آثار سحب المستفيد لشكايته على سير إجراءات البحث التمهيدي في جرائم الشيك

 يعد الشيك كأداة وفاء أهم الوسائل المالية المتداولة بين الناس ، إذ اتسع مجال التعامل به ، ولم يعد خاصا بالمعاملات التجارية بل انتقل إلى الأشخاص العاديين في معاملاتهم المدنية ، كما أنه لم يبق مجرد أداة لسحب الودائع البنكية لفائدة الساحب نفسه ( ۱ ) . 

آثار سحب المستفيد لشكايته على سير إجراءات البحث التمهيدي في جرائم الشيك
آثار سحب المستفيد لشكايته على سير إجراءات البحث التمهيدي في جرائم الشيك


ولقد تزايدت أهمية الشيك بازدياد حجم التعامل به في مختلف الدول ، ومع تباين التشريعات الوطنية في هذا المجال ظهرت الحماية إلى توحيد القواعد المنظمة للشيك ( 2 ) .


 وبالرغم من أهمية الشيك هذه ، ودوره في التعامل بين الناس وحلوله في كثير من المعاملات محل النقود وتقليله من مظاهر ضياع هذه الأخيرة أو سرقتها ، فقد نتج عن استعماله دون فهم لطبيعته ووظيفته أو عدم احترامها مشاكل كثيرة أهمها شيكات الضمان التي تجعل هذا السند أداة ائتمان لا أداة وفاء ، إضافة إصدار الشيك بدون مؤونة ، والتي بالرغم من تجريم المشرع لها وعقابه عليها فقد أدت إلى تدهور مصداقية الشيك ( 3 ) .


وقد تدخل المشرع أكثر من مرة لتنظيم التعامل بالشيك حفاظا على وظيفته وذلك بمقتضى ظهير 1926/05/12 المتعلق بالشيك البريدي ، وظهير 1939/01/19 المتعلق بالشيكات المصرفية .


 كما ينفرد الشيك وحده دون باقي الأوراق التجارية بنظام زجري لحماية التعامل به كأداة للوفاء تقوم مقام النقود ، ذلك أن اشتراط المشرع ضرورة أن يكون المسحوب عليه بالنسبة للشيك مؤسسة بنكية مرخصا لها بممارسة النشاط البنكي وبمسك الحسابات التي يتم التعامل فيها بالشيكات هو الذي جعله يعمل من جهة على إضعاف مركز الشيك بالمقارنة مع الكمبيالة مثلا بالنسبة لبعض الضمانات الاتفاقية ، ومن جهة ثانية على إقرار توازن من شأنه تقوية هذا المركز ، وذلك بمعالجة الوضع الخاص بالشيك عن طريق تجريم الأفعال التي قد تؤدي إلى إهدار ثقة المتعاملين به وإلى المساس بالضمانات القانونية التي يوفرها لهم القانون في هذا الإطار ( 1 ) .


 وما يلاحظ في هذا الإطار على مستوى التشريعات المقارنة أن هذه الأخيرة تفرد للشيك نظاما جنائيا خاصا بكل دولة ، وإن كان ذلك بدرجة متفاوتة ، ولاسيما في الأفعال المجرمة ونوعية العقوبة المقررة لزجر وردع مرتكبي هذه الأفعال ، ولعل السبب في ذلك راجع إلى كون اتفاقية جنيف للقانون الموحد تركت الصلاحية لكل دولة من الدول التي تأخذ بهذا القانون في تحديد النظام الزجري الذي تقدر أنه ملائم لحماية التعامل بالشيك داخل إقليمها ( 2 ) .


هذا وإذا كان المشرع المغربي قد اشترط الشكاية في بعض الجرائم تحت طائلة عدم قبول المتابعة وجعل سحب الشكاية سببا مسقطا للدعوى العمومية ، فإنه سكت عن اشتراط ذلك في جرائم الشيك ، كما أن إعمال النيابة العامة لسلطة الملاءمة في المتابعة بخصوص هذه الجريمة يختلف تبعا لتوجهات النيابات العامة ، ثم إن المشرع ترك للقاضي سلطة في تقدير وسائل الإثبات والحكم بالعقوبة في إطار هذه السلطة التقديرية .


 ومن هذا المنطلق تبقى الإشكالية المطروحة للنقاش هي ما أثر سحب المستفيد لشكايته على سير البحث التمهيدي في جريمة عدم توفير مؤونة الشيك وهل استطاع القضاء المغربي تجاوز القصور التشريعي بخصوص هذه الجريمة ؟ 


للإجابة عن هذه الإشكالية سنعالج الموضوع في فصلين وفقا للمنهجية التالية :


 الفصل الأول : الإطار التشريعي لجرائم الشيك وعلاقة الشكاية بجريمة عدم توفير المؤونة 

الفصل الثاني : العمل القضائي في جرائم الشيك



الفصل الأول: الإطار التشريعي لجرائم الشيك وعلاقة الشكاية بجرائم الشيك 


تضمنت مدونة التجارة التي دخلت حيز التطبيق بتاريخ 1997/10/03 مقتضيات زجرية خاصة بتحديد جرائم الشيك والعقوبة المحددة لكل جريمة على حدة ، بينما كانت النصوص المنظمة لهذه الجرائم موزعة بين نصوص قانون الشيك ونصوص القانون الجنائي ، ولعل الهدف من ذلك ربما راجع للطبيعة الاقتصادية لهذه الجريمة ، خصوصا وأن المشرع المغربي جعل منها جريمة إغفال أو تقصير متخليا عن فكرة سوء النية التي كان يشترطها الفصل 543 من ق.ج. 


كما أن المشرع المغربي لم يجعل الشكاية شرطا أساسيا لتحريك المتابعة في جرائم الشيك بخلاف ما فعله في بعض الجرائم والتي رتب فيها سقوط الدعوى العمومية بسبب سحب الشكاية .


 لكن لا يمكن للنيابة العامة أن تحاط علما بجرائم الشيك إلا عن طريق شكاية المستفيد من الشيك ( المبحث الأول ) ، كما أن سحب الشكاية في جريمة عدم توفير مؤونة الشيك لا يؤثر على سير الدعوى العمومية كأصل عام وإن كان هناك اختلاف في تفعيل سلطة الملاءمة في المتابعة ( المبحث الثاني ) .


الفصل الثاني: العمل القضائي في جرائم الشيك


 تعتبر الجريمة المرتبطة بانعدام المؤونة أو عدم كفايتها من جرائم الساحب لأنه هو المخاطب بأحكامها ، إذ ورد في البند الأول من الفقرة الأولى من المادة 316 من م.ت " ساحب الشيك الذي أغفل أو لم يقم بتوفير مؤونة الشيك قصد أدائه عند تقديمه " ، ومهما يكن من أمر فإن الجريمة المذكورة هي جريمة مادية لا يتوفر قيامها على قصد جنائي ، على أنها لا تتم إلا في ثبوت انعدام المؤونة أو عدم كفايتها لأداء الشيك عند تقديمه للأداء ، ذلك أن وجود الشيك كسند يعد من الشروط الأساسية لقيام هذه الجريمة ، إلا أن اختلاف مفهوم الشيك في المادة التجارية عنه في المادة الجنائية قد يجعل البعض يتساءل عن شروط صحة المتابعة في هذه الجريمة ومدى إمكانية مساءلة الشخص المعنوي ( المبحث الأول ) ، كما أن الجريمة موضوع البحث تقبل الإثبات بكل الوسائل في إطار حرية الإثبات في الميدان الجنائي ، وأن المشرع منح سلطة واسعة للقاضي الجنائي في تقدير العقوبة ( المبحث الثاني ) .



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-