المركزية واللاتركيز

محتويات المقال

      لم يعرف المغرب قبل الحماية تنظيما إداريا بشكله الحديث، ولكن كانت هناك أشكالا تقليدية للإدارة تتمثل في ما يسمى آنذاك بنظام المخزن التابع للسلطان، وكان هذا الأخير مهيمنا على آليات و هياكل كل الإدارة المركزية. فالوزراء بمعناهم الحديث لم يكن لهم وجود موضوعي في تلك الفترة، وإنما كانوا عبارة عن معاونين للسلطان في تدبير الحياة اليومية للإنسان المغربي وكان هذا النظام يبث في كل الأمور الشرعية والعرقية والتجارية والأمن والمنازعات.

      وتعتبر فرنسا أول من نظر لمفهوم الإدارة وأول من أدخلته إلى المغرب، حيث انصب اهتمامها أول مرة على قطاع الإدارة العامة التي أسندت مسؤولية تدبيره الى مديريات ذات طابع إداري واقتصادي واجتماعي، وقد تم تنظيم هذه المديريات على شاكلة الإدارات المماثلة لها في فرنسا.

     مع الاستقلال، ورث المغرب جهازا إداريا جد متمركز و سلطة مركزية مطلقة، فقد كانت هذه الأخيرة تدعم سلطة الدولة عن طريق تركيز السلطة السياسية والاختصاصات والوظائف الإدارية كأساس للحكم المطلق في تلك المرحلة،حيث كان المغرب في مرحلة بناء الدولة بمعناها الحديث، الشيء الذي تطلب تركيز السلطة في العاصمة. وشكلت المديريات المشار إليها سابقا، النواة الأولى للوزارات المحدثة عند بداية الاستقلال.

     ومن ثما، فقد واجه المغرب تحديات عديدة على مستوى إصلاح الهيكلة التنظيمية للإدارة المغربية، كان الهدف منها تنمية المركزية بما يتناسب مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية و السياسية آنذاك، فقد دشن المغرب أول اصلاحاته قبل صدور أول دستور لسنة 1962، حيث عرف المغرب أول تقسيم اداري للمملكة سنة 1959،وأول نظام جماعي سنة 1960.

       والملاحظ أن تطور الادارة وظروف عملها في المغرب ارتبطت بالمقتضيات الدستورية والظرفية التاريخية، وبتوزيع السلط داخل الوثيقة الدستورية والمقتضيات المتعلقة بالسلطة التنظيمية وتطور توزيعها.

      وقد بدأ الاهتمام اللاتمركز الإداري في المغرب منذ السنوات الأولى للاستقلال، حيث أصبح اللاتركيز الإداري، لازمة للخطاب السياسي في المغرب كمعيار أساسي وأولوية، وذلك للدور الذي يلعبه أسلوب اللاتركيز في تنظيم الإدارة وهيكلتها وتقريبها من المواطن وتجويد خدمات المرفق العام.

      ومع مرور الوقت و توالي الخطب الملكية التي تحث على خيار اللاتمركز، وظهور حاجيات ذات خصوصية محلية لا يمكن الاستجابة لها إلا على المستوى المحلي، بدأت  تتجلى أهمية البعد الترابي المحلي للإدارة الذي أملته متطلبات الحفاظ على وحدة الدولة الداخلية والخارجية، وكذا تأطير وتنظيم العلاقات الإنسانية والاجتماعية داخل مجتمع متنوع ومنفتح. مما دفع هذه الأخيرة إلى إعادة النظر في تنظيمها الإداري السائد منذ الاستقلال، بشكل يواكب تطور المجتمع المغربي وزيادة حاجياته الاقتصادية و الاجتماعية، و تكييفه مع المستجدات التي عرفتها أنماط و طرق التدبير الحديثة. وذلك من خلال وضع تصور شامل يجمع بين اللامركزية كخيار و اللاتركيز كألية تقنية تسمح بإعادة توزيع الصلاحيات داخل أجهزة الدولة ، كما أنها يمكن أن تكون دعامة أساسية و تقنية فعالة لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

     وبالتالي فقد كان لزاما على الدولة خلق هيئات محلية منتخبة في إطار اللامركزية الادارية بدل اللامركزية السياسية باعتبار أن المغرب دولة موحدة ، والتنازل عن جزء من اختصاصاتها المركزية الى المستوى المحلي عبر وحدات لا ممركزة. 

      وقد عزز المغرب هذا الخيار بمرسوم  20 أكتوبر 1993  في شأن اللاتركيز الإداري كأول مرسوم منظم. و واصل المغرب السير في نهج اللامركزية و اللاتركيز الإداري ، وذلك عبر تأكيده على ذلك في دستور2011 من خلال تبني خيار الجهوية المتقدمة، و هو إصلاح هيكلي عميق يصحح  الاختلالات التي عرفها  التنظيم اللامركزي ببلادنا من خلال جعل الجهة شريك مميز للدولة، والذي تمت مواكبته بإصدار الميثاق الوطني للاتمركز الإداري كآخر لبنة من لبنات اللاتركيز.

المركزية واللامركزية
المركزية واللاتركيز


     ويعتبر موضوع اللاتركيز أو اللاتمركز الإداري كآلية للانتقال من المركزية الى اللامركزية، من المواضيع التي تعرف نقاشا عموميا و قانونيا واسعا في السنوات الأخيرة لكونها خيارا استراتيجيا للدولة لا رجعة فيه، و ذلك في أفق  تحقيق التنزيل الكامل و الشامل للجهوية المتقدمة.

    وهكذا وانطلاقا مما سبق يمكن طرح الإشكالية التالية: 

    إلى أي حد ساهم اللاتركيز كأسلوب إداري  في نقل المغرب من المركزية نحو اللامركزية. 

   وهذه الاشكالية سيتم تحليل مضامينها عبر الإجابة عن الاسئلة الفرعية التالية:

   ما مفهوم المركزية؟ وما هي عناصرها؟

   ماهي أشكال المركزية؟ وما تقديرها ؟

   ما هو الاطار المفاهيمي و القانوني للاتركيز؟

   ماهي صور اللاتركيز الاداري و تقديراتها؟

     و للإحاطة بهذه الاشكالية والأسئلة المتفرعة عنها، وبغرض مقاربة مختلف جوانب الموضوع، ارتأينا معالجة و دراسة هذا الموضوع من خلال الإعتماد على التصميم التالي:

    المبحث الاول: المركزية الإدارية

    المبحث الثاني: اللاتمركز كشكل من أشكال المركزية الإدارية

المبحث الأول: المركزية الإدارية

     

المركزية الإدارية هي أول النظم التي اتبعتها الدول في الحكم و الإدارة، وتقوم المركزية على أساس التوحيد و عدم التجزئة، و في المجال الإداري يقصد بها توحيد النشاط الإداري و تجميعه في يد السلطة التنفيذية في العاصمة.

     ولقد كان نظام المركزية الإدارية هو السائد قبل انتشار المبادئ الديمقراطية في أنظمة الحكم و التوجه التدريجي إلى نظام اللامركزية الإدارية، بدافع عصرنة أساليب وطرق تسيير وتدبير دواليب الإدارة بما من شأنه تحقيق التقدم الاجتماعي و الاقتصادي والحضاري للأمة.

     ولدراسة نظام المركزية الإدارية، ارتأينا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، حيث سنخصص (المطلب الأول) إلى الإطار المفاهيمي للمركزية الإدارية، أما في (المطلب الثاني) فسنتطرق إلى أشكال المركزية الإدارية وتقديرها.

      المطلب الأول: الإطار المفاهيمي للمركزية الإدارية

          سيتم من خلال هذا المطلب الوقوف عند مفهوم المركزية الإدارية و عناصرها (الفقرة الأولى)على أن نتناول في (الفقرة الثانية)التنظيم الإداري المركزي.

      الفقرة الأولى: مفهوم المركزية الإدارية و عناصرها

         سنحاول في هذه الفقرة التعريف بالمركزية الإدارية (أولا)، وكذلك ذكر عناصرها(ثانيا) 

        أولا: تعريف المركزية الإدارية:  

      يمكن أن نعرف المركزية الإدارية بأنها مجموع المهام والوظائف الإدارية في الدولة المعهود بها إلى السلطة المركزية في العاصمة، و التي قد تفوض القيام ببعضها إلى ممثليها في الأقاليم. و بمقتضى هذا يتكلف الوزراء بالوظائف الإدارية للدولة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة دون أن يشركوا في ذلك هيئات أخرى.

      كما يمكن تعريفها على أنها أسلوب من أساليب التنظيم الإداري بمقتضاه يتم تركيز جميع السلطات بيد الإدارة المركزية بالعاصمة ،أو منح بعض ممثليها بالعاصمة أو الأقاليم إمكانية اتخاد بعض القرارات، مع خضوع جميع الموظفين للتسلسل الإداري و السلطة الإدارية. 

      وخلاصة هذه التعاريف تفيد بأن المركزية الإدارية تروم حصر مختلف مظاهر الوظيفة الإدارية بالدولة في أيدي أعضاء الحكومة وتابعيهم في العاصمة أو في الأقاليم مع خضوعهم جميعا للرقابة الرئاسية التي يمارسها عليهم الرئيس. وتعني أيضا التوحيد وعدم التجزئة، فالمركزية هي توحيد النشاط الإداري في الدولة وتجميعها في يد السلطة التنفيذية.

     ثانيا: عناصر المركزية الإدارية 

     يستنتج من التعاريف السابقة للمركزية أنها تتكون من ثلاثة عناصر وهي :

الحصرية(1) والتبعية الإدارية (2)، ثم السلطة الرئاسية(3)، وهو ما سنتطرق إليه بالتفصيل في هذه الفقرة.

  1. الحصرية أو (تركيز السلطة بين أيدي الإدارة المركزية )

      تعرف الحصرية كأسلوب إداري يتجلى في تركيز جميع السلطات في أيدي الحكومة المركزية التي يعود إليها أمر البث النهائي في جميع القضايا الإدارية، دون أن توفر لممثليها أو مندوبيها على صعيد الوحدات الترابية المحلية سلطة الانفراد بالقرارات الإدارية أو البث في بعض الأمور الإدارية بصورة مستقلة. 

      و تعني الحصرية كذلك، أيضا حصر الوظيفة والمهمة الإدارية في الدولة وفي أجهزتها حيث تحتكر الإشراف على جميع المرافق والهيئات الإدارية. 

     ويترتب على الأخذ بالأسلوب الإداري المركزي أن سلطة اتخاذ القرارات من الناحية القانونية تتركز في أعلى قمة الهرم الإداري سواء أكان ذلك في رئيس الدولة أو الحكومة، وليس معنى ذلك أن القرارات لا بد وأن تصدر من الأجهزة الإدارية العليا فقط، ولكن المقصود هو أن الجهاز الإداري الأعلى  يبقى دائما هو صاحب حق التوجيه وذلك بما يصدره الرئيس إلى مرؤوسيه من تعليمات وأوامر وما يتوفر عليه من سلطات حول مراقبة أعمال المرؤوسين، إذ أن للرئيس حق إجازتها أو إبطالها أو تعديلها أو الحلول محلهم في أدائها. إذن فالتنظيم الإداري المتركز على الأسلوب المركزي يتمثل في شكل هرم إداري ينبثق من القمة حيث تتركز جميع السلطات الإدارية وينتهي بالقاعدة مرورا بأجهزة ومؤسسات وأفراد ينفذون  الأوامر والتعليمات الصادرة عن الحكومة المركزية، وذلك في ظل التبعية الإدارية للسلطة المركزية إذ أن النظام الإداري التسلسلي يبقى المعيار الرئيسي الذي يتميز به النظام الإداري المركزي.

        بمعنى أن لهذه الأخيرة (الحكومة) وحدها السلطة في إصدار القرارات الإدارية النهائية وتتضمن هذه السلطة ولاية تعديل هذه القرارات أو تعديل أثارها أو سحبها أو إلغائها حسب ما تقتضيه ملاءمة حسن سير المرافق العمومية.

         ومن مظاهر المركزية كذلك تركيز الاختصاصات الفنية في يد مجموعة من الأخصائيين في العاصمة يدرسون المسائل ويعدون القرارات ليرفعوها إلى الوزير المختص لاتخاذ القرار والتوقيع عليه، وقد تكون هناك مشاركة من جانب بعض الهيئات الموجودة في الأقاليم، إلا أن هذه المشاركة لا تعدو أن تكون مجرد دراسات تمهيدية لاستخلاص الآراء التي قد تنير الطريق أمام السلطة المركزية في تسير شؤونها العامة، ويرتبط بالتركيز الإداري احتكار الوزراء لسلطة التعيين في الوظائف العمومية، فلا يترك اختيار الموظفين المحلين في الأقاليم والمدن على هيئات محلية كما أن المركزية تبعد أي نظام من شأنه إخراج الموظفين من هيمنة الإدارة المركزية.  

      2-  خضوع موظفي السلطة المركزية لنظام السلم الإداري (التبعية الإدارية)

       كما ذكرنا سابقا، فإن مميزات النظام المركزي هي تلك التبعية الإدارية للسلطة المركزية، بحيث أن التسلسل الإداري يبقى هو المعيار الرئيسي الذي يتميز به هذا النظام. بمعنى أن الموظفين الإداريين يخضعون لأوامر وتعليمات الموظفين الأعلى درجة منهم ” …وينتج عن هذا أن ممثلي الحكومة المركزية يخضعون في ممارسة عملهم للسلطة الرئاسية وفقا لقاعدة هرمية صارمة، وهذه السلطة تتضمن حق التوجيه والمراقبة والتأديب بما في ذلك إعطاء الأوامر والتعليمات وإلغاء القرارات الإدارية المتخذة من قبلهم لأسباب تتعلق بعدم شرعية هذه القرارات فحسب وإنما لأسباب تتعلق بعدم شرعيتها أو ملاءمتها أيضا”.

          والتبعية الإدارية تعني أن موظفي الدولة يتوزعون حسب وظائفهم وضمن رتب تدرجهم في السلم الإداري، فالعلاقات التسلسلية تولد عنصر التبعية الإدارية بين الرؤساء والمرؤوسين داخل الإدارة العامة بهدف تحقيق المهام المحددة لها، فالمقصود من التبعية الإدارية هو التبعية المتدرجة التي تحكم موظفي وأعمال هذه الإدارات في علاقاتهم بالسلطة الرئاسية، وتعتبر هذه التبعية من لوازم النظام المركزي وبمقتضاها يخضع الموظفون والمستخدمون لما يصدره رئيسهم من توجيهات وأوامر ملزمة. وتندرج هذه التبعية في سلم إداري إلى أن تصل إلى أدنى درجات الإدارة، وهي ينتج عنها بالضرورة وجود سلطة رئاسية تمارسها السلطات الإدارية العليا على ما دونها من وحدات إدارية .

         أما نظام السلم الإداري فيعني خضوع الموظف الأقل درجة للموظف الأعلى درجة حتى تنتهي إلى الوزير الذي يخضع له الجميع في وزارته.   و يحتل هذا قمة السلم الإداري في النظم البرلمانية، أما في النظم الرئاسية فيشغل قمة الهرم رئيس الجمهورية. ومختلف وحدات الجهاز الإداري المتماسك لا تتمتع بشخصية معنوية قائمة بذاتها؛ ولكنها كلها تنتمي إلى شخص الدولة. وهي التي تتحمل التعويض تبعة أخطائها كما أن الدولة هي التي تتحمل مسؤولية الأعمال التي تقوم بها تلك الوحدات.  

     3-السلطة الرئاسية

      تعتبر السلطة الرئاسية العنصر الأساسي في تحديد الصفة المركزية لأي جهاز إداري، كما أن لها أهمية كبرى في نظام المركزية الإدارية على مختلف المستويات.

      وتتميز السلطة الرئاسية بأنها تطال جميع المرؤوسين حيث إن جميع الموظفين يخضعون لرؤسائهم في الإدارة، بمعنى أن السلطة هي خضوع الموظف الأقل درجة من حيث وضعيته القانونية للموظف الأعلى درجة، وكل موظف يوجد في مركز إداري أعلى يمارس سلطاته على الموظفين الموجودين في الرتبة الدنيا حتى الوصول إلى القاعدة التي تضم الموظفين الصغار. 

     ويؤكد الفقه على أن  السلطة الرئاسية ليست حقا شخصيا ولا مطلقا لصاحبه، ولكنها مجرد اختصاص  يمارسه الرئيس على مرؤوسيه وفقا للقوانين والنصوص التنظيمية الجاري بها العمل. فهي تخول للرئيس الحق في تعين مرؤوسيه وتخصيصهم لعمل معين ونقلهم وترقيتهم وتوقيع الجزاء التأديبي عليهم متى وقع منهم إخلال بواجباتهم في إنجاز المهام المنوطة بهم.

         ومن المسلم به أن السلطة الرئاسية تتميز بأنها  : سلطة شاملة؛ وسلطة مفترضة. فهي سلطة شاملة: لأن الرئيس الإداري يملك مباشرة رقابة عامة في موجهة مرؤوسيه وذلك عن طريق ما يصدره إليهم من أوامر ملزمة، وما يباشره من سلطات تنظيم وتأديب عليهم، وهكذا ترجع شمولية السلطة الرئاسية إلى انصرافها بحسب الأصل إلى سائر أعمال المرؤوسين. وهي سلطة مفترضة: لأن الرئيس الإداري يمارس هذه السلطة بقوة القانون ولو لم يوجد نص يسمح للرئيس الإداري بإجراء تلك الممارسة، فالسلطة الإدارية ليست حقا شخصيا وامتيازا مقررا للرئيس الإداري، ولكنها مجرد اختصاص يباشره الرئيس طبقا للقوانين والأنظمة.

  •  سلطة التعيين وما حكمها من سلطة النقل من وظيفة إلى أخرى ومن مصلحة إلى أخرى أو الترقي من درجة إلى درجة أو من سلم إلى سلم، وأيضا سلطة التأديب في حالة الإخلال بالواجبات الوظيفية.

  • سلطة التوجيه في إطار الوظيفة، حيث يمكن للرئيس أن يكلف المرؤوس بعمل معين أو أن يعفيه من مهامه، وذلك عن طريق الحق في إصدار الأوامر والتعليمات الشفوية والكتابية ومختلف التوجيهات المتعلقة بحسن سير العمل الإداري

  • سلطة المراقبة والتعقيب، حيث يمكن للرئيس مراقبة أعمال المرؤوس بشكل واسع إذ يمارس عليه سلطة سابقة من مظاهرها التزام المرؤوس بتنفيذ التوجيهات والأوامر المقدمة إليه من الرئيس وسلطة لاحقة من مظاهرها حق الرئيس في الاعتراض أو تعديل أو استبدال أعمال المرؤوس أو إبطالها نهائيا أو سحبها.

  • سلطة الحلول وهي أن يحل محل المرؤوس في عمله إلا ما استثناه المشرع بصيغة صريحة وواضحة 

         وفي المقابل هذه السلطة الرئاسية التي يتمتع بها الرئيس والتي تعتبر مفترضة بوجود علاقة رئيس بمرؤوسه ما عدا إذا نص المشرع على خلاف ذلك؛ يعتبر الوزير  الذي يوجد على رأس الهرم الإداري؛ مسؤولا بدوره أمام البرلمان في النظام البرلماني، وأمام رئيس الدولة في النظام الرئاسي. وفي المغرب يسأل الوزير سياسيا أمام الملك والبرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين ) وأمام رئيس الحكومة طبقا لمقتضيات الفصلين 47 و93 من دستور.2011

      الفقرة الثانية: تجسيد المركزية في التنظيم الإداري المغربي

     من خلال تتبع المسار الدستوري للمغرب، من أول دستور عرفه المغرب سنة 1962 إلى غاية دستور 2011 ،فإن الإدارة المركزية تتولى الإشراف على جميع المرافق في  الدولة سواء كانت وطنية، جهوية، إقليمية أو جماعية، دون أن يمنع ذلك من استعانتها ببعض الموظفين الذين يمثلونها في مختلف الأقاليم ، وقد ارتكز تنظيم السلطة المركزية على المؤسسة الملكية (أولا) ، إلى جانب مؤسسة الحكومة (ثانيا)

إقرأ أيضا :  الحيازة في التشريع المغربي

      أولا : المؤسسة الملكية

      يعتبر دستور 10 مارس 1972 ،أول دستور حدد كيفية تنظيم السلطة المركزية التي أرسى دعائمها حول المؤسسة الملكية، وجاء دستور فاتح يوليوز2011 ليكرس بعض هذه الدعائم و يعدل بعضها فالملك يحتل مكانة مرموقة داخل جهاز الدولة، ويتضح ذلك من خلال الاختصاصات المخولة له والمحددة في كثير من المظاهر كسلطة التعيين وسلطة الرئاسة.

أ-سلطة التعيين

     يمارس الملك اختصاصاته فيما يتعلق بالتعيين ،و من هذه الإختصاصات انطلاقا من الدستور أنه:

     يعين الملك رئيس الحكومة، من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها (الفصل47)؛

     يعين الملك في الوظائف المدنية باقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني قطاعه بالأمر (الفصل49)؛ 

     يعين الملك في الوظائف العسكرية دون تدخل من رئيس الحكومة باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة (الفصل 53)؛

     يعتمد الملك السفراء لدى الدول الأجنبية (الفصل 55)؛

     يوافق الملك على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية بظهير 

(الفصل 57).

ب: سلطة الرئاسة

    يرأس الملك مجموعة من المجالس المنصوص عليها دستوريا ومن هذه المجالس نذكر: 

    رئاسة المجلس العلمي الأعلى (الفصل41)

    رئاسة المجلس الوزاري (الفصل 48) ؛

    القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية (الفصل 53) ؛

    رئاسة المجلس الأعلى للأمن (الفصل 54) ؛

  –    رئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية (الفصل 56)

     ثانيا: مؤسسة الحكومة 

      تتألف الحكومة من رئيس الحكومة والوزراء و قد تضم كتابا للدولة.  و يتم تعيينها من قبل الملك وهي مسؤولة أمامه وأمام البرلمان، وللملك الحق في إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة بمبادرة منه بعد استشارة رئيس الحكومة أو بطلب من هذا الأخير بناء على استقالتهم. و قد حدد الفصل 87 من دستور 2011 بنية الحكومة، في رئيس الحكومة والوزراء ثم كتاب الدولة.

      1-رئيس الحكومة:

    يتم تعيين رئيس الحكومة من لدن الملك ويعد مسؤولا أمامه، فمهامه منها ما يجد مصدرها في الوثيقة الدستورية أو في القوانين أو في تفويض الملك . حيث يعتبر المحرك الأساسي والديناميكي للجهاز التنفيذي، بعد الملك، ومن أهم ما يمارسه رئيس الحكومة التنسيق بين النشاطات الحكومية وبين الوزارات،  كما يضطلع بدور الحكم في الخلافات الوزارية.

    يضاف إلى ذلك ممارسة رئيس الحكومة السلطة التنظيمية، كما يمكن أن يفوض بعض سلطه إلى الوزراء (الفصل 90)، ومن بين اختصاصات رئيس الحكومة أنه: 

– يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة (الفصل 47)؛

– يمكن لرئيس الحكومة، بتفويض من الملك، أن يرأس مجلس الوزراء على أساس جدول 

أعمال محدد (الفصل 48)؛

– يقترح رئيس الحكومة المرشحين للتعيين في المناصب المدنية المنصوص عليها في الفصل 49 من الدستور.

– يعين رئيس الحكومة في الوظائف المدنية والإدارات العمومية وفي الوظائف السامية، وفي المؤسسات والمقاولات العمومية، دون إخلال بأحكام الفصل49 من الدستور، ويمكن له تفويض هذه السلطة (الفصل 91) ؛

– يرأس رئيس الحكومة مجلس الحكومة الذي يتداول في مجموعة من القضايا والنصوص من بينها: السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري، السياسات العمومية، السياسات القطاعية، القضايا الراهنة المرتبطة بحقوق الإنسان وبالنظام العام، مشاريع القوانين، ويطلع رئيس الحكومة الملك على خلاصات مداولات مجلس الحكومة (الفصل 92)

       2-الوزراء    

      إلى جانب رئيس الحكومة نجد الوزراء، وهما الذين يوجدون على رأس الوزارات ويعتبرون الرؤساء الفعليون للجهاز الإداري لوزاراتهم ومجموع المصالح الخارجية للإدارات المركزية، وبصفة عامة تتبنى أغلب الدول التقسيمات التالية

              أ – وزير الدولة

      يحتل وزير الدولة مرتبة أسمى من الوزير العادي من حيث الأسبقية في البروتوكول ومن الناحية السياسية. و غالبا ما يتمتع بهذا اللقب بعض الشخصيات ذوي المكانة أو الوضعية الخاصة في البلاد أو لدى الملك شخصيا. و يمكن أن تسند لوزير الدولة وزارة معينة، فيتوفر على نفس المصالح والمساعدين الذين يتوفر عليهم الوزير، وقد لا تسند إليه أي وزارة فيكون وزير بدون وزارة.

             ب- الوزير

     يعهد إليه بتدبير و تسيير قطاع حكومي معين ومحدد والمرافق الخارجية التابعة لها  فيجمع بين السمتين السياسية والإدارية، إذ يشترك كعضو في الحكومة لرسم السياسة العامة للدولة، كما يعتبر الرئيس الإداري الأعلى في وزارته فيقوم مع مساعديه بتنفيذ السياسة العامة وإدارة المرافق التي يشرف على تسييرها .

         ت- الوزير المنتدب

         يعتبر الوزير المنتدب عضوا في الحكومة ويعتبر وزيرا لأن منصبه يقترب كثيرا من منصب الوزير العادي وتتسم مهمته بطابع التخصيص حيث غالبا ما يتم تكليفه بمهمة معينة.هذا الصنف من الوزراء يتم انتدابهم لدى رئيس الحكومة، بحيث يتمتعون بتفويض من الوزير الأول في مجال الاختصاصات المسندة إليهم ويمكن أن يكونوا منتدبين لدى بعض الوزراء وذلك للأسباب التالية: 

    تخفيف أعباء الوزراء  في بعض المجالات التي يشرفون عليها؛

    الحرص على تدبير بعض القطاعات بكيفية تضمن له تأطيرا جيدا.

     2-كتاب الدولة 

   يتمتع كتاب الدولة بكامل العضوية في الحكومة، وهم في درجة أدنى من الوزراء، حيث يكونون تابعين لهم ويمارسون مهامهم بتفويض منهم وتحت إشرافهم.

     المطلب الثاني: أشكال المركزية الإدارية وتقديرها

      إن دراسة نظام المركزية الإدارية يتطلب منا تحديد مختلف أشكاله وصوره قبل الوقوف عند تقديره وتقييم هذا الأسلوب في التنظيم الإداري وبذلك نخصص (الفقرة الأولى) للبيان أشكال المركزية الإدارية والحديث عن تقدير نظام المركزية الإدارية في (الفقرة الثانية ).

     الفقرة الأولى: أشكال المركزية الإدارية 

       تمارس المركزية الإدارية في ظل أسلوبين متعارف عليهما. أسلوب التركيز الإداري(أولا) وأسلوب عدم التركيز الإداري (ثانيا).

        أولا: أسلوب التركيز الإداري

      يقصد بأسلوب التركيز الإداري تركيز مجموع السلطة التركيز مجموع السلطة الإدارية في العاصمة بحيث لا يكون لممثلي الإدارة المركزية في الأقاليم أية سلطة خاصة في تدبير الأمور. 

     ووفقا لهذا الأسلوب ينفرد الوزير ويستأثر بجميع الاختصاصات والسلطات ولا يملك ممثلو الإدارة المركزية أي سلطة وإنما يكلفون فقط بتنفيذ الأوامر الصادرة إليهم. غير أن هذا الأسلوب لم يعد ممكن التطبيق في الوقت الحاضر بسبب الوظائف المتعددة المنوطة بالدولة والمهام المختلفة المسندة للوزير، وظهر نظام اللاتمركز الإداري لتخفيف العبء عنه.

     ثانيا: أسلوب اللاتركيز الإداري

     يعتبر عدم التركيز الإداري أسلوب مختلف ومرن لنظام المركزية الإدارية باعتماده تقنية التفويض كأداة يتم بمقتضاها التخفيف من وطأة التركيز الإداري، و يقوم على أساس منح بعض موظفي الوزارة في العاصمة أو في الأقاليم، بصفة فردية أو في شكل لجان تعين الحكومة أعضائها، حق البث نهائيا في بعض الأمور دون الحاجة للرجوع إلى الوزير المختص، بغية تخفيف العبء على الوزير وتحقيق السرعة في إنجاز بعض أمور الوظيفة الإدارية خاصة بالنسبة للأماكن البعيدة عن العاصمة. وسلطة البث هذه لا تعني استقلال الموظفين من الوزير وإنما يخضعون بالرغم من ذلك إلى إشرافه وإلى رؤسائهم الإداريين أي في نطاق السلطة الرئاسية.

الفقرة الثانية: تقدير نظام المركزية الادارية

إذا كان أسلوب المركزية الادارية يعتبر ضروريا في المراحل الأولى لبناء الدولة، فإن استمرار هذه الأخيرة رهين بمدى التخفيف منه لفائدة الوحدات اللامركزية. لذا، فإن هذا الاسلوب يتميز بمظاهر قوة (مزايا) ومكامن ضعف(عيوب).

أولا: مزايا المركزية الادارية:

من مزايا نظام المركزية الادارية أنها :

تعتبر أداة فعالة لتقوية السلطة العامة داخل الدولة، وفرض هيمنتها في جميع أنحاء البلاد على جميع المستويات القانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فهي تعتبر ضرورية لأي دولة حتى ولو مع وجود نظام اللامركزية الادارية، إذ نجد سلطات مثل السلطة المركزية وتخضع لتوجيهاتها.

تروم تحقيق العدالة والمساواة بين جميع نواحي الدولة، حيث تسير جميع الأقاليم والعمالات. وجميع المرافق من قبل السلطات المركزية، الأمر الذي يتطلب نظرة شاملة لحل الاشكاليات المطروحة، وإشباع الحاجيات العامة بصفة عادلة ومتساوية بين جميع الوحدات الترابية دون تمييز، بما يحقق المساواة فيما يتعلق بالاستفادة من خدماتها.

تعمل على توحيد وتشابه وتجانس النظم الادارية في جميع أقاليم ومرافق الدولة، الشيء الذي يقوي من وحدة الدولة، ويتم ذلك كله تحت إشراف السلطات المركزية.

تساهم في التقليل من النفقات العامة، وتجنب مضاعفتها، قصد استفادة مناطق متعددة من مشاريع محدودة، بالإضافة إلى السرعة في تنفيذ هذه المشاريع.

  تمكن يمكن الدولة المركزية من القيام بالمشاريع الضخمة التي قد تعجز عنها الوحدات اللامركزية.

ثانيا: عيوب المركزية الادارية:

تعتري المركزية الادارية جملة من العيوب، نختزل أهمها فيما يلي:

  إن تعزيز نظام المركزية يؤدي لا محالة إلى تقوية الحكم المطلق وطغيان الاستبداد داخل الدولة.

  يتسم نظام المركزية الادارية بالبطء والروتين في أداء الخدمات وفي تلبية احتياجات المواطنين، لذلك تم الاهتداء إلى تطبيق نظام اللاتركيز الاداري ابتغاء السماح للسلطة المحلية باتخاذ القرارات المستعجلة التي تستوجبها الضرورة المحلية دون الرجوع إلى السلطة المركزية.

  إن المركزية الادارية بنظرتها الشمولية على جميع أنحاء البلاد، تغفل الحاجيات المحلية، التي لا يمكن أن يحس بها إلا سكان المحليين، وبالتالي تؤدي إلى تميز بعض المناطق عن الاخرى. وكثيرا ما تحظى العاصمة بأهمية كبرى تفوق غيرها من الوحدات الترابية، الأمر الذي قد يخلق نوعا من تفاوت بين الجهات والعمالات والاقاليم.

  إن اكتفاء بإدارة الدولة من العاصمة، أو بواسطة مندوبين أو مفوضين من العاصمة، مظهر من مظاهر انعدام الديمقراطية المحلية، حيث لا يسمح للسكان المحليين  بتسيير بعض شؤونهم المحلية بواسطة ممثلين لهم يختارونهم تبعا لارتباطهم بالوحدة الترابية التي ينتمون إليها، وتبعا للشعور الجماعي الذي لا يمكن إغفاله في الجماعات البشرية. وهو ما يجعل القرارات المتخذة غير ملائمة للاحتياجات المحلية.

  إن نظام المركزية الادارية يتعارض في تطبيقاته مع سياسة القرب، الوظيفة الجديدة للدولة الحديثة. فبعد مركز اتخاذ القرارات عن المكان الذي تطبق فيه يجعل تلك القرارات غير ملائمة في الغالب لمواجهة الاحتياجات والمشاكل المحلية.

المبحث الثاني: اللاتمركز كشكل من أشكال المركزية الإدارية

        

يعتبر نظام اللاتمركز الإداري (Déconcentration) من الآليات المهمة التي اهتدى إليها المشرع من أجل محاولة إحداث قطيعة مع النظام المركزي التقليدي، من خلال الحد من تمركز سلطة اتخاد القرار على مستوى الإدارات المركزية، و حصر نشاطها في الوظائف الاستراتيجية المتمثلة في بلورة تصور السياسات العمومية، مع ترك تنفيذها و تنزيلها على المستوى الترابي إلى المصالح اللاممركزة .

       ففلسفة اللاتمركز الاداري كصورة معتدلة من صور المركزية  تقوم على تفويض جزء من السلطات المركزية للمديريات الجهوية أو الإقليمية، لتصبح لها حرية اتخاد القرارات الضرورية و تنفيذها، حسب ما يخوله لها القانون، دون الرجوع للإدارات المركزية.

     و لمحاولة الإحاطة بهذا الأسلوب من التنظيم الإداري ،ارتأينا في هذا المبحث أن نخصص المطلب الأول منه للإطار النظري و القانوي على ان نبحث في المطلب الثاني آليات تجسيد هذا الأسلوب و تقديراته.

المطلب الأول: الإطار المفاهيمي و القانوني للاتمركز الإداري

      يحظى اللاتمركز الإداري باهتمام كبير من قبل مجموعة من الفاعلين سواء السياسيين أو الإداريين، أو هيئات المجتمع المدني نظرا لدوره في ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة. ونظرا لهذه الأهمية سيتم الإحاطة بمضمون اللاتمركز الإداري(الفقرة الأولى)، ثم التأطير القانوني المصاحب له(الفقرة الثانية)

      الفقرة الأولى: الإطار المفاهيمي اللاتمركز الإداري    

     سوف يتم التطرق في هذا المطلب إلى مفهوم اللاتركيز الإداري من خلال مجموعة من التعريفات(أولا)،و التمييز بين اللاتمركز الإداري واللامركزية الإدارية(ثانيا)

           أولا :مفهوم اللاتركيز الإداري  

      إن محاولة الإحاطة بمفهوم اللاتركيز الإداري تثير عدة إشكالات، و ذلك لعدم اتفاق فقهاء القانون على تعريف واحد شامل، بل تعددت التعاريف وتنوعت المصطلحات الدالة على هذا النمط الإداري المتميز: 

      بالنسبة للفقه الإداري الفرنسي نجد العميد “جيورج فيديل ” يعرف عدم التركيز الإداري بذلك النمط من التنظيم الإداري الذي تعطى فيه سلطة اتخاذ قرارات إدارية هامة لموظفين تابعين للسلطة المركزية والمنتشرين في المناطق أو المرافق الإدارية المختلفة، أما الفقيه “بيتيلمي” فقد عرف عدم التركيز الإداري بكونه الوسيلة التي تتزايد عن طريقها اختصاصات الموظفين التابعين للسلطة المركزية في مختلف أنحاء الدولة. 

      أما فيما يخص الفقه الإداري المغربي ,فكما قال الأستاذ محمد المرغيني : ” يقضي نظام عدم التركيز بمنح الاختصاصات الإدارية لمندوبي الحكومة المركزية على الصعيد المحلي مع بقائهم تابعين لها معينين من قبلها دون أن يترتب على ذلك استقلالهم عن الإدارة المركزية ,ذلك أن تعريف الأمور الإدارية, إنما يتم تحت رقابة وإشراف المسؤول الإداري المركزي ,وذلك أن ممثلي الحكومة المركزية يخضعون في ممارسة عملهم للسلطة الرئاسية وفقا لقاعدة هرمية صارمة, وهذه السلطة تتضمن حق التوجيه والمراقبة والتأديب بما في ذلك من إعطاء الأوامر والتعليمات.” 

      ويعني اللاتركيز الإداري أيضا، منح او تخويل بعض موظفي الوزارة في العاصمة أو في الأقاليم بصفة فردية أو في شكل لجان، حق البث نهائيا  في بعض الأمور دون الحاجة للرجوع إلى الوزير المختص بغية تخفيف العبء عن الوزير وتحقيق السرعة و النجاعة في إنجاز بعض أمور الوظيفة الإدارية، خاصة بالنسبة للاماكن البعيدة عن العاصمة. و سلطة البث هذه لا تعني استقلال الموظفين عن الوزير وإنما يخضعون بالرغم من ذلك  إلى إشرافه وإلى رؤسائهم الإداريين، أي في نطاق السلطة الرئاسية .

      فعدم التركيز الإداري يقصد به توزيع سلطة اتخاذ القرارات والبث في الأمور الإدارية بين الإدارة المركزية، وممثليها بالعاصمة والأقاليم مع بقاء هؤلاء خاضعين للتسلسل الإداري والسلطة الرئاسية.               

      و في الفقه العربي المقارن، يطلق على هذه الصورة من المركزية الإدارية، اللاوزارية أو المركزية المعتدلة أو المخففة و مقتضاها، تخفيف العبء عن الحكومة و الإدارة المركزية بتخويل بعض الموظفين في الأقاليم المختلفة سلطة البت في بعض الأمور ذات الطابع المحلي دون الحاجة للرجوع للوزير المختص في العاصمة. إلا أن هذه الصورة من المركزية لا تعني استقلال هؤلاء الموظفين عن الإدارة المركزية ، فهم خاضعون لسلطتها الرئاسية ولها أن تصدر إليهم القرارات الملزمة و لها أن تعدلها أو تلغيها ، وكل ما في الأمر أن عدم التركيز الإداري يخفف من العبء على الوزارات والإدارات المركزية من خلال بعض القرارات الإدارية التي يمكن أن تتخذ من ممثلي الوزراء في الأقاليم بدلا من أن تتخذ من الوزراء أنفسهم. و على أي حال فإن هذه الصورة من المركزية أفضل من التركيز الإداري وهي مرحلة انتقال صوب نظام اللامركزية الإدارية، وهي الصورة الباقية في إطار نظام المركزية الإدارية و لعل من أبرز وسائل تحقيق عدم التركيز الإداري نظام تفويض الاختصاص. 

     يستخلص من مجمل هذه التعريفات أن:

   –    اللاتركيز الإداري لا يعد خروجا عن المركزية الإدارية، بل نظل بصدد المركزية الإدارية، ذلك أن القرارات التي تصدر عن الموظفون المحليون تصدر باسم الدولة و ليس باسم الهيئة المحلية التي يوجد بها الموظف، ثم إن هؤلاء الموظفون هم معنيون من قبل الدولة و يخضعون لسلطتها الرئاسية، وكل ما في الأمر هو أن السلطة المركزية تقوم بتفويض بعض اختصاصاتها للسلطات المحلية التي يكون عليها أن تعمل بناء على هذا التفويض.

  –  هناك نوعين من المفاهيم: مفهوم ضيق يركز على عنصر السلطة الرئاسية وفق قاعدة هرمية صارمة بين الإدارة المركزية و المصالح اللاممركزة بشكل لا يسمح باتخاذ القرارات دون الرجوع الى الإدارة المركزية، حيث المصالح اللاممركزة مجرد أدوات تنفيذية لما تقرره السلطة المركزية . ثم هناك مفهوم واسع، ويعتبر القاعدة الأساسية لعدم التركيز الإداري، وهو توزيع الصلاحيات و الاختصاصات الإدارية بين السلطات المركزية و بين فروعها في الأقاليم، بحيث يكون للإدارات اللاممركزة صلاحية التصرف بكيفية مستقلة في اختصاصاتها بعيدا عن الوزارات و دون الرجوع إليها .

     ثانيا: التمييز بين اللاتمركز الإداري واللامركزية الإدارية

     يشترك  اللاتركيز الاداري مع اللامركزية الادارية في كونهما اسلوبان من أساليب ممارسة الوظيفة الإدارية على الصعيد المحلي و ليس المركزي، وهذا التقارب بينهما في ممارسة الوظيفة الإدارية قد يؤدي أحيانا إلى اللبس و التداخل بينهما، و هو ما يقتضي وجوب التمييز بينهما أمرا مهما تفاديا لخلط محتمل بينهما: 

إقرأ أيضا :  الارتفاقات القانونية في قوانين التعمير

اللاتركيز الاداري يعني تفويض إدارات الدولة الموجودة بالمركز لجزء من اختصاصاتها لفائدة فروعها الإدارية المحلية ،وهذه الفروع لا تتمتع بالشخصية المعنوية و لا بالاستقلال المالي مع استقلال إداري نسبي بفعل الرقابة التسلسلية. أما اللامركزية الإدارية فهي نظام انتخابي يعكس التوجه الديمقراطي لإشراك المواطنين في تدبير الشأن العام، سيما في الشق المحلي منه، من خلال تنظيم انتخابات غايتها إفراز مجالس تتمتع بالشخصية المعنوية وذات سلطات تقريرية و إمكانات مالية  تمكنها من ممارسة اختصاصاتها في الحدود المنصوص عليها قانونا.

اللاتركيز الاداري لا يستلزم تعدد السلطات الإدارية بل يقوم على توزيع اختصاصات الوظيفة الإدارية بين أعضاء سلطة إدارية واحدة بما يسمح بتخويل بعض أعضاء هذه السلطة الإدارية ممن هم دون الرئيس الإداري الأعلى حق البث نهائيا في بعض القضايا دون الرجوع إليه. و هذا يغاير كليا ما هو معروف في نظام اللامركزية حيث تتعدد السلطات الإدارية و تختص كل منها بقدر من وظائف السلطة الإدارية فتوزع هذه الوظائف بين الحكومة المركزية من ناحية و بين إدارات محلية من ناحية أخرى.

       فمن خلال هذه المقارنة المقتضبة، يتضح أن مفهومي اللاتركيز و اللامركزية، و إن كانا يختلفان في الجوهر، فهما يهدفان إلى وضع اسس إدارة القرب و تخفيف الأعباء عن المركز. فاللامركزية الإدارية لن تكون إطارا ناجعا و شاملا لتحقيق الديمقراطية و بلورة التنمية المحلية من دون وجود مصالح لا ممركزة تحدد الشكل العام الذي يقوم و يسير عليه الشأن المحلي، شريطة التنسيق و التكامل بين الأسلوبين لا التعارض و التنافس بينها.

      الفقرة الثانية: الإطار القانوني 

     يجد اللاتمركز الإداري مرجعتيه القانونية و التنظيمية في مجموعة من النصوص كالدستور، والخطب و الرسائل الملكية و المراسيم المتعاقبة والبرامج الحكومية و كذلك تقارير اللجنة الاستشارية للجهوية وتقارير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي… 

     ولضيق المجال سوف نكتفي بالإشارة إلى الدستور(أولا) والمراسيم(ثانيا) كمرجعين قانونين لنظام اللاتركيز الإداري بالمغرب.    

       أولا: الدستور وسياسة اللاتمركز

      شكلت اللامركزية خيارا دستوريا وسياديا منذ أول دستور1962، حيث  نص الفصل 93 منه : ” الجماعات المحلية بالمملكة المغربية هي العمالات والأقاليم والجماعات. ويكون إحداثها بالقانون.” و تطورت بعد ذلك، لتصل إلى الجهوية المتقدمة كأساس للتنظيم الترابي للمملكة بموجب دستور2011 .و في المقابل، عمل المغرب على جعل الإقليم إطارا للاتركيز الإداري حيث بدى ذلك واضحا في الفصول 94 و 95 من دستور1962 ،والغاية كانت آنذاك هي فرض سلطة الدولة الفتية سياسيا وإداريا ليصبح الإقليم والعمالة أهم التقسيمات الإدارية للدولة يعكس امتدادها وطنيا ومحليا.

       كما تمت دسترة منصب العامل كسلطة سياسية وإدارية وأمنية، والتي شكلت نقطة  استقبال للقرارات المركزية، حيث اختص بتنفيذ مقررات مجالس العمالات والأقاليم، علاوة على تنسيق نشاط الإدارات المتواجدة في إطارها مما جعله يحظى بمكانة متميزة عززتها الدساتير اللاحقة، التي نصت على مهام جديدة منها الفصل 101 من دستور 13 شتنبر          1996الذي ينص على مسألة تنفيذ مقررات مجالس الجهات بالإضافة إلى مسؤوليته عن تدبير المصالح المحلية التابعة للإدارة المركزية طبقا للفصل 102 من نفس الدستور، بما يفيد توسيع صلاحيات ومجال تدخل العامل لدى المصالح الخارجية في مقابل محدودية انخراطها في المجالات المحلية، الإقليمية والجهوية.

      وقد واصل دستور2011 مسلسل الارتقاء باللاتركيز الإداري، حيث عزز من دور الولاة والعمال بجعلهم ممثلي السلطة المركزية و العاملين باسم الحكومة على تامين تطبيق القانون ،و تنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها وممارسة المراقبة الإدارية إلى جانب تنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية بدل تدبيرها، الشيء الذي كان يحد من هامش تدخلاتها، ثم السهر على حسن سيرها تحت سلطة الوزراء المعنيين .

      وجب الذكر كذلك، أن اختيار المشرع المغربي لمصطلح “المصالح اللاممركزة” بدل مصطلح “المصالح الخارجية” يدل على الأهمية التي اولاها المشرع لنظام اللاتركيز الاداري، خاصة مندوبيات الوزارات على المستوى الترابي. وقد جاء هذا الاختيار نتيجة للعوامل التالية

       نهج سياسة تجميع المصالح اللاممركزة على مستوى الجهة، وذلك في أفق التخلي عن التموقع على المستوى الإقليمي لفائدة التموقع على المستوى الجهوي.

       رهان التنمية الجهوية يفرض على الإدارات المركزية في إطار سياسة اللاتركيز الإداري، إحداث مصالح غير ممركزة على مستوى الاختصاصات و الموارد بكل الجهات، حتى تتمكن هذه الأخيرة بواسطة والي الجهة وعمال الإقليم النظر في توزيع هذه المصالح بالتوازي على باقي التراب الوطني.

       الجهة باعتبارها آلية للامركزية، ستشكل كذلك مجالا مفضلا لإحلال سياسة اللاتركيز الإداري، حيث ستتيح للإدارة المركزية مراقبة و تأمين استمرارية أنشطة مصالحها غير الممركزة ليس فقط عن طريق مندوبيها الجهويين، ولكن ايضا عن طريق الوالي(العامل) كممثل للدولة من جهة، و باعتباره مسؤولا عن تنفيذ القرارات الحكومية من جهة اخرى، و قائما على ضمان التنسيق بين مختلف انشطة هذه المصالح.

        اعتبار اللاتمركز بمثابة لازمة للامركزية، بحيث انه لتوفير النجاح لهذا المبدأ كان على الدولة ان تؤكد التزامها المحلي بوضع المصالح اللاممركزة من اجل إتاحة الحوار بين المنتخبين المحليين والممثلين المحليين للدولة.

     و بذلك، يكون المشرع قد خطى خطوة مهمة في تعزيز مسلسل الإصلاح التنظيمي الإداري، ليجمع بين ما هو محلي وجهوي تكريسا لتمثيلية متوازنة للدولة تواكب التحولات الدولية والإقليمية، إذ صارت الجهة إطار تختزن فيه كافة الفاعلين الممثلين للدولة والجماعات الترابية، المؤسسات العمومية ومنظمات المجتمع المدني نحو تحقيق التنمية المندمجة، لذلك أصبح دور الولاة والعمال مساعدة رؤساء الجماعات الترابية المندوبون الفعليون، وخاصة رؤساء المجالس الجهوية على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية، بما يفيد تعزيز الديمقراطية المحلية عبر تقوية الدور التمثيلي لرؤساء الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية بموجب القوانين التنظيمية الصادرة .

       و لتكريس سياسة اللاتمركز، نص دستور 2011 مجموعة من المبادئ منها مبدأ التفريع ، حيث يقضي أن تنجز الأعمال التي يمكن معالجتها محليا دون انتقالها إلى مستوى المركز، ومبدأ التدبير الحر للموارد  الذي يحكم تنظيم الجماعات الترابية بشكل لا يترك مجالا للشك في تحديد الأدوار والمهام بين الوحدات الترابية والسلطة المركزية، كما ظهر متغير اول تمثل في الوضع الاعتباري الجديد للولاة والعمال عبر تمثيلهم للسلطة المركزية في إشارة إلى التمييز بينها وبين الجماعات الترابية بما يعزز من موقعها، أما المتغير الثاني، فيتمثل في عمل الولاة والعمال تحت سلطة وتوجيه الحكومة التي تعينهم حيث ينفذون نصوصها التنظيمية ومقرراتها، كما يباشرون دور المساعدة بدل الوصاية مما يسمح بالتركيز على جعل البرامج والمخططات الوطنية تتلاءم مع التوجه المحلي عموما.

       ثانيا: المراسيم

       شهد اللاتمركز الإداري ميلاد أول إطار قانوني له بموجب مرسوم 2.93.625   بتاريخ 20 أكتوبر 1993  والمتعلق باللاتركيز الإداري. وبعد ذلك صدور مرسوم رقم 2.05.1369 بتاريخ 02 دجنبر2005 والمتعلق بتحديد قواعد وتنظيم القطاعات الوزارية و اللاتمركز الإداري، وأختتم هذا المشوار بصدور الميثاق الوطني للاتمركز الإداري بمقتضى مرسوم رقم  618.17.2 والذي صودق عليه من طرف المجلس الحكومي المنعقد بتاريخ 25 أكتوبر 2018  .

         أ- مرسوم 20 أكتوبر1993 في شأن اللاتركيز الإداري 

       يعتبر هذا المرسوم أول نص تنظيمي يحدد أهداف سياسة اللاتركيز الإداري، ففي المراحل السابقة، لم تهتم السلطات العمومية بمضمون سياسة عدم التركيز الإداري، بل اقتصر فقط على الجانب المؤسساتي بتوزيع الهياكل الإدارية توزيعا جغرافيا على مجموع الخريطة الإدارية مع تركيز السلطة على صعيد العاصمة.

       ويرمي هذا النص إلى توزيع الاختصاص والوسائل بين المصالح المركزية والمصالح الخارجية للإدارات العامة كما جاء في المادة الثانية منه، بحيث تختص الأولى بمهمة التخطيط والتوجيه و الإدارة على المستوى الوطني، بالمقابل تتكلف المصالح التابعة بتنفيذ سياسة الحكومة وجميع القرارات والتوجيهات الصادرة عن السلطات المختصة وفقا للنصوص التشريعية و التنظيمية المعمول بها .

      وفي هذا السياق يجوز للوزراء أن يفوضوا إلى رؤساء المصالح التابعة لهم وإلى العمال حق التصرف باسمهم وذلك بمراعاة واحترام الحدود الداخلة في نطاق اختصاصاتهم وهو بذلك يوسع من اختصاصات العمال، وأيضا تطبيقا لسياسة تقريب الإدارة من المواطنين وتبسيطا في الإجراءات الإدارية. كما خولهم إمكانيات تعيين رؤساء المصالح الخارجية آمرين نوابا لصرف للنفقات فيما يتعلق بجميع أو بعض الاعتمادات الموضوعة رهن تصرفهم.

       كما نص مرسوم 20 أكتوبر 1993 في المادة الرابعة منه على تشكيل اللجنة الدائمة للاتركيز الإداري مهمتها اقتراح سياسة الحكومة المتعلقة باللاتركيز الإداري و متابعة تنفيذها و أناط بها عدة مهام.

      تجدر الإشارة في هذا الصدد أن مقتضيات هذا المرسوم قد ابانت عن محدوديتها، خاصة مع تعزيز خيار الجهوية سنة 1997  وهو ما سيؤدي إلى اعتماد مرسوم جديد يتعلق بتحديد قواعد تنظيم القطاعات الوزارية و اللاتركيز الإداري.

       ب- مرسوم 2 دجنبر 2005 

       سعيا لترسيخ مبدأ اللاتمركز الإداري، تمت مراجعة إطاره القانوني المعمول به منذ سنة 1993 وذلك بإصدار ثاني مرسوم في 2 دجنبر2005 ،جاء لينظم القطاعات الوزارية وكذا توزيع الاختصاصات والوسائل بين الإدارات المركزية والمصالح اللاممركزة حيث يعهد بموجب هذا المرسوم للمصالح اللاممركزة بتنفيذ جميع المقررات والتوجيهات الصادرة عن السلطة المركزية، وذلك مع مراعاة المقتضيات الواردة في ظهير 15 فبراير 1977 المتعلق باختصاصات العمال كما تم تتميمه وتعديله، ومن أجل ذلك فالإدارة المركزية تضع رهن إشارة المديريات الجهوية والمديريات الإقليمية الإمكانات والوسائل الضرورية لتمكينها من ممارسة اختصاصاتها.

كما يتعين على رؤساء القطاعات الوزارية تفويض الإمضاء ومسؤولية اتخاذ القرارات الإدارية الفردية إلى رؤساء المصالح اللاممركزة على صعيد الجهة أو العمالة أو الإقليم باستثناء تلك القرارات التي لا يمكن تفويضها لهم بموجب مقتضيات تشريعية أو تنظيمية مخالفة.

     وفي هذا السياق أحدثت لجنة تنظيم الهياكل الإدارية و اللاتمركز الإداري ذلك بمقتضى  المادة 11 من مرسوم 2 دجنبر 2005 لهدف دراسة تصاميم مديرية اللاتمركز الإداري والمصادقة عليها، وهي ملحقة لدى السلطة الحكومية المكلفة بتحديث القطاعات العامة.

       ج- مرسوم25 أكتوبر 2018 بمثابة الميثاق الوطني للاتمركز الإداري

      يعتبر مرسوم 618.17.2  آخر لبنة من اللبنات التي تأسس عليها بنيان عدم التركيز الإداري حيث صودق على مشروع مرسوم الميثاق الوطني للاتمركز الإداري بتاريخ 25 أكتوبر 2018 .

      و جاء الميثاق الوطني للاتمركز الإداري كضرورة ملحة لمواكبة دستور2011 و أجرأة مضامينه، في أفق تنزيل الجهوية المتقدمة، و قد تأخر إصداره إلى غاية 27 دجنبر 2018 لحين إصدار النصوص القانونية والتنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية .

      ويروم هذا الميثاق أو المرسوم إلى تدخل الدولة على المستوى الجهوي والترابي من خلال تمكين المصالح اللاممركزة الجهوية من جملة من الاختصاصات تتمثل في المساهمة في إعداد “برنامج عمل” الدولة على المستوى الجهوي، تحت إشراف والي الجهة وتنشيط أنشطة المصالح اللاممركزة على مستوى العمالات والأقاليم، ومواكبة الجماعات الترابية في إعداد برنامج التنمية الجهوية إعداد التراب، بتكامل وانسجام مع عمل الدولة على المستوى الجهوي، وتدعيم علاقات الشراكة بين الدولة والجماعات الترابية.

      كما أن هذا المرسوم يسعى إلى تفعيل إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها، مثل الموافقة على القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين، عوض الاجتماع المعمول به سابقا، وتجمٌع كل اللجان المعينة والاستثمار في لجنة جهوية موحدة. وذلك لوضع حد للعراقيل والتبريرات التي تدفع بها بعض القطاعات الوزارية ويواكب ذلك، على تحديد أجل أقصاه شهر واحد، لعدد من الادارات للرد على الطلبات المتعلقة بالاستثمار، مع التأكيد على أن عدم جوابها داخل هذا الأجل بعد بمثابة موافقة من قبلها .

      كما يشكل هذا الميثاق دافعا لإصلاح الإدارة، وذلك بتفعيل مبدأ المحاسبة، و الوقوف على أماكن التعثر التي تعاكس هذا الاصلاح، لذلك يتعين العمل على جعل هذه الاجراءات أمرا واقعا.

     و من بين  مستجدات الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، إحداث آليات حكامة من اجل التتبع والمواكبة و التقييم المستمر لهذه المنظومة في كل مراحلها، وأخرى للتقييم هدفها المواكبة المستمرة لمختلف مراحل تنفيذ هذا الميثاق الوطني على الصعيد الترابي.

     تتشكل آليات الحكامة من:

اللجنة الوزارية للاتمركز الإداري: نصت المادة 38 على أن هذه اللجنة تحدث لدى رئيس الحكومة، تناط بها مهمة اقتراح التدابير اللازمة لتنفيذ التوجهات العامة لسياسة الدولة في مجال اللاتمركز الإداري, و السهر على تتبع تنفيذها و تقييم نتائجها.

اللجنة الجهوية للتنسيق: حسب المادة  30 من نفس الميثاق، تحدث هذه اللجنة لدى والي الجهة قصد مساعدته في ممارسة المهام الموكولة إليه خاصة على مستوى تنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للدولة و المؤسسات العمومية التي تمارس مهامها على مستوى الجهة و السهر على حسن سيرها.

اللجنة التقنية للعمالة أو الإقليم: نصت المادة 34 من الميثاق، على أنها تسهر على مساعدة عامل العمالة أو الإقليم في ممارسة الاختصاصات الموكولة إليه في مجال تنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للدولة والمؤسسات العمومية التي تمارس مهامها على مستوى العمالة والإقليم والسهر على حسن سيرها.

بنية إدارية خاصة تحمل اسم ” الكتابة العامة للشؤون الجهوية”: نصت المادة 33 من الميثاق على إحداث هذه البنية الإدارية تتولى علاوة على المهام التي يكلفها بها والي الجهة القيام بصفة خاصة بأعمال التنسيق و التتبع و المواكبة اللازمة لمساعدة والي الجهة في ممارسة صلاحياته و تحضير اجتماعات اللجنة الجهوية للتنسيق و السهر على تنظيمها و تنسيق أشغالها و إعداد محاضرها و التي يرأسها تحت سلطة والي الجهة كاتب عام للشؤون الجهوية يعين من قبل وزير الداخلية.

    أما آليات التقييم فتروم:

▪ إعداد تقارير دورية منتظمة حول حصيلة تنفيذ السياسات العمومية والقطاعية، على مستوى الجهة بحيث تجتمع اللجنة الجهوية للتنسيق بدعوة من والي الجهة كلما اقتضت الضرورة مرة كل شهر على الأقل، على إن تخصص كل مرة في السنة اجتماعا من اجتماعاتها من اجل تقييم حصيلة تنفيذ البرامج والمشاريع العمومية، و التي يتم انجازها على مستوى الجهة و ترفع نتائج هذا التقييم إلى السلطات الحكومة المعنية ،و يمكن لها علاوة على ذلك، أن تجتمع بطلب من السلطة أو السلطات الحكومية من أجل دراسة التقرير أو التقارير المرحلية التي تعدها المصالح اللاممركزة حول مستوى تنفيذ البرامج و المشاريع.

▪ انجاز تقييم لسياسة اللاتمركز الإداري على الصعيد الوطني من قبل اللجنة الوزارية للاتمركز الإداري و اقتراح إجراءات من شأنها تطويرها.

   المطلب الثاني :صور اللاتركيز الإداري وتقديره

      تظهر صورة اللاتركيز الإداري أساسا في التفويض الإداري الذي تتزايد أهميته في الوقت الحاضر. لذلك نرى أن نوليه شيئا من الدراسة.

      و يتشابه التفويض في الاختصاص مع الحلول في نقط كثيرة كما يختلف معه في جوانب متعددة كما سنرى في صور اللاتركيز الإداري (الفقرة الأولى) وتقدير أسلوب اللاتركيز الإداري (الفقرة الثانية(

      الفقرة الأولى : صور اللاتركيز الإداري

     أولا:التفويض

      لقد اختلفت تعاريف الفقهاء للتفويض الإداري وتعددت ,نذكر منها ما عرفه الدكتور سليمان محمد الطهاوي على انه إجراء يعهد بمقتضاه صاحب الاختصاص نقل جانبا أو بعضا من اختصاصاته, سواء في مسألة معينة أو في نوع من المسائل, إلى فرد أخر أو سلطة أخرى.

      ويعرف الدكتور خالد خليل الظاهر التفويض على انه أسلوب من أساليب عدم تركيز سلطات الوظيفة الإدارية في يد الحكومة المركزية ,بحيث يمنح تقرير الاختصاص من الرئيس إلى المرؤوسين المتواجدين  عبر مختلف الأقاليم ,دون الرجوع إليه, مع بقاء مسؤوليته.

     ويحدد الفقه أربعة شروط أساسية لممارسه التفويض:

    لا تفويض إلا بنص في مستوى النص الذي أجاز الاختصاص. 

    لا يكون التفويض إلا جزئيا 

      لا تفويض في السلطات المفوضة إلا إذا سمحت بذلك.

    ضرورة نشر قرار التفويض.

    ينقسم التفويض عادة حسب الفقهاء إلى نوعين تفويض السلطة أو الاختصاص وتفويض التوقيع أو الإمضاء.

     أ- تفويض الاختصاص:

      تفويض الاختصاص هو عمل قانوني بمقتضاه تتنازل سلطة معينة أي المفوض عن جزء من صلاحياتها وتخولها لسلطة تابعة لها, بالمفهوم الواسع للكلمة , أي المفوض له. هذا الأخير يتحمل إذا الالتزامات والمسؤوليات ذات الصلة بالصلاحيات المفوضة له. أيضا وفي حاله الإخلال بواجب معاقب عليه جنائيا, فالمسؤول هو المفوض له مكانه المفوض لان المسؤولية الجنائية تم أيضا نقلها. 

إقرأ أيضا :  مسطرة الاكراه البدني بين النص القانوني والعمل القضائي

    ومميزات التفويض في الاختصاص هي كما يلي:

     يتم بنص في إطار اختصاصات المخولة للمفوض

 وهذه النصوص التي تخول الاختصاصات لمختلف السلطات والهيئات السياسية و الإدارية وغيرها وتخول إمكانية التفويض فيها, قد تكون نصوص دستورية أو تشريعية أو تنظيمية أو مراسم أو مجرد قرارات وزارية. فمثلا في ما يتعلق بالنصوص الدستورية فإننا نجد مجموعه من الفصول في الدستور التي تحدد اختصاصات معينة لجهة محدده وتنص على حق هذه الجهة في التفويض. من ذلك مثلا ما جاء به الفصل من 90 الدستور الذي نص على  “أن يمارس رئيس الحكومة السلطة التنظيمية ويمكن ان يفوض بعض سلطه إلى الوزراء…”

 كذلك نص الفصل 93 على أن “الوزراء مسؤولون على تنفيذ السياسة الحكومية في كل في القطاعات المكلفين بها، وفي إطار  التضامن الحكومي .يقوم الوزراء بهذا المهام المسند إليهم من قبل رئيس الحكومة. ويطلعون مجلس الحكومة على ذلك. يمكن للوزراء أن يفوضوا جزءا من اختصاصهم إلى كتاب الدولة”

      اذن يتضح من خلال هذه النصوص الدستورية أنها تحدد الاختصاصات بشكل دقيق وتمنح الإمكانية لأصحاب هذه الاختصاصات في التفويض إما لجهة معينة بمقتضى النص الدستوري أو تترك الحرية لصاحب الاختصاص في أن يختار الشخص المفوض له. إلا أن تفويض الاختصاص لا ينصب إلا على جزء منه و لا يمكن أن يشمله كاملا.

ومثال المراسيم التنظيمية، فقد جاء مرسوم رقم 369.73.2 بتاريخ 15 يونيو 1973 الذي يقضي بالتفويض في السلطة إلى وزير المالية لتحديد التعاريف في ميدان التأمين.

     ولنفترض عدم وجود نص قانوني صريح بالتفويض, فهل يجوز الاستناد إلى العرف الإداري عند توفره في هذا المجال ؟ الواقع انه ليس هناك ما يمنع من أن يستند قرار التفويض إلى عرف يسمح به مادام المسلم بإجماع الفقهاء أن العرف مصدر من مصادر القانون الإداري, بل والقانوني عموما.

     عدم إمكانية تدخل المفوض في الاختصاصات التي فوضها

إذا قام صاحب اختصاص ما وفوض جزء من اختصاصه إلى شخص معين فلا يجوز له التدخل في الاختصاص المفوض أو ممارسته وهذا يستتبع بالضرورة أن الشخص المفوض له يتحمل المسؤولية كاملة عن ممارسته للاختصاصات المفوضة إليه .إلا انه يمكن للمفوض الإشراف على حسن سير و تنفيذ المهام المفوضة ,كما يمكن له إلغاء التفويض نهائيا أو تعديله بنفس الكيفية التي منحه بها.

     عدم ارتباط التفويض في الاختصاصات بالأشخاص

       إن التفويض في الاختصاصات لا يرتبط بالأشخاص في حد ذاتهم, بلا يرتبط بالمناصب التي يشغلونها أو الوظائف التي يمارسونها ,وهذا من شانه أن يضمن استمرارية أداء المنوطة والمفوضة لبعض الجماعات الترابية كالجهات والعمالات والأقاليم والمصالح الخارجية للوزارات لا سيما في مجال الاستثمارات و الصفقات العمومية وغيرها من المجالات بشكل عادي ومستمر ولو تغير الأشخاص الذين يوجدون على رأسها .وهذا يدخل ضمن مبدأ استمرارية المرفق العام وكذا تبسيط المساطر الإدارية.

       ب- تفويض التوقيع 

       إن تفويض التوقيع لا يجرد المفوض من إمكانية اتخاذه قرارات في المجالات التي فوض فيها توقيعه إلى شخص أخر، وهذا النوع من التفويض يعتبر بمثابة إجراء تنظيمي داخلي متكرر مقارنة مع تفويض الاختصاص. و هو كذلك لا يعدل توزيع الاختصاصات, كما يمنح لشخص معين باسمه ويتوقف إذا فقد هذا الأخير أو المفوض المهام التي منح التفويض برسمها.وتفويض الإمضاء لا يعفي كذلك المفوض من مسؤولية الأخطاء التي يرتكبها المفوض إليهم, فهو يظل مسؤولا إداريا وقضائيا.

         أما المفوض له، فلا يتصرف إلا مكان المفوض، ولا يمكنه أن يفوض بدوره صلاحية التوقيع المفوضة له لغيره. كما لا يمكنه تفويض سلطة التوقيع لعدة أشخاص في وقت واحد.

       وعموما فشكل قرار التفويض يقصد به الصورة الخارجية التي تحتم القوانين والمراسيم أن يفرغ فيها قرار التفويض, فالكتابة والتاريخ والتوقيع كلها من شكليات القرار, لكن كقاعدة عامة ليس هناك شكل معين لقرار التفويض. وسواء تعلق الأمر بتفويض سلطة الاختصاص أو سلطة التوقيع ,فان الأمر يتعلق بعمل ذي طبيعة إدارية محضة لا يخضع لأية شكلية خاصة. حيث يتم إعداد قرار التفويض كتابة وتبليغه إلى الأشخاص المعنيين به والى المحاسب العمومي. إلا أن في بعض الأحيان ,إضافة إلى التبليغ, يتم اللجوء إلى وسيلة النشر بالجريدة الرسمية وبدون موجب قانوني وذلك بهدف تحقيق علم المرتفقين والمتعاملين مع الإدارة بصدور قرار التفويض.

‌       ثانيا: الحلول  (suppléance )

     الحلول هو أن تحل سلطة إدارية محل سلطة إدارية أخرى , إذا توفرت شروط معينة ينص عليها القانون صراحة ,يعني انه لا يكون الحلول إلا بنص, ويكون لشخص أو لأشخاص يعينهم القانون.

     يقصد بالحلول أن يتغيب صاحب الاختصاص الأصيل أو أن يحدث له مانع يحول دون ممارسته لاختصاصاته, فيقوم محله للقيام بذلك من عينه المشرع, فيصبح مالكا لنفس السلطات التي كان يملكها المختص بها أصلا.

     ونجد في علاقة الرئيس مع المرؤوس انه يمكن أن يحل الأول محل الثاني في شروط معينة عادة ما يحددها القانون. كما نجد إمكانية حلول شخص محل موظف مختص في ظروف استثنائية عندما يستحيل على الموظف الأصلي ممارسة مهامه لموانع قاهرة .وتعتبر القرارات التي اتخذها الشخص الذي حل في ممارسة الاختصاص بصفة قانونية قرارات شرعية,و لا يمكن للشخص الأصيل الذي تم الحلول بسببه أن يعدل القرارات الصادرة عن الشخص الحال.

     وفي هذا الإطار, فقد نص القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات   على الحلول لكن بعد سلوك مسطرة خاصة وهذا ما يتضح في المادة رقم 76 حيث نصت على انه: “إذا امتنع الرئيس عن القيام بالأعمال المنوطة به بمقتضى أحكام هذا القانون التنظيمي وترتب على ذلك إخلال بالسير العادي لمصالح الجماعة، قام عامل العمالة أو الإقليم بمطالبته بمزاولة المهام المنوطة به.بعد انصرام أجل سبعة (7) أيام من تاريخ توجيه الطلب دون استجابة الرئيس، يحيل عامل العمالة أو الإقليم الأمر إلى القضاء الاستعجالي بالمحكمة الإدارية من أجل البت في وجود حالة الامتناع. يبت القضاء الاستعجالي داخل أجل 48 ساعة من تاريخ تسجيل طلب الإحالة بكتابة الضبط بهذه المحكمة. و يتم البث المشار إليه في الفقرة السابقة بواسطة حكم قضائي نهائي وعند الاقتضاء بدون استدعاء الأطراف.   إذا أقر الحكم القضائي حالة الامتناع، جاز للعامل الحلول محل الرئيس في القيام بالأعمال التي امتنع هذا الأخير عن القيام به”.

       يتضح انه لممارسة الحلول بطريقة صحيحة فلابد من توفر ظروف معينة وتحقق شروط محددة يجب مراعاتها وذلك لان الحلول يبقى دائما استثنائي, وكل ذلك يدخل في الضمانات الأساسية لاحترام ركن الاختصاص في القرار الإداري.

     و ختاما إن الحلول لا يقل أهمية عن التفويض, فهو وسيلة قانونية تمكن الدولة والسلطات الإدارية المعنية من الحلول محل سلطات إدارية دنيا أو تقع تحت مراقبتها, في حالة عدم أدائها لمهامها ورفضها لانصياع لتوجيهات السلطة الرئاسية أو سلطة المراقبة الإدارية في تنفيذ اختصاصاتها, وذلك بهدف أداء المهام المنوطة بها عوضا عنها تفعيلا للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل بشكل مستمر ومنتظم وابتغاء تحقيق المصلحة العامة.

الفقرة الثانية : تقدير أسلوب اللاتركيز الإداري

       يمتاز هذا الأسلوب ببعض المزايا(أولا) كما تشوبه بعد العيوب(ثانيا)   :

    أولا: مزايا اللاتركيز الإداري

    يمكن إجمال مزايا عدم التركيز الإداري كأسلوب متطور لنظام المركزية الإدارية فيما يلي:

     ▪ إرساء دعائم راسخة ودائمة لتعزيز التكامل في الوظائف والمهام بين المصالح بين المصالح اللامركزية للدولة والهيئات اللامركزية, ولاسيما منها الجماعات الترابية, وذلك من خلال السهر على تفعيل آليات الشراكة والتعاون بينها وتقديم كل أشكال الدعم والمساعدة للجماعات الترابية ومواكبتها في انجاز برامجها ومشاريعها التنموية.

    ▪ التطبيق الأمثل للتوجهات العامة لسياسة الدولة في مجال إعادة تنظيم مصالحها على الصعيدين الجهوي والإقليمي, وتحديد المهام الرئيسية الموكولة إلى هذه المصالح ,

    تحقيق الفعالية والنجاعة في تنفيذ البرامج والمشاريع العمومية التي تتولى المصالح اللامركزية على الصعيدين الجهوي والإقليمي, الاشرف عليهما, أو انجازها أو تتبع تنفيذها وضمان التقائية السياسات العمومية وتجانسها وتكاملها على الصعيدين الجهوي والإقليمي,

     تقريب الخدمات العمومية التي تقدمها الدولة إلى المرتفقين ,أشخاصا ذاتيين كانوا أو اعتباريين, وتحسين جودتها وتامين استمراريتها,

    أن هذه الصورة هي وحدها القادر على مواجهه مشاكل الدولة المتعددة والمنتشرة في كافة أرجاء الأقاليم فالوزير لا يستطيع أن يكون في كل مكان في وقت واحد ولا يستطيع من مكتبه في العاصمة يقرر لكل إقليم ما يتعلق بنشاط وزارته, فلابد إذا من أن يستعين بغيره في العاصمة وغيرها ويترك لهم بعض الاختصاصات, ويجعل أو يمنح لهم فيها سلطه التقرير.

     يمتاز هذا الأسلوب بمنح السلطة المحلية الصلاحيات في بعض الحالات الضرورية لاتخاذ القرارات دون الحاجة إلى الرجوع للسلطة المركزية لها, وبالإضافة إلى ما سبق فان السلطة المركزية تحتفظ بسلطتها و إمكانياتها على إصدار التعليمات لممثليها على الصعيد المحلي مع الاحتفاظ بحقها الكامل بالتعديل على أي قرار يصدر عنها,

    إن عدم التركيز الإداري هي الصورة التي تتيح للوزير الوقت اللازم لدراسة الموضوعات الهامة دراسة جدية لا سيما إذا أوكل الاختصاص داخل الوزارة إلى أشخاص ذوي كفاءة و خبرة يمكن الاعتماد عليهم في تصريف شؤون الإقليم,

   إن موظفي الوزارة المنتشرين في أجزاء الدولة هم الأقدر على حصر الحاجات المحلية وكيفية مواجهتها وذلك بحكم اتصالهم المباشر بالقاطنين فيها,

   إن عدم تركيز الإداري يتيح إعداد الموظفين وتهيئتهم لتحمل المسؤولية وتأهيلهم مستقبلا لشغل الوظائف القيادية, لذلك فانه من حسن الإدارة أنتخول بعد الصلاحيات إلى المدير الأعراف بالأقاليم.

  إن اعتماد عدم التركيز الإداري لا يؤدي إلى الإخلال بوحدة الجهاز الإداري ،فالوزير يحتفظ بالسلطة الرئاسية التي تخوله التعقيب على أعمال المدراء والموظفين في الإقليم,

  خطوة في سبيل اللامركزية لأنها ستحقق المزايا مما يجعل المشرع يعترف لهذه الوحدات بالاستقلال والشخصية المعنوية لأنه يصعب الاعتراف المفاجئ بقيام أشخاص إدارية تتمتع ابتداء ومنذ مولدها بالشخصية المعنوية العامة.

‌  ب-مساوئ اللاتركيز الإداري

  تتجلى أهم مساوئ اللاتركيز الإداري في أن:

 ▪ ممثل السلطة المركزية قد يجهل المشاكل المحلية, مما يسبب له صعوبة بالغة في تسيير عمل الإدارة المحلية.

  تعيين ممثل السلطة المحلية قد لا يكون ديمقراطيا في كثير من الحالات أحياناً ويتمثل ذلك بتعيين ممثل السلطة المحلية غير المناسب لمكانه.

خاتمة

      يمكن القول أن نظام المركزية الإدارية يقوم بإلحاق كل المرافق العامة في الدولة بالحكومة دون أن يعني ذلك أن السلطة المركزية هي التي تتولى جميع الأعمال في مختلف أقاليم الدولة. إذا قد تقوم بسلطاتها بشكل مباشر أو عن طريق ممثليها في الأقاليم وتبعا لذلك يمكن قول إن المركزية الإدارية تقوم على عنصرين : وهما احتكار السلطة الإدارية من طرف الإدارة المركزية وسيادة التسلسل الإداري. حيث الأوامر تذهب من الرأس إلى القاعدة.

      و تتخذ المركزية صورة اللاتركيز الإداري أو المركزية النسبية التي تقوم بتحويل سلطة القرار في ميادين معينة إلى موظفي الوزارة بالعاصمة أو الجهات أو الأقاليم ليتخذوا القرار باسم الوزير دون الرجوع إليه ويعملوا تحت سلطته الرئاسية.

     وجدير بالذكر أن دستور 2011 و أول مرة في تاريخ المغرب قد أتى بمصطلح المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية تعبيرا عن رغبه المشرع المغربي  في تعزيز مسار اللاتركيز كنموذج لتكريس إدارة القرب من المواطنين وتنفيذا للاختيارات الاستراتيجية والتعليمات الملكية السامية على تدعيم مسلسل اللاتركيز الإداري قصد مواكبة الدينامية الجديدة التي يعرفها المغرب. و مما لا شك فيه فان هناك مجهودات مبذولة في مجال تنظيم المصالح الإدارية تتجه نحو تجاوز وضعية تمركز الاختصاصات والسلطة التقريرية والوسائل المادية والبشرية على مستوى الإدارات المركزية, وذلك لفائدة المصالح اللاممركزة في القطاعات الوزارية عبر تدعيم مسلسل اللاتركيز الإداري وترسيخ مفهوم الجهة الذي يجعل من نظام اللامركزية والجهوية أداة فعالة في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. 

     فإذا كان الدور الجديد للمصالح اللاممركزة أصبح يراهن عليه لتطوير وتحديث الإدارة العمومية لجعلها قاطرة حقيقية للتنمية فإن الأمر يقتضي الأخذ ببعض الاقتراحات:  

خلق ثقافة اللاتركيز والمحافظة عليها إلى  جانب النصوص القانونية التي يقتضيها تطبيقه.

تجربة نموذجية في بعض الجهات يمكن أن تتضمن لا تركيز أوسع ويمكن تعميمها تدريجيا تبعا للنتائج المحصل عليها. 

توسيع دائرة التفويض حتى تشمل قرارات أكثر فاعلية وليس قرارات هامشية.

انه لمن الضروري تشجيع عمليات صنع القرار لتصبح أكثر فعالية وتخصصية مع إبقاء قواعد المسؤولية داخل الإدارة واضحة ومعروفة.

لائحة المراجع

الكتب

•توفيق السعيد، القانون الاداري، طبعة 2006

•مليكة الصروخ، القانون الاداري، دراسة مقارنة، طبعة 2001

•محمد يحيا، القانون الاداري، طبعة 2004

•المهدي بنمير، التنظيم الاداري المحلي بالمغرب، الطبعة الاولى 1993

•عبد الرحمان البكريوي، الوجيز في القانون الاداري المغربي، الطبعة الاولى 1990

•سليمان محمد الطماوي، مبادئ القانون الاداري دراسة مقارنة الطبعة الاولى 1977 

•نواف كنعان، القانون الاداري، الطبعة 2002

•عبد القادر باينة، المختصر في القانون الاداري المغربي، الكتاب الاول، الطبعة 1985

•أحمد أجعون، الوجيز في التنظيم الاداري المغربي، الطبعة الثانية 2020

•سعيد نكاوي، ميثاق اللاتمركز الاداري والتدبير اللاتمركز للاستثمار، دراسة تحليلية، مطبعة الامنية الرباط، 2019

•سعيد جفري، المختصر في التنظيم الاداري المغربي الجديد، مطبعة الامنية الرباط، 2017

•كريم لحرش، التنظيم الاداري المغربي، مطبعة طوب بريس، الطبعة الاولى 2011

•عبد الحفيظ أدمينو والشريف الغيوبي، مبادئ أساسية في القانون الاداري والتنظيم الاداري مطبعة الخليج العربي، تطوان، الطبعة الثانية، 2006

القوانين والظهائر:

دستور 2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو •

2011 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5964

•دستور 1962، الصادر بتنفيذه الأمر الملكي بتاريخ 14 دجنبر، المستفتى عليه بتاريخ 7 دجنبر 1962، بمقتضى الظهير الشريف الصادر بتاريخ 4 نونبر 19962، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 2616 مكرر بتاريخ 19 دجنبر 1962

•القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات

•ظهير الشريف رقم 1.80.275 بتاريخ 5 صفر 1401 هـ (13 دجنبر 1980)يتعلق بتحديد اختصاصات كتابة الدولة وبتأهيل الوزراء لتفويض إمضائهم أو بعض اختصاصاتهم إلى كتاب الدولة التابعين لهم، منشور بالجريدة الرسمية 3558 بتاريخ 07/01/1981 الصفحة 4

 المراسيم :

•مرسوم رقم 2.93.625 صادر في 4 جمادى الاولى 1414 (20 أكتوبر 1993) فب شأن اللاتركيز الاداري، منشور بالجريدة الرسمية عدد 4225 بتاريخ 3 نونبر 1993 صفحة 2209

•مرسوم رقم 1369.05.2 بشأن تحديد قواعد تنظيم القطاعات الوزارية واللاتمركز الاداري الصادر في 29 شوال 1426 (2 دجنبر 2005) بالجريدة الرسمية رقم 5386

تاريخ النشر 12 يناير 2006

•مرسوم رقم 2.17.618 بمثابة ميثاق اللاتمركز الاداري صادر بتاريخ 27 دجنبر 2018 بالجريدة الرسمية عدد 6738

•مرسوم رقم 369.73.2 بتاريخ 15 يونيو 1973 الذي يقضي بالتفويض في السلطة الى 

وزير المالية لتحديد التعاريف في ميدان التأمين 

المقالات

أسية أهرواز، اللاتمركز الاداري ومدى مساهمته في تحقيق الجهوية المتقدمة بالمغرب، المركز الديمقراطي العربي، 12 غشت 2018

المواقع الالكترونية:

–https://www.mohamah.net/law

–https://www.chambredesrepresentants.ma

تاريخ الاطلاع09/01/2022، الساعة 19.00 مساء

–https://www.marocdroit.com

–https://www.parlement.ma

تاريخ الاطلاع09/01/2022، الساعة 23.36

الفهرس

مقدمة: ……………………………………………………………. 1

المبحث الاول : المركزية الإدارية ………………………………………5

المطلب الاول: الإطار المفاهيمي للمركزية الإدارية ……………………….5

الفقرة الاولى: مفهوم المركزية الإدارية و عناصرها ………………………..5

الفقرة الثانية: تجسيد المركزية في التنظيم الإداري المغربي………….. ……. 11

المطلب الثانية: أشكال المركزية الإدارية وتقديرها….. …………………….. 15

الفقرة الاولى : أشكال المركزية الإدارية ………………………………….15

الفقرة الثانية: تقدير نظام المركزية الإدارية……………………………. … 17

المبحث الثاني: اللاتمركز كشكل من أشكال المركزية…. …………………..20

المطلب الأول: الإطار المفاهيمي و القانوني للاتمركز…….. …………….. 20

الفقرة الأولى: الإطار المفاهيمي للاتمركز ……………………….. ………21

الفقرة الثانية: الإطار القانوني للاتمركز…………………………………… 24

المطلب الثاني: صور اللاتركيز الإداري و تقديره.. ……………………….. 33

الفقرة الأولى: صور اللاتركيز الإداري……………………………………. 33

الفقرة الثانية : تقدير أسلوب اللاتركيز …………………………………… 39

خاتمة: …………………………………………………………. ….42

لائحة المراجع:………………………………………………………..44

الفهرس: ……………………………………………………….. …..46

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى