلحة دائن أخر له رهن مقيد على ذات العقار لكون التنازل عن مرتبة الرهن يفترض وجود أكثر من دائن مرتهن على نفس العقار.

يجب أن يكون الدائن الذي حل في المرتبة الأولى له دين أكبر من حق الدائن الأخر .

وتتضح أهمية فكرة الحلول في أن يكون للدائن المرتهن رهن على عدة عقارات وكان أحدهما يكفي للوفاء بحقه، فيقوم هذا الدائن بالتنازل عن مرتبته على تلك العقارات لفائدة دائن مرتهن متأخر في المرتبة ، دون أن يعني ذلك تنازله عن حقه المضمون بالرهن أو حتى نزوله عن حق الرهن ذاته.

أما إذا كان التنازل باطلا أو أبطل لسبب يتعلق بعيب في الشكل أو في الموضوع فلا يؤدي ذلك إلى استبعاد حقوق المتنازل أو المتنازل له عند التوزيع بل يتم التوزيع حسب مرتبة كل منهم قبل التنازل حيث يعتبر التنازل كأن لم يكن

وفي الأخير نشير إلى أن حق الأولوية في حالة هلاك العقار المرتهن يتحول إلى تعويض عن التأمين في الحالة التي يكون فيها العقار مؤمن عليه، أو تعويض عن الضرر في حالة ثبوت المتسبب في الهلاك.


الفقرة الثانية : حق التتبع 

يكتسب الدائن المرتهن بالإضافة إلى حق الأولوية حق التتبع ، وهو حق يكتسبه  كل دائن مرتهن كيفما كانت مرتبته في القيد بالسجل العقاري، وتظهر ميزة هذا الحق في أن الراهن يمكنه التنفيذ على المال المرهون بين يدي الغير الذي آلت إليه الملكية أو أي حق متفرع عنها .

والمادة 199من مدونة الحقوق العينية تنص على أنه:"للدائن المرتهن رهنا رسميا حق تتبع الملك المرهون في يد أي حائز له لإستيفاء دينه عند حلول أجل الوفاء به."

فالدائن المرتهن قد يفاجأ حينما يلجأ للتنفيذ على المرهون بأن ملكية هذا المرهون قد خرجت من يد الراهن ، أو نشأ عليه لمصلحة الغير حق من الحقوق العينية المتفرعة عن حق الملكية ،فعندئذ لا يجد الدائن المرتهن أن يقوم بالتنفيذ على المال المرهون ضد الراهن طالما أن المرهون قد خرج من يد هذا الأخير بل لابد من التنفيذ على المال المرهون بين يدي من انتقل إليه حق  ملكية هذا المال، أو نشأ لمصلحته حق عيني متفرع عن هذا الحق

ولإعمال حق التتبع من قبل الدائن المرتهن يجب التوفر على بعض الشروط وهي :

ـ حلول أجل الدين المضمون .

ويشترط لممارسة حق التتبع أن يكون أجل الدين المضمون قد حل وهذا ما أقره الفصل 185 من مدونة الحقوق العينية وهذا الشرط ما هو ألا تطبيق للقواعد العامة التي تقضي بعدم إمكانية التنفيذ بمقتضى حق مؤجل.

ـ ضرورة نفاذ حق الرهن الرسمي.

ويعني هذا الشرط أن يكون الرهن الرسمي مقيدا في السجل العقاري حتى ينفذ في مواجهة الغير ،وأن يكون تقييده قد تم قبل تقييد حق الحائز على العقار المرهون، أما إذا تأخر الدائن في تسجيل الرهن، وكان المتصرف إليه قد سجل حقه الذي اكتسبه على العقار المرهون فإن حق الرهن يزول من أساسه لأن العقار قد انتقل إلى المتصرف إليه خاليا من كل حق عيني عليه لعدم تسجيله مسبقا ويصبح الدائن الذي تأخر في تسجيل رهنه مجرد دائن عادي.

ـ ألا يكون قد ترتب على التصرف الذي نقل ملكية المرهون إلى الحائز زوال حق التتبع.

حتى يستطيع الدائن المرتهن مباشرة سلطة التتبع في مواجهة من انتقل إليه حق ملكية المرهون أو أي حق متفرع عنها مما يخول سلطة التتبع، ألا يكون التصرف الذي اكتسب بمقتضاه الحائز حقه مؤديا إلى سلب حق الدائن المرتهن ومانعا له من تتبعه كما لو نزعت ملكية المرهون لأجل المنفعة العامة حيث يمتنع على الدائن عندئذ تعقب العقار في يد الجهة التي انتزعت ملكية العقار أو في مواجهة الجهة التي استفادت منه.

ـ أن يكون العقار المرهون بيد الحائز.

حق التتبع للدائن المرتهن لا يكون إلا ضد الحائز للعقار، وحتى يواجه الحائز يجب أن يكون قد قيد العقد المنشئ لحيازته بالسجل العقاري ، إذ بدون هذا التسجيل يعتبر العقار بحيازة المدين الراهن، وقد منح المشرع للغير الحائز عدة وسائل تعزز مركزه القانوني كحائز لعقار مثقل برهن ،وهذا ما يصطلح عليه بخيارات الحائز  فإذا تتبع الدائن المرتهن العقار المرهون في يد الحائز و للحائز الخيار بين ثلاثة حلول وهي :
ـ الوفاء بالدين 

ـ التخلي عن العقار

ـ ترك الدائن المرتهن يتابع إجراءات نزع الملكية الجبري













المبحث الثاني : انقضاء الرهن الرسمي


الرهن الرسمي حق عيني تبعي يقوم  بمقتضى وجود دين ويتبعه في وجوده وعدمه ، وقد نصت مدونة الحقوق العينية على حالات انقضاء هذا الرهن في المادتين 212 و 213 ،ولهذا قد ينقضي الرهن  الرسمي بصفة أصلية مع بقاء الدين المضمون قائما )المطلب الأول(  وقد ينقضي الرهن بصفة تبعية ،أي  تبعا لانقضاء الدين المضمون) المطلب الثاني(.

المطلب الأول  : انقضاء الرهن الرسمي بصفة أصلية 


ينقضي الرهن  بصفة أصلية بمجموعة من الأسباب ، فهو ينقضي برفع يد الراهن المرتهن عن الرهن أو بهلاك المال المرهون ) الفقرة الأولى( كما أنه ينقضي ببيع المرهون بيعا جبريا بالمزاد العلني )الفقرة الثانية (

الفقرة الأولى : انقضاء الرهن برفع يد الدائن عن الرهن، وبهلاك المال المرهون 


تنص المادة 212 من مدونة الحقوق العينية على أن الرهن الرسمي :" ينقضي في الحالات التالية : ...برفع يد الدائن المرتهن عن الرهن ، بهلاك الملك المرهون هلاكا كليا.. "

فقد ينقضي الرهن الرسمي برفع يد الدائن المرتهن عن الرهن ، وذلك إما باتفاق  بين الطرفين او بتنازل الدائن عن الرهن :

  •  حالة الاتفاق : في هذه الحالة ينقضي الرهن مع بقاء الدين المضمون وذلك باتفاق طرفي عقد الرهن والتشطيب عليه من السجل العقاري ، وقد يكون هذا الاتفاق إنهاء لعقد الرهن مقابل ضمانات أخرى كأن، يعرض المدين الاستعاضة على الرهن  بالكفالة الشخصية أو رهن منقول وموافقة الدائن على هذا العرض .

وقد يرد الاتفاق على زوال الرهن في عقد الرهن نفسه ، كما لو ارتبط وجود الرهن  بشرط فاسخ ، أو قد يرد في عقد لاحق لعقد الرهن ، وفي الحالتين لا يكون لزوال الرهن مفعول إلا بترقيم قيده بالسجل العقاري .

  • حالة التنازل : يحق للدائن المرتهن التنازل عن حقه في الرهن الرسمي ، وذلك دون  التنازل عن الدين بحيث يصبح الدائن في هذه الحالة دائنا عاديا له ضمان عام على أموال مدينه .

كما أنه قد يتنازل الدائن المرتهن عن الرهن مقابل ضمان آخر كالكفالة الشخصية أو الرهن الحيازي ، وإذا كان الرهن الرسمي جبريا فان التنازل عنه يجب أن يتم أمام المحكمة التي قررته .

وقد يكون التنازل إما صراحة أو ضمنا ، فإذا كان التنازل الصريح لا يطرح إشكالا ، فإن التنازل الضمني خلاف ذلك، فإذا حل أجل الدين ورفض الدائن استيفاءه ولجأ المدين إلى إجراءات العرض الحقيقي و الإيداع ، فهذا التصرف إذا ما أنجز على وجه صحيح أمكن للمدين اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم بانقضاء الرهن إذا كان العقار غير محفظ ، أو إلى المحافظ العقاري للحصول على قرار التشطيب إذا كان العقار محفظا .

بالإضافة إلى انقضاء الدين برفع يد الدائن عن الرهن ، فقد ينقضي هذا الأخير بهلاك الشئ المرهون هلاكا كليا مع بقاء الدين وفوائده ، والعبرة هنا بالهلاك الكلي ، أما إذا كان الهلاك جزئيا فلا ينقضي الرهن بل يبقى قائما على ما بقي من الشئ المرهون ، ويكون المدين ضامنا للدين كله عملا بقاعدة عدم تجزئة الرهن .

فقد يهلك العقار المرهون بأن يحترق أو تنتزع ملكيته لأجل المنفعة العامة، عند ذلك ينقضي حق الرهن الرسمي لزوال محله.

وقد نص المشرع المغربي في المادة 191 من مدونة الحقوق العينية على أنه: " ينتقل حق الدائن المرتهن عند هلاك الملك المرهون أو تعييبه أو نزع ملكيته لأجل المنفعة العامة إلى المال الذي يحل محله كمبلغ التأمين أو التعويض أو مقابل نزع الملكية، وللمرتهن أن يستوفي حقه من هذه الأموال وفقا لمرتبته ".

وإذا كان المرهون حق انتفاع وهلك العقار، انقضى هذا الحق بهلاك العقار المنتفع به آو بانقضاء مدته فينقضي حق الرهن .

وتجدر الإشارة إلى أن الراهن يلتزم بضمان فعالية الرهن ، ولا يحق له إتيان أي فعل ينقص من قيمة الشئ المرهون أو تصرف مادي آو قانوني يحول دون استفادة المرتهن من حق الرهن ، ولهذا فإذا أخل المدين بهذا الالتزام جاز للمرتهن الدائن أن يطالب بسقوط أجل الدين ودفعه فورا ، مما يعني أن الدائن المرتهن قد فسخ الرهن فانقضى بصفة أصلية .

الفقرة الثانية : انقضاء الرهن الرسمي عن طرق البيع بالمزاد العلني


بالإضافة إلى الحالتين السابقتي الذكر لانقضاء الرهن الرسمي بصفة  أصلية ، هناك حالة أخرى ينقضي بها ، وهي بيع العقار المرهون في المزاد العلني  نتيجة للتنفيذ عليه .

فإذا طلب الدائن المرتهن بيع العقار المرهون وفق ما نص عليه القانون فإن هذا البيع ينهي الرهن ، وفي هذا الصدد تنص المادة 213 من م .ح.ع  على أنه  :" ينقضي الرهن ببيع الملك بيعا جبريا في المزاد العلني وفق للإجراءات المنصوص عليها في القانون ".

وقد نص المشرع على هذه الإجراءات في م.ح.ع في القسم الثالث تحت عنوان الحجز والبيع الجبري للعقارات وهي على الشكل التالي :

أ- حصول الدائن المرتهن على شهادة خاصة بتقييد الرهن لفائدته مسلمة له من طرف المحافظ على الأملاك العقارية ، وهو ما نصت عليه المادة 214 من نفس المدونة 

ب- توجيه الدائن المرتهن إنذارا بواسطة العون المكلف بالتنفيذ للمدين الأصلي وللحائز لأداء الدين أو التخلي عن الملك المرهون داخل 15 يوما من تاريخ التوصل به حسب  المادة 215 من م.ح.ع .

ج- يجب أن يتضمن الإنذار المشار إليه أعلاه اسم  المالك المقيد ،  واسم الملك المرهون ، وموقعه ومساحته ومشتملاته ، ورقم رسمه العقاري  وفق ما نصت عليه المادة 216 من م.ح.ع .

فحسب مقتضيات هذه النصوص  يجب أن يحصل الدائن المرتهن على شهادة لتقييد الرهن من المحافظة العقارية ، ثم توجيه إنذار بواسطة العون المكلف بالتنفيذ من أجل أداء الدين أو إخلاء الملك المرهون ، وفي حالة امتنع المدين أو عجز عن أداء ما بذمته للدائن المرتهن ، يكون هذا الأخير مضطرا لسلوك إجراءات التنفيذ ، بمعنى أن  توجيه هذا الإنذار إلى المدين أو كفيله أو الحائز دون أن تكون هناك استجابة من طرفهم ، يكون للدائن المرتهن بعد انصرام  المهلة الممنوحة لهم قصد تحديد موقفهم الحق في  أن ينتقل إلى المرحلة الموالية والهادفة إلى وضع العقار تحت تصرف القضاء ، وذلك بتقديم طلب كتابي إلى كتابة ضبط المحكمة مصدرة القرار ملتمسا فيه تحويل الإنذار العقاري إلى حجز عقاري.

فالحجز يجرى لدى المحافظة العقارية أو بتسجيله بالرسم العقاري ، ويتم تبليغها بالأمر ومقال الحجز ونسخة من المحضر .

ويتم هذا التسجيل من طرف أعوان التنفيذ،  ثم يقوم عون التنفيذ بحجز العقار ويبلغ الأمر  للمحجوز عليه وكذا مقال الحجز ونسخة من المحضر ويشعره بالمقتضيات  القانونية بخصوص عدم التفويت أو الكراء للغير ... وإذا كان  العقار المحجوز بيد شخص آخر كحائزه  وجب تبليغه نسخة من محضر الحجز .

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس المحكمة لا يصدر الأمر بالحجز  إلا بعد التأكد من الوثائق المدلى بها من طالب الحجز العقاري  والتأكد من رجحان حق الدائن وثبوته .

وجري بالمشرع المغربي أن يلزم طالب الحجز العقاري بضرورة تقييد الأمر القاضي به داخل اجل 15 يوما من تاريخ صدوره تحت طائلة البطلان .

إلا انه لا يكفي حجز العقار المرهون ، بل يتعين بيعه بالمزاد العلني وذلك وفق مجموعة  من الإجراءات  المحددة قانونا والتي تتمثل أساسا في :

 ـ القيام بإجراء خبرة قضائية : حيث يقوم الخبير بتحديد ثمن افتتاح المزايدة ولا يقوم هذا الأخير بإجراء الخبرة إلا بعد استدعاء الأطراف بصفة قانونية ، ويتم تحرير محضر مفصل من  طرفه يقدم للمحكمة يتضمن جميع الأعمال التي قام بها من اجل معاينة العقار موضوع الرهن ، ونتائج الخبرة التي تم التوصل إليها والتي بناء عليها يتم تحديد الثمن الافتتاحي .

 ـ القيام بإعداد دفتر التحملات وإشهار البيع :  وستند هذه المهمة إلى عون التنفيذ ، وتكمن أهمية دفتر التحملات في كونه يخول الأطراف  فرصة الاطلاع على شروط البيع . والمشرع المغربي لم يحدد البيانات الواجب توفرها في دفتر التحملات ، لكن العمل القضائي عمل على تحديدها في مطبوع خاص بذلك تعده وزارة العدل .

ويتم إيداع دفتر التحملات من طرف عون التنفيذ لدى كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية التي يوجد بدائرة نفوذها العقار المرهون موضوع البيع الجبري ، لكن الإشكال المطروح أن المشرع المغربي لم يحدد أجلا معيننا يلتزم فيه العون بإيداع دفتر التحملات بكتابة الضبط ، وذلك نظرا لكون التراخي في مواصلة إجراءات التنفيذ يعتبر من أهم العوارض التي قد تعرقل  سير مسطرة تحقيق الرهن الرسمي .

وبما أن الهدف من وضع دفتر التحملات هو معرفة العموم بشروط البيع  فان  هذا الهدف لا يتأتى تحقيقه إلا بإشهار هذا الدفتر  وفق الإجراءات المنصوص عليها في الفصل 474 من ق.م.م .

 ـ إجراء السمسرة : ينص الفصل  476 من ق.م.م على  أن : " السمسرة تقع في محل كتابة الضبط التي نفدت  الإجراءات وأودع فيها المحضر بعد  ثلاثين يوما  من تبليغ الحجز المنصوص عليه غير انه يمكن تمديد الأجل نتيجة الظروف بأمر معلل من الرئيس لمدة لا يمكن أن تتجاوز تسعين يوما بالإضافة إلى الثلاثين يوما الأولى  "، فبالإضافة إلى تحديد تاريخ السمسرة يشرع عون التنفيذ في تلقي العروض المقترحة من اجل شراء العقار المحجوز ، وهكذا إذا حل اليوم المحدد للسمسرة وتخلف المدين عن الحضور والوفاء بما في ذمته يتم التوجه إلى قاعة البيوعات لعرض العقار للبيع  ومباشرة إجراءات  السمسرة بمقر كتابة الضبط .

وبعد انتهاء السمسرة يعرض عون التنفيذ الأمر على رئيس المحكمة الذي يأذن بالموافقة إذا تجاوز العرض المقدم ثمن الخبرة أو استقر عليها ، ويحرر بذلك العون محضرا للسمسرة بتاريخه ، ويؤدي من رست عليه المزايدة تسبيقا بصندوق المحكمة لم يحدد المشرع قدره ،وبعد انتهاء العشرة أيام يؤدي ما تبقى من مبلغ البيع إضافة إلى واجبات الخزينة ، وبعد ذلك تسلمه المحكمة محضر إرساء المزايدة .

وبعد تقييد محضر الإرساء بالرسم العقاري تنتقل الملكية إلى من رسا عليه المزاد ويتطهر بذلك العقار من جميع الامتيازات والرهون ولا يبقى للدائنين حق إلا على الثمن .

هذا فيما يخص العقارات المحفظة ، أما العقارات في طور التحفيظ موضوع الرهن الرسمي فإن مصيرها يرتبط  بمصير مطلب التحفيظ ذاته ، حيت يبقى الدائن تحت رحمة المدين الراهن صاحب مطلب التحفيظ الذي قد يتراخى عن مواصلة إجراءات التحفيظ وما قد يترتب عنها من إلغاء .

كما قد يعمد المدين إلى خلق تعرضات وهمية تحول دون تأسيس الرسم العقاري ، الأمر الذي قد ينعكس سلبا على مصلحة الدائن المرتهن .

كذلك تجدر الإشارة إلى أن حق الرهن الرسمي لا يكون له اثر ولا ينقضي حكما إلا إذا وقع التشطيب عليه من الرسم العقاري ، والتشطيب يحصل إما باتفاق بين الدائن والمدين وهو ما يسمى بالتشطيب الاتفاقي  وقد تناوله الفصل 91 من ظهير التحفيظ العقاري  ، وإما بموجب حكم قضائي مكتسب لقوة الشئ المقضي به  أي التشطيب القضائي ، ثم حالة ثالثة لم يوردها المشرع بل تستشف من نصوص أخرى متفرقة وهي حالة التشطيب التلقائي من طرف المحافظ العقاري .

المطلب الثاني: انقضاء الرهن الرسمي بصورة تبعية.


ينقضي الرهن الرسمي بصفة تبعية إذا انقضى الدين المضمون بالرهن، ذلك أن الرهن تابع للدين يبقى ببقائه، ويزول بزواله فإذا زال الدين زال معه الرهن. ولا يعود إلا إذا عاد الدين().

وقد نص المشرع في الفصل 319 من ق.ل.على أنه "تنقضي الالتزامات بما يلي:

الوفاء، اتحاد الذمة، الإبراء الاختياري (الفقرة الأولى)،استحالة التنفيذ، المقاصة، التقادم (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الوفاء بالدين، اتحاد الذمة، الإبراء الاختياري.


أولا: الوفاء 

يخضع الوفاء بالدين المضمون بالرهن الرسمي للقواعد العامة المقررة في ق.ل.ع، وبما أن حق الرهن حق عيني غير قابل للتجزئة. فالوفاء بالدين كذلك لا يتجزأ بل يجب أن يكون كاملا.

وفي حالة الأداء الجزئي فإن الرهن يبقى قائما إلى حين أداء الدين كاملا().

وتجدر الإشارة في هذا الصدد أنه يمكن للمرتهن أن يقدم مقابلا غير ما التزم به اتجاه الراهن شريطة أن يرضى هذا الأخير بهذا المقابل وذلك استنادا لما ينص عليه الفصل 321 من ق ل ع إذ جاء فيه:"ينقضي الالتزام أيضا إذا رضي الدائن أن يأخد استيفاء لحقه شيئا أخر غير الشيء الذي ذكر في الالتزام ، وهذا الرضى يفترض موجودا إذا أخد الدائن بدون تحفظ شيئا أخر غير الذي كان محل للالتزام". 

ثانيا: اتحاد الذمة

 يعتبر اتحاد الذمة كذلك سببا من أسباب انقضاء الرهن الرسمي بصفة تبعية، ذلك أن اتحاد الذمة، يقصد به اجتماع صفة الدائن والمدين في يد شخص واحد. تبعا لنفس الالتزام، وهو بهذا يؤدي إلى انقضاء علاقة المديونية لأنه من المستحيل أن يكون الشخص مدينا لنفسه().

وبما أن حق الرهن لا يتجزأ فإنه يجب أن يكون الإتحاد في الذمة كليا لا جزئيا ، فإن الرهن يبقى قائما ولو أن جزء من الدين قد استوفي عن طريق اتحاد الذمة الجزئي

كما أن التصرف القانوني الذي أدى إلى انتقال الملكية للدائن المرتهن إذا كان باطلا، فإنه في هذه الحالة يبقى الدائن المرتهن دائنا فقط لا مالكا وبالتالي يعود الرهن الرسمي ليقوم من جديد .

 ثالثا : الإبراء الاختياري 

ينص الفصل 340 من ق.ل.ع في الفقرة الأخيرة على أن "الإبراء من الالتزام ينتج أثره ما دام المدين لم يرفضه صراحة".

فالدائن له كامل الحرية في إبراء المدين المرتهن من الالتزام الملقى على عاتق هذا الأخير، شريطة أن تكون له أهلية التبرع بخلاف القاصر الذي لا يجوز له إبراء المدين().

ويجب أن يكون الإبراء مضمنا في اتفاق أو سند أو توصيل صراحة أو ضمنا كالتشطيب تلقائيا على التقييد المتعلق بعقد الرهن في السجل العقاري الخاص بالعقار المرهون، والتشطيب لا يكون إلا بعقد أو حكم نهائي يثبت انقضاء الرهن ،وهو ما قضت به محكمة النقض في أحد قراراتها الذي جاء فيه أنه:" لا يمكن أن يشطب على ما سجل بالرسم العقاري إلا بناءً على حكم نهائي يثبت انقضاء أو انعدام ذلك الحق"().

الفقرة الثانية: استحالة التنفيذ، المقاصة ،التقادم.


 أولا: استحالة التنفيذ

ينقضي الالتزام كذلك إذا نشئ ثم  أصبح محله مستحيلا استحالة طبيعية أو قانونية، بغير فعل المدين أو بخطئه وقبل أن يصير في حالة مطل.

فإذا استحال التنفيذ نظرا لأن محل الالتزام أصبح مستحيلا قانونيا أو طبيعيًا فإن المدين يعفى من أداء الدين ما لم تكن الاستحالة راجعة إلى خطئه أو أنه أصبح في حالة مطل، فبخصوص هذه الحالة فالرهن لا ينقضي ومن ثم يحق للدائن المرتهن التنفيذ على العقار المرهون لاستفاء حقه().

 ثانيا: المقاصة 

تعتبر المقاصة طريقة من طرق انقضاء الالتزام بمقتضاها تبرأ ذمة المدين من الدين المترتب عليه مقابل براءة ذمة دائنه من دين ترتب عليه لمصلحة مدينه وذلك في حدود الأقل من هذين الدينين،وتناولها المشرع المغربي في ق ل ع في الباب الخامس وأقر بأنها تقع بين طرفين أحدهما دائن والأخر دائن له بصفة شخصية، ومنع أن تطال تصرفات المسلمين إذا كان من شأنها مخالفة ما تقضي به الشريعة الإسلامية.

غير أنه إذا اكتسب الغير حقا على الشيء المرهون عن حسن نية في الفترة التي تفصل بين المقاصة وبطلانها، فإن حق هذا الغير لا يتأثر بذلك، ليبقى مكتسبا لحقه على الشيء الذي كان مرهونا قياسا على ما هو منصوص عليه في الفصل 1239 من ق ل ع فمثلا إذا انقضى الرهن الرسمي بالمقاصة وشطب عليه من الرسم العقاري، ثم قام الغير بشراء العقار المرهون، ليتبين بعد ذلك أن هذه المقاصة غير صحيحة فإن هذا الغير لن يتأثر بعدم صحة هذه المقاصة وبالتالي لا يصبح العقار الذي اشتراه مرهونا لأنه اكتسب حق ملكيته عن حسن نية، وذلك على عكس ما إذا كان هذا المشتري سيء النية ، حيث كان يعلم أن تلك المقاصة  غير صحيحة فإن الرهن يعود إلى إنتاج آثاره ، ولا يمكن لهذا المشتري أن يتمسك بالحق  الذي اكتسبه على الشيء المرهون نظرا لسوء نيته

ثالثا: التقادم 

يعد التقادم كقاعدة عامة أيضا سببا من أسباب انقضاء الالتزامات، بحيث إذا لم يبادر الدائن بالمطالبة باستيفاء دينه خلال المدة المحددة قانونا فإن حقه يسقط بالتقادم ويتلاشى لأنه بقي راكدا مدة طويلة دون أي مطالبة، وتلاشي الحق بالتقادم يعني طبعا منع سماع الدعوى به.

إلا أن هذه القاعدة ترد عليها بعض الاستثناءات ولعل أهمها الديون المضمونة برهن رسمي، وهو ما نص عليه المشرع المغربي في الفصل 377 من ق ل ع حيث جاء في هذا الأخير:" لامحل للتقادم إذا كان الالتزام مضمونا برهن حيازي على المنقول أو رهن رسمي ." ومنه يتبين أن الدين المضمون برهن رسمي لا يطاله أي تقادم مهما مر عليه من زمن، ما دام الرهن الرسمي مقيدا بالرسم العقاري، لأن هذا التقييد بمثابة إقرار مستمر للمدين بما بذمته من دين، وعليه فإن الرهن الرسمي يسقط بصورة تبعية بكافة الأسباب التي تؤول إلى سقوط الدين كالمقاصة ، والإبراء ، واتحاد الذمة واستحالة التنفيذ ما عدا التقادم طبقا للفصل المشار إليه أعلاه .




خاتمة


لقد حاولنا من خلال هذه الدراسة مقاربة بعض الجوانب المتعلقة بالرهن الرسمي وذلك بالوقوف على آثاره  وذلك سواء فيما بين الأطراف أو فيما بين الدائن المرتهن  و الغير وكيفية انقضائِه،وقد خلصنا من خلاله بأن الرهن الرسمي هو عقد يكسب الدائن حقا عينيا على عقار لضمان الوفاء بدينه وحق التقدم على الدائنين التاليين له في الرتبة في استيفاء دينه من ثمن العقار المرهون في أي يد كان .

وبناء عليه تراءت لنا الملاحظات التالية:

تشتت النصوص القانونية المنظمة للرهن الرسمي بين كل من قانون الالتزامات والعقود، وقانون التحفيظ العقاري إضافة إلى مدونة الحقوق العينية و أخيرا قانون المسطرة المدنية  

الأمر الذي يتطلب من المشرع إخراج مدونة خاصة وشاملة لكل جوانب الرهن الرسمي  وذلك من أجل تشجيع الاستثمار وضمان حقوق المقرضين من أجل تفعيل وإنجاح القانون المتعلق بتسديد الديون الرهنية .











    لائحة  المراجع

الكتب 

  • عبد الرزاق احمد  السنهوري  ، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد ، الجزء العاشر ، في التأمينات الشخصية والعينية  ، منشورات الحلبي الحقوقية ـ بيروت ـ لبنان الطبعة الثالثة،  1990 .

  • محمد ابن معجوز ، الحقوق العينية في الفقه الإسلامي ، مكتبة النجاح الجديدة  ـ الدار البيضاء ، الطبعة الثانية 1999 .

  • مأمون الكزبري ، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي ، الجزء الثاني ، أوصاف الالتزام وانتقاله وانقضائه ، بيروت 2 يناير 1980 .

  • محمد بونبات ، الحقوق على العقار ، دراسة شاملة لواقع العقار والحقوق العينية على ضوء التشريع المغربي ، الطبعة الأولى 2008

  • عبد الكريم شهبون ، الشافي في شرح مدونة الحقوق العينية الجديدة وفق القانون رقم 39.08 ، الطبعة الأولى 1436 ـ 2015 .

  • محمد محبوبي ، أساسيات في الحقوق العينية العقارية وفق القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية ، مطبعة دار أبي رقراق ، الطبعة الأولى .

  • أمينة ناعمي ، القواعد الموضوعية والإجرائية للرهن الرسمي الإجباري فقها وقضاء ،الطبعة الأولى ، السنة 2010 .

  • يوسف أفريل ، الرهن الرسمي العقاري ، ضمانة بنكية للدائن ، مطبعة النجاح الجديدة ، الطبعة الأولى 2011 .

الرسائل 

  • نوال أفقير ، الرهن الرسمي العقاري في التشريع المغربي ، رسالة لنيل دبلوم الماستر في التجارة والأعمال ، جامعة محمد الأول ـ وجدة ، السنة الجامعية 2012ـ2013 

  • كريم السلوتي ، الحماية القانونية للدائن المرتهن في عقد الرهن الرسمي وفق مدونة الحقوق العينية ، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ، وحدة العقار والتنمية ، جامعة عبد المالك السعدي ـ طنجة ، السنة الجامعية 2014ـ2013 .

  • سميرة البقال ، التشطيب على التقييدات المضمنة بالسجل العقاري ، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون المدني ـ قانون الالتزام التعاقدي والعقار ـ جامعة سيدي محمد بن عبد الله ـ فاس ، السنة الجامعية 2010 ـ 2011



مقال


إدريس النوزالي ، عقد الرهن بين الشريعة والقانون ، مقال منشور بمجلة المحاكم المغربية ، عدد 97 ، نونبر ـ دجنبر 2002 .

















الفهرس

مقدمة   

المبحث الأول :اثار الرهن الرسمي .   

المطلب الأول : آثار الرسمي بالنسبة للمتعاقدين.   

الفقرة الأولى :اثار الرهن بالنسبة إلى الراهن.   

الفقرة الثانية: آثار الرهن بالنسبة إلى الدائن المرتهن .   

المطلب الثاني: أثارالرهن الرسمي في علاقة الدائن مع الغير.   

الفقرة الأولى:حق الأولوية في استيفاء الدين من ثمن التملك   

الفقرة الثانية : حق التتبع   

المبحث الثاني : انقضاء الرهن الرسمي   

المطلب الأول  : انقضاء الرهن الرسمي بصفة أصلية   

الفقرة الأولى : انقضاء الرهن برفع يد الدائن عن الرهن، وبهلاك المال المرهون   

الفقرة الثانية : انقضاء الرهن الرسمي عن طرق البيع بالمزاد العلني   

المطلب الثاني: انقضاء الرهن الرسمي بصورة تبعية.   

الفقرة الأولى: الوفاء بالدين، اتحاد الذمة، الإبراء الاختياري.   

الفقرة الثانية: استحالة التنفيذ، المقاصة ،التقادم.   

خاتمة   

لائحة  المراجع   

الفهرس   


































   


       

     


     




  

  



  

  


     


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -